الشيخ محمد عبد الباري.. من الألم يولد الأمل

الخامسة للأنباء - غزة
الشيخ محمد عبد الباري.. حكايا في زمن الحرب إعداد: شهد البابا
لم يكن الصمت الذي سكن حنجرة الشيخ محمد عبد الباري طوال عامين وثلاثة أشهر مجرد غيابٍ للكلام، بل كان صمتًا قسريًا فرضته أطنان من المتفجرات، سلبت منه صوته وذاكرته في لحظة واحدة.
هو الذي اعتاد أن يصدح بالموعظة والحق إمامًا وخطيبًا لأكثر من عشرين عامًا، ويرافق حجاج غزة مرشدًا لسبعة عشر عامًا، وجد نفسه فجأة أسير خيمة نزوح في خانيونس، هزيل الجسد، مثقل الروح، وعقله يرفض تصديق أن عائلته تحولت إلى أشلاء في غمضة عين.
من رماد المجزرة… بدأت الحكاية
بدأت رحلة الشيخ محمد كآلاف الغزيين الذين أُجبروا على النزوح تحت القصف. يقول مستعيدًا تلك الأيام الثقيلة:
“خرجنا من غزة بحثًا عن أمان مفقود، ووصلنا إلى خانيونس. كنا عائلة ممتدة؛ الجد والأبناء والأحفاد، وكانت زوجتي ترافقني وهي حامل في شهرها الخامس”.
لم تدم الطمأنينة المؤقتة طويلًا. استهدفت الطائرات الحربية المنزل الذي احتمت به العائلة بصاروخين ضخمين، فتحول البيت في ثوانٍ إلى كتلة من النار والرماد.
يقول الشيخ محمد بصوتٍ يختلط فيه الألم بالإيمان:
“نظرت حولي فلم أرَ سوى الدم والحرائق. رأيت زوجتي وقد خرج جنينها من جنبها وتحول إلى أشلاء، ورأيت والدتي السبعينية ممزقة، وأخواتي الثلاث يحترقن مع أطفالهن. كان أولادي يسقطون من الطابق الرابع وهم يصرخون… وقتها شعرت أن عقلي توقف ولساني تيبّس تمامًا”.
أسفرت المجزرة عن استشهاد والدته، وزوجته وجنينها، وشقيقاته الثلاث مع أطفالهن، وشقيقه وأبنائه، في مشهد يصفه الشيخ بأنه “يفوق الوصف”.
صمتٌ ثقيل… وأنيسه القرآن
استقرت الشظايا في مركز النطق داخل دماغ الشيخ محمد، لتبدأ رحلة طويلة مع الصمت وفقدان الذاكرة الجزئي والهزال الشديد.
طوال عامين وثلاثة أشهر، انكفأ داخل خيمته، غابت الكلمات التي طالما واسى بها الناس، لكنه يقول إن شيئًا واحدًا لم يفارقه:
“كل شيء غاب عني… إلا القرآن الكريم. كان أنيسي في وحدتي، وفي صلاتي، وفي خلواتي داخل الخيمة”.
ومع اشتداد الصدمة النفسية، وعودة مشاهد الأشلاء والدماء إلى ذاكرته باستمرار، لازمَه عدد من المشايخ والأقارب، يقرأون عليه القرآن ويرقونه، في محاولة لانتشاله من خوفه العميق.
رؤيا غيّرت كل شيء
في ليلة العشرين من رمضان، وبعد أيام من الرقية والدعاء، رأى الشيخ محمد رؤيا يقول إنها كانت نقطة التحول في حياته.
يروي بتأثر بالغ:
“رأيت النبي محمد صلى الله عليه وسلم في أبهى صورة، ومعه أهلي الشهداء. رأيت أمي شابة في الخامسة والعشرين رغم أنها استشهدت في السبعين، ورأيت أخي علاء كأنه شاب صغير. قال لي: هكذا يكون أهل الجنة”.
ويتابع:
“وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده المباركة من منتصف أنفي حتى صدري، وبدأ يتلو أواخر سورة الحشر بصوت لم أسمع أجمل منه قط… ثم قال لي: يا محمد قم، فإن الله قد أعاد إليك النطق”.
استيقظ الشيخ محمد، وإذا بصوته يعود فجأة بعد سنوات من الصمت، في لحظة وصفها بأنها “ولادة جديدة بعد كل هذا الألم”.
فرحٌ يشبه العيد
تحولت خيمة النزوح الصغيرة إلى مساحة فرح كبيرة. تجمع الجيران والأقارب، وارتفعت الزغاريد، ووزعت الحلوى، واجتمع الناس على المديح النبوي احتفالًا بعودة صوت الشيخ.
يقول الأهالي إن ذلك اليوم كان “عيدًا بعد العيد”.
رسالة أمل من قلب الحرب
وفي ختام حديثه، يوجه الشيخ محمد رسالة لأهالي غزة قائلاً:
“هذه البشرى ليست لمحمد وحده، بل لكل أهل غزة الذين يعيشون بين الخيام والمجازر. من الألم يولد الأمل، وما بعد الضيق إلا الفرج. مهما اشتدت المأساة، لن يضيع الله صبركم وثباتكم”.
أما لعائلات الشهداء، فيقول بصوت يملؤه اليقين:
“هنيئًا لكم الشهادة… وأسأل الله أن يجمعنا بأحبابنا في مستقر رحمته وسلامه”.
في غزة، لا تنتهي الحكايات عند الموت، بل تبدأ أحيانًا من قلب الفاجعة. وهناك، وسط الخيام والركام، يولد الأمل من رحم الألم… ويعود الصوت بعد صمتٍ طويل.









