الصحفي محمد قشطة… وجه الإنسانية في حرب الإبادة
شبكة الخامسة للأنباء - غزة

الصحفي محمد قشطة .. أقمار الصحافة إعداد: سهر دهليز
لم يكن الشهيد محمد صلاح قشطة مجرد اسم يُضاف إلى سجل الشهداء، بل كان قصة إنسانٍ عاش قريبًا من الناس، وحمل همّهم، واختار أن تكون حياته فعلًا إنسانيًا متواصلًا حتى لحظة استشهاده.
وُلد محمد قشطة في مدينة خانيونس بتاريخ 15 شباط/فبراير 1990، لكنه عاش معظم سنوات عمره بين أهله وعائلته في مدينة رفح، حيث تشكّلت ملامح شخصيته الإنسانية، وبُنيت علاقته العميقة بالمجتمع المحلي، الذي عرفه رجلًا خدومًا، حاضرًا وقت الحاجة، ومتقدمًا الصفوف في أوقات الشدّة.
الدراسة والرسالة الإنسانية
درس محمد العلاقات العامة والإعلام في كلية العلوم والتكنولوجيا، مؤمنًا بأهمية الكلمة والتواصل وخدمة المجتمع.
ورغم أنه لم يعمل صحفيًا بشكل تقليدي داخل المؤسسات الإعلامية. إلا أن رسالته لم تبتعد يومًا عن جوهر الصحافة الحقيقي: الانحياز للإنسان، ونقل معاناته، والعمل من أجلها.
تزوّج الشهيد محمد، وكان أبًا لأربعة أطفال: صلاح، عمار، يمان، ووفاء، الذين تركهم أمانة في أعناق الوطن. وشهودًا على مسيرة أبٍ عاش كريمًا ورحل كريمًا.
المسيرة العملية والإغاثية
عمليًا، تنوّعت محطات عمله؛ فقد امتلك مطبعة خاصة، وعمل في التجارة من خلال متجر قشطة للهدايا لمدة ثلاث سنوات. إلا أن العمل الإغاثي ظل العنوان الأبرز والأطول في حياته، حيث أمضى أكثر من 12 عامًا في هذا المجال. واضعًا خبرته وعلاقاته في خدمة العائلات المحتاجة.
وخلال الحرب، برز اسم محمد صلاح بشكل واضح من خلال عمله الإغاثي مع اللجنة المصرية. حيث كان حاضرًا في تنظيم وتنسيق المساعدات، وتسهيل وصولها إلى مستحقيها. متحملًا المخاطر، ومؤمنًا بأن الواجب الإنساني لا يحتمل التأجيل. وبحسب زملائه، عُرف بالتزامه العالي، وهدوئه تحت الضغط. وحرصه الدائم على أن تصل المساعدات إلى من هم بأمسّ الحاجة إليها.
العدسة لا تموت
في 21 يناير/كانون الثاني 2026، استُشهد محمد صلاح قشطة، البالغ من العمر 35 عامًا. إثر قصف إسرائيلي مباشر استهدف سيارة كانت تقلّه برفقة الصحفيين عبد الرؤوف شعت وأنس غنيم في حي الزهراء وسط قطاع غزة. كان الثلاثة في مهمة تصوير لمخيمات اللجنة المصرية، يوثقون أوضاع النازحين وواقعهم الإنساني في ظل العدوان المستمر. قبل أن تُنهي الغارة حياتهم وتُسكت عدساتهم.
اغتالت الغارة جسد محمد، لكنها لم تُنهِ رسالته. فكل صورة كان يسعى لالتقاطها، وكل قصة كان يركض خلفها. تحولت اليوم إلى شهادة على جريمة، وإلى دعوة مفتوحة للعالم للنظر إلى غزة بعيون من استُشهدوا وهم يوثّقونها.
الشهادة الإنسانية ورثائه
أصدقاؤه والمقرّبون منه أكدوا أنه لم يكن يبحث عن الظهور أو التقدير، بل كان يعمل بصمت. معتبرًا أن خدمة الناس شرف بحد ذاته، وأن الوقوف إلى جانبهم في أوقات الحرب هو أقل ما يمكن تقديمه.
وتستحضر عائلة الشهيد صورته داخل البيت وخارجه، حيث يقول شقيقه حبيب قشطة.: “لم يكن محمد مجرد فرد في عائلتنا، بل كان روحها الحاضرة وكتفها الذي نتكئ عليه في الشدائد. عرفناه ابنًا بارًا، وأخًا سندًا، وزوجًا وفيًا، وأبًا حنونًا لم يبخل يومًا على أطفاله الأربعة بالحب والاهتمام، رغم قسوة الظروف”.
وأضاف: “كان يؤمن أن خدمة الناس عبادة، وأن الوقوف إلى جانبهم في أوقات الحرب شرف لا يُقارن. لم يبحث عن مقابل أو شكر، وكان دائمًا يقول إن ما يقوم به واجب تجاه الله والوطن والإنسان”.
وتابع بحزن شديد: نودّعه اليوم وقلوبنا موجوعة، لكننا فخورون به وبسيرته. وبأثره الطيب الذي تركه في كل من عرفه. نعزّي أنفسنا وأطفاله. ونقول لهم: كان والدكم رجلًا عظيمًا، عاش كريمًا، ورحل شهيدًا.
أما الصحفي هاني الشاعر، في رثاء صديقه الشهيد محمد قشطة قائلاً:. “لم يكن محمد صديقًا عابرًا في حياتي، بل إنسانًا ترك أثرًا هادئًا وعميقًا دون ضجيج. عرفته صادقًا. يقدّم الآخرين على نفسه، واضعًا الواجب فوق كل شيء”.
وأضاف: “عمل بصمت، وترك أثرًا لا يُمحى، ورحيل الجسد لا يعني غياب الرسالة. اسمه سيبقى شاهدًا على رجال يشبهون الضوء… يضيئون ثم يرحلون”
الصحفي محمد قشطة
وأكدت اللجنة المصرية في تعليق لها أن الصحفيين كانوا يؤدون مهمة إعلامية بحتة. تهدف إلى توثيق الجهد الإنساني ومعاناة المدنيين. معتبرة أن استهدافهم “يمثل انتهاكًا خطيرًا لكل القوانين الدولية، ويعرقل العمل الإنساني والإغاثي”.
وأضافت اللجنة أن استشهاد محمد وزميليه “يعكس حجم المخاطر التي تواجه الطواقم الإعلامية العاملة في الميدان. ويؤكد الحاجة الملحّة إلى توفير حماية حقيقية للصحفيين”.
استشهاد محمد وزملائه الصحفيين يعيد تسليط الضوء على الاستهداف الممنهج للصحفيين الفلسطينيين. الذين يدفعون حياتهم ثمنًا للحقيقة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الدولية التي تكفل حماية الصحفيين أثناء النزاعات المسلحة. فمحمد لم يحمل سلاحًا، بل كاميرا، ولم يكن في ميدان قتال، بل في مهمة إنسانية توثيقية.
إرث خالد
استُشهد محمد صلاح قشطة وهو يؤدي واجبه الإنساني، ليؤكد أن الشهادة لا تقتصر على من يحمل الكاميرا أو القلم. بل تشمل كل من حمل همّ الناس وسخّر حياته لخدمتهم.
وبرحيله، فقدت رفح ابنها الإنسان الصادق، وفقدت الساحة الإنسانية أحد جنودها المخلصين. لكن أثره سيبقى حيًا في وجوه من ساعدهم، وفي دعوات الأمهات، وفي ذاكرة زملائه. وفي قلوب أطفاله الذين سيكبرون وهم يروون بفخر: كان أبونا شهيدًا… وكان إنسانًا.




























































