أقمار الصحافةالرئيسية

المصور الصحفي آدم أبو هربيد.. صوت النازحين الذي لم يُكمل تقريره

شبكة الخامسة للأنباء - غزة

المصور الصحفي آدم أبو هربيد.. أقمار الصحافة إعداد: إيمان غنام

في قلب غزة، حيث تتشابك أصوات الانفجارات مع صرخات المدنيين، وقف آدم، يحمل كاميرته كدرع وصوت لكل من فقد القدرة على الكلام، لم يكن مجرد صحفي؛ كان شاهداً على الدمار، وموثقًا للحقيقة في لحظات الخطر، وثق الالم واقترب من نار القصف ليروي قصص الحياه والدمار.

رحل جسده، لكنه ترك خلفه إرثًا من الصور والذكريات التي لن تمحى ، استشهد وهو يحمل كاميرته التي لم تفارقه حتى اللحظة الأخيرة.

عدسة في قلب الحرب

في بيت صغير ببلدة بيت حانون شمال قطاع غزة، كان آدم، ينظر إلى الشوارع المزدحمة بالحياة، يراقب الأطفال يلعبون، والباعة ينصبون عرباتهم، بالنسبة له، كانت هذه الحياة اليومية، بكل تفاصيلها الصغيرة، قصة تستحق أن تُروى ، فكانت الكاميرا رفيقته الدائمة، أول شيء يلتقطه عند استيقاظه، وآخر شيء يودعه عند نومه.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

مع تصاعد الغارات والقصف، لم يكتف آدم بتصوير الحياة العادية، بل أصبح الشاهد الأول على الدمار والخراب، كان يتجول بين الركام، يلتقط الصور ويصوّر المشاهد الإنسانية: جدار مهدوم.. بيت تهدم فوق ساكنيه.. دموع أم فقدت أطفالها، كان مؤرخًا لمأساة شعبه، ينقل الحقيقة التي حاول الكثيرون إخفاءها.

المصور الصحفي آدم أبو هربيد … البدايات

وُلد آدم محمد أبو هربيد في بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة، وعُرف منذ صغره بشغفه بالصورة والتوثيق. كان يحمل كاميرته الأولى كهواية، يصوّر الحياة اليومية البسيطة في المخيم. قبل أن تتحوّل الهواية إلى مهنة ورسالة، وينخرط في العمل الإعلامي مبكرًا.

درس الإعلام وعمل مع منصات محلية كمراسل ميداني ومصور صحفي، واشتهر بجرأته في الوصول لأماكن القصف خلال الدقائق الأولى، كما عمل كمراسل مستقل، وتعاون مع منصّات عديدة كانت تعتمد على مادته المصوّرة لكشف الانتهاكات على الأرض، خاصة في المناطق التي يصعب على الإعلام الدولي الوصول إليها.

كان آدم يُعتبر من أبرز الصحفيين الميدانيين في شمال قطاع غزة، وعُرف بالتغطيات الخطرة من خطوط التماس في بيت حانون وبيت لاهيا وجباليا، حيث عمل مراسلًا صحفيًا مستقلاً لعدة منصّات محلية، كما عمل موثقًا لانتهاكات الاحتلال في المناطق الحدودية، ومصورًا ميدانيًا يغطي الغارات الجوية والدمار والقصص الإنسانية.

واشتهر آدم بشجاعته في الاقتراب من مواقع الاستهداف لنقل الحقيقة بدقة، وباستخدام كاميرته لتوثيق اللحظات الحرجة التي يتردد كثيرون في الاقتراب منها، حيث كان يعمل على توثيق قصص النازحين ومعاناتهم الإنسانية في ظل الحرب الطاحنة، كما عمل على توثيق الدمار والإبادة التي لحقت الأحياء السكنية شمال القطاع .

وبرز أبو هربيد، وهو مصور قناة “القدس اليوم”، في تغطية الأحداث الميدانية منذ بداية الحرب. متنقلا بين مناطق النزوح في ظروف إنسانية وأمنية بالغة القسوة. ورغم التهجير والمجاعة والخطر، واصل أداء واجبه الصحفي في نقل الحقيقة من قلب الدمار

شهيد ينعي شهيد

قال الشهيد الصحفي محمد قريقع في رثاء الشهيد آدم أبو هربيد أن اغتيال آدم أتى في سياق الاستهداف الممنهج للعاملين في المجال الإعلامي. وهي جريمة تضاف إلى سلسلة طويلة من الجرائم الإسرائيلية المتواصلة بحق الصحفيين.

مضيفًا :”تم استهداف آدم وهو يقوم بواجبه الصحفي في نقل أخبار العدوان على غزة  مما أسفر عن ذلك استشهاده. آدم ارتقى وهو يقاوم بكاميرته وبصورته في وجه عدوان جائر”  .

فيما قال عنه الصحفي الشهيد أنس الشريف: “لقد رافقني في كثير من التغطيات الميدانية، لقد كان آدم مثالًا للالتزام والأدب والتواضع. كان سندًا ورفيقًا في الميدان ، حاضرًا دائمًا في لحظات الخطر ليوثق الحقيقة من وسط الدمار والنار بكل شجاعة وإخلاص. “

ما قال زميل صحفي آخر للشهيد: “يظن الاحتلال بأنه من خلال اغتيال آدم أبو هربيد سيوقف صوت الحقيقة.، ولكننا كصحفيين سنبقى متمسكين بالحقيقة وإيصال صوت غزة للعالم”.

ترك آدم عشرات المقاطع المصوّرة التي وثّقت الجرائم بحق المدنيين. وانتشرت لاحقًا على منصّات التواصل الاجتماعي كمرآة للواقع الكارثي الذي يعيشه القطاع. حيث كان يصفه زملائه الصحفيين أن عدسته لا ترتجف ودائم التصميم في الوصول إلى الحقيقة .

تفاصيل اللحظات الأخيرة

في 24 يوليو 2025 استشهد الصحفي آدم أبو هربيد أثناء تأديته عمله الصحفي في شمال غزة. بعد استهداف مباشر لمحيط تواجده خلال تغطية القصف،

ووفق شهادات زملائه، فقد كان يضع شارة الصحافة ويرتدي الخوذة والدرع الصحفي. لكن ذلك لم يمنع استهدافه، ليلتحق بقائمة شهداء الكلمة والصورة في غزة، حيث تحوّلت لحظات التغطية إلى مشهد فقدان جديد. لتنضم صورته إلى قائمة طويلة من شهداء الصحافة في غزة.

يذكر أن قبل ارتقاء آدم بساعات قليلة كان بصدد إعداد تقرير صحفي مصور عن معاناة النازحين في القطاع. ولكن الاحتلال لم يمهله حتى بثه ،فكان له بالمرصاد .

رواية لم تكتمل

اليوم، يحافظ أرشيف آدم أبو هربيد على صوته، على قصص الناس الذين لا صوت لهم. على الحقيقة التي لم يتمكن القصف من محوها كل صورة التقطها، وكل مقطع فيديو وثقه. هو شهادة حية على أن الصحافة ليست مجرد عمل، بل هي رسالة، وأحيانًا ثمنها حياة الإنسان نفسه.

رحل آدم أبو هربيد، لكن أثره ما زال يتردد في كل مشهد صوّره، وكل طفل وثّق دموعه، وكل منزل وثق ركامه بعد القصف. رحل جسده، لكن الحقيقة التي عاش لأجلها ما زالت حية في أرشيفه وفي ذاكرة شعبه. كان حلمه أن يرى غزة بلا حرب.. لكنّه رحل وهو يحارب بطريقته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى