تقاريرثابت

بعد عامين من النزوح .. رفح المدينة التي دمرها الاحتلال وسكنتها ذكريات أهلها

الخامسة للأنباء - غزة

بعد عامين من النزوح .. رفح المدينة التي دمرها الاحتلال وسكنتها ذكريات أهلها..إعداد : آمنة غنام

في صباح لم يحمل معه سوى رائحة بارود القذائف وصوت دوي آليات الاحتلال وهي تقترب من أطراف المدينة ، بدأ سكان رفح ونازحوها يحملون متاعهم ويفرون من أنياب الموت ، وهم لا يعرفون أين تتركهم شاحنات النقل، ليبدأ فصل جديد مؤلم في فصول النزوح .

فاليوم تحلّ الذكرى الثانية للنزوح القسري من مدينة رفح جنوب قطاع غزة. والتي تحوّلت من ملاذٍ أخير للنازحين إلى ساحة تهجير جماعي جديدة، في واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية المعاصرة.

فمع تصاعد العدوان على قطاع غزة منذ أواخر عام 2023، نزح مئات آلاف الفلسطينيين إلى مدينة رفح باعتبارها المنطقة الأكثر أمانًا نسبيًا _وفقًا لمزاعم الاحتلال. لكن في مطلع مايو 2024، بدأت قوات الاحتلال إصدار أوامر إخلاء واسعة، تبعها توغل عسكري بري في المدينة وسيطرة الاحتلال بشكل كامل على محور صلاح الدين (محور فيلادلفيا). ومعبر رفح ومن ثم إلى باقي أحياء المدينة، ما أدى إلى موجة نزوح غير مسبوقة.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

وخلال أيام قليلة فقط، أُجبر نحو 450 ألف فلسطيني على النزوح من رفح نحو منطقة “المواصي “. التي وُصفت بأنها غير آمنة و تفتقر لأبسط مقومات الحياة.

مدينة فارغة من السكان

بحلول عام 2025، أشارت تقارير ميدانية إلى أن جميع سكان رفح تقريبًا. والبالغ عددهم نحو 290 ألف نسمة، تعرضوا للنزوح القسري التدريجي منذ بدء العملية العسكرية في مايو 2024. 

ولم يكن النزوح حدثًا مؤقتًا، بل تحول إلى واقع دائم، حيث تكررت عمليات التهجير مرات متعددة، وسط انعدام الاستقرار وغياب أي ملاذ آمن. حيث مع إعلان الهدنة المؤقتة في يناير 2025 عادت مئات العائلات إلى مدينة رفح لتقيم خيامها فوق ركام المنازل. ولم يمهلهم الاحتلال طويلًا ليعود في شهر مارس إلى محاصرتهم وأجبرهم على الخروج سيرًا على الأقدام مستهدفًا أي عربة تتحرك في المدينة. دون أن يتمكنوا من أخذ أقل مقومات النزوح .

تزامن النزوح مع ظروف إنسانية بالغة الصعوبة، تمثلت في نقص الغذاء والماء واشتداد المجاعة واكتظاظ مراكز الإيواء. إلى جانب انتشار الأمراض نتيجة لغياب الصرف الصحي وتدمير البنية التحتية .

غيبة طويلة يا رفح

بعد عامين من النزوح والدمار وأصوات النسف التي تصل لمسامع النازحين في خيامهم. تقول أم طلعت بارود _من حي الجنينة.: ” حينما خرجنا من رفح منذ سنتين لم نكن نتوقع أن يطول بنا هذا الحال حتى اليوم، فكنت أرغب أن أحتفظ ببيتي في قلبي، ولكن الجدران لا تُحمل .. فكيف لي أن أحمل ذكريات عمري في حقيبة، تركت بيتي وأغراضي وكل ما أملك على أمل العودة القريبة. ولكن لا البيت ظل ولا رفح بقيت، لم يبقَ لنا سوى صور نسترجعها على هواتفنا”.

وتتابع :” عامان من النزوح وكل يوم ننتظر خبر جديد لعل المفاوضين والوسطاء يصلو لحل يجبر الاحتلال على الانسحاب من رفح. ونعود لأنقاضها ولكن كل ما نسمعه أصوات النسف لبقايا البقايا في رفح. والمدفعية التي تدك ما قبل الخط الأصفر وبعده “.

أبو عبد الرحمن الشيخ خليل _من حي تل السلطان _ يقول.: ” رغم كل ما قاسيناه في الحرب قبل النزوح ورغم أني منذ ثالث يوم في الحرب تعرضت منزلي لأضرار جسيمة لكني كنت أرى أننا بخير. كنت دائمًا أقول طول ما رفح بخير فأنا بخير، لكن بعد نزوحي وخسارتنا لكل شيء شعرت بأن الحرب ممتدة منذ ألف شهر ولا أفق لها أن تنتهِ. لقد غرقنا لقمة رؤوسنا في هموم النزوح. ومتى ينتهي هذا الكابوس .. لا أحد يمتلك إجابة، النزوح من رفح ليس تعب فقط بل هو شعور بالعجز “.

رفح المدينة التي دمرها الاحتلال

أما أم عبدالله حسنين_ من حي كندا _ والتي عادت لمنزلها خلال شهر يناير 2025 كانت سعادتها لا توصف أن وجدت نصف منزلها قائم. فاستصلحت ما يمكن استصلاحه وأقامت هي وعائلتها. ولكن تلك السعادة لم تكمل حتى أربعين يومًا لتعود لمأساة النزوح ولكن بخسارة مضاعفة.

تقول أم عبدالله للخامسة.: ” عندما عاد أولادي ووجدوا باقي المنزل شجعوني لنعود، أخذنا كل ما كان لدينا وعدنا. كانت الكثير من الليالي مرعبة بسبب اطلاق النار العشوائي من “محور فيلادلفيا“. ولكن كنا نصبر أنفسنا بأننا في هدنة، إلا أنه في بداية شهر مارس ألقى علينا الاحتلال مناشير لإخلاء المنطقة لم يمهلنا كثيرًا. منع حركة السيارات وعربات النقل، مما أجبرنا وأجبر أغلب العائلات لترك كل ما لديها لينجو بأرواحهم وأرواح أطفالهم “.

وعن نزوحي من مدينتي رفح أنا آمنة غنام أكتب .. عندما كان يتم نشر صور أقمار صناعية لمدينة رفح بعد نزوحنا المفجع، كنت أبحث عن منزلي وحارتي التي أحفظها عن ظهر قلب. كنت دائمًا أرى معالم البيوت مازالت موجودة ، وزيتونتي بظلالها الخضراء مازالت تظهر في الصور. حتى تاريخ 7 سبتمبر 2024 وجدت أن مكان منزلي تحول لرقعة رمال صفراء، اقتلعت الزيتونة واقتلع منزلي معها. في الهدنة السابقة عدت لمنزلي علني أكذب تلك الأقمار الصناعية لكن كل ما وجدته كومة من الرمال. وبعض العظام البشرية التي اختلطت بحجارة المنازل .

مدينة أشباح

لم يقتصر تأثير النزوح على السكان فقط، بل امتد إلى البنية التحتية. تعرضت رفح لدمار واسع حوالي 96% من المدينة تعرضت للهدم. حيث تمت إزالة أحياء كاملة خلال العمليات العسكرية، مما يجعل عودة السكان لها _في حال انسحاب قوات الاحتلال_ أمر شبه مستحيل في الوقت الحالي.

وبعد مرور عامين، باتت رفح تُوصف اليوم بأنها “مدينة بلا حياة”. بعد أن كانت واحدة من أكثر المناطق كثافة سكانية في القطاع، بينما لا يزال آلاف الفلسطينيين يعيشون حالة نزوح مستمرة. دون وجود حل سياسي أو إنساني واضح.

فيما أظهرت أحدث صور الأقمار الصناعية أن معظم المدينة تحولت لرماد وبقايا منازل مدمرة. في حين تظهر الشوارع والطرق التي شقها الاحتلال بين ما تبقى من أحياء المدينة وصولاً إلى محور فيلادلفيا. كما تظهر نقطة تمركز رئيسية على شاطئ البحر مع نهاية خط المحور.

الذكرى الثانية للنزوح من رفح ليست مجرد محطة زمنية.. فتلك المدينة التي رفضت أن تغادر قلوب أهلها ومن نزحوا إليها. أصبحت اليوم كومة من الركام يحلم أهلها العودة لها وتعميرها من جديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى