
الخامسة للأنباء - غزة
غزة خارج قوافل الحجيج .. تقرير خاص إعداد: سهر دهليز
بين خيام النزوح وركام البيوت المدمرة، لا يزال آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة يحملون حلمًا مؤجلًا بالوصول إلى مكة المكرمة وأداء فريضة الحج. لكن للعام الثالث على التوالي، يقف الحصار وإغلاق المعابر والحرب المستمرة حاجزًا أمام هذا الحلم، ليبقى أهالي غزة وحدهم خارج المشهد الروحي الذي يجتمع فيه ملايين المسلمين من أنحاء العالم.
أمنيات عمرٍ طويلة، ومدخرات جُمعت على مدار سنوات، وقوائم انتظار امتدت لأكثر من عقد، كلها تحولت إلى قصص ألم يرويها مواطنون أنهكتهم الحرب وحرمتهم حتى من حقهم في العبادة. وبين دعوات كبار السن ودموع الأمهات وحسرة الأبناء، يتكرر السؤال ذاته مع كل موسم حج: متى يصل أهل غزة إلى بيت الله الحرام؟
سنوات انتظار انتهت بحرمان جديد
أبو أحمد مطر قال: “من حوالي سبع سنوات وأنا أقدّم على قرعة الحج بشكل متواصل، وكل عام كنت أعيش حالة ترقب وأمل كبير أن يأتي اسمي ضمن الكشوفات. كنت أعتبر الحج حلم العمر، ليس فقط لي، بل لعائلتي كلها. كنت أوفر جزءًا من دخلي البسيط رغم الظروف الصعبة في غزة، وأقول لنفسي إن التعب يهون عندما أصل إلى بيت الله“.
وأضاف: “قبل الحرب الأخيرة، كنت أشعر أن الفرصة أصبحت قريبة، خاصة بعد سنوات الانتظار الطويلة، لكن فجأة تغيّر كل شيء. الحرب لم تترك لنا حياة طبيعية ولا حتى مساحة لنحلم. اليوم نحن لا نفكر فقط بالحج، بل بكيف نحصل على الطعام والماء والأمان. ومع ذلك، يبقى وجع الحرمان من الحج حاضرًا في القلب، خصوصًا عندما نرى المسلمين من كل أنحاء العالم يستعدون لهذه الرحلة الروحانية بينما أهل غزة محرومون منها للعام الثالث على التوالي“.
وتابع مطر بكل حزن أن أكثر ما يؤلمه أن العمر يمضي والإنسان لا يعرف ماذا يخبئ له الغد، مضيفًا: “كنت أتمنى أن أصل إلى مكة وأدعو هناك لأهلي وبلدي، لكن حتى هذا الحلم أصبح مؤجلًا بلا موعد واضح”.
الحرب بددت مدخرات العمر
أما الحاجة أم محمود النباهين من المحافظة الوسطى فقالت: “كنت أجمع المال للحج بشكل تدريجي منذ أكثر من عشر سنوات وأوفر من مصروف البيت، وأحيانًا أعمل أعمالًا بسيطة حتى أضع أي مبلغ صغير جانبًا لهذا الهدف. لم يكن الأمر سهلًا أبدًا، لكن فكرة أنني يومًا ما سأقف أمام الكعبة كانت تعطيني قوة وصبرًا“.
وأضافت: “كنت أخطط أن نسجل أنا وزوجي للحج خلال السنوات القادمة، وكنا نشعر أن الحلم أصبح قريبًا. لكن الحرب جاءت ودمّرت كل شيء. بيتنا قُصف، وخسرنا معظم ما نملك، وحتى الأموال التي ادخرناها للحج ذهبت لتأمين أساسيات الحياة بعد النزوح. اليوم نعيش داخل خيمة، وأصبح همّنا كيف نعيش يومًا آخر بأقل الخسائر“.
وأوضحت النباهين والألم يعتصر قلبها أنها ما زالت تشعر بحزن عميق بسبب حرمانها من أداء الفريضة، مؤكدة أن الحرب لم تسرق منهم المال والبيت فقط، بل سرقت أيضًا أحلامًا عاشوا عليها لسنوات طويلة.
كبار السن.. خوف من ضياع الفرصة
وفي ذات السياق، قال الحاج أبو هاني عقل.: “أنا اليوم في أواخر الستينات من عمري، وكنت دائمًا أقول إن أكبر أمنية عندي قبل أن أموت هي أن أؤدي فريضة الحج. طوال حياتي كنت أتحمل ظروفًا صعبة وأقول إن الله سيكتبها لي يومًا ما”.
وأوضح أنه بدأ في السنوات الأخيرة يشعر بتراجع صحته، ما جعله يخشى أن يمر الوقت دون تحقيق حلمه. مضيفًا أن استمرار الحرب وإغلاق المعابر جعل الحج بالنسبة لأهل غزة حلمًا بعيدًا جدًا. خاصة لكبار السن الذين لا يملكون رفاهية الانتظار لسنوات أخرى.
ولفت عقل إلى أنه يقول دائمًا لأبنائه إنه لا يريد من الدنيا شيئًا سوى الوصول إلى مكة والدعاء لفلسطين وغزة ولكل من فقدوهم خلال الحرب. مؤكدًا أن الإنسان قد يتحمل الفقر والتعب، لكن حرمانه من عبادة تمناها طوال حياته يبقى وجعًا كبيرًا.
شباب يسعون لتحقيق أحلام آبائهم
من جانبه، أوضح الشاب أحمد العجلة أنه منذ بدأ العمل كان هدفه الأساسي توفير المال ليتمكن من إرسال والديه للحج.
قائلًا: “والديّ تعبا كثيرًا في حياتهما من أجلنا. وكنت أشعر أن أقل شيء أقدمه لهما هو مساعدتهما على تحقيق هذا الحلم”.
وأضاف: “قبل الحرب كنا نتحدث دائمًا عن موعد التسجيل، وكانت أمي تجهز نفسها نفسيًا وتدعو الله كل ليلة أن يكتب لها زيارة بيت الله. لكن الحرب قلبت حياتنا بالكامل. فقدت عملي، وتهدم منزلنا، وأصبحنا نعيش ظروفًا صعبة جدًا. واليوم بالكاد نستطيع تأمين احتياجاتنا الأساسية”.
وختم العجلة حديثه مؤكدًا أن أصعب ما يواجهه هو رؤية الحزن في عيون والديه كلما اقترب موسم الحج. مشيرًا إلى أن أهل غزة لا يُحرمون فقط من السفر، بل من شعور روحي وإنساني عظيم ترك أثرًا نفسيًا مؤلمًا داخل معظم البيوت.
الأوقاف: حرمان الحجاج انتهاك لحق العبادة
وفي ذات السياق، قال الدكتور رامي أبو استيتة، مدير الحج والعمرة بوزارة الأوقاف. إن أهالي قطاع غزة يُحرمون من أداء فريضة الحج للعام الثالث على التوالي. بسبب استمرار إغلاق معبر رفح وعدم تمكين الوزارة من استكمال إجراءات سفر الحجاج، بما يشمل التعاقدات الخاصة بالسكن والنقل.
وأوضح أبو استيتة أن حصة غزة من حجاج فلسطين تبلغ 2508 حجاج. فيما لا يزال 2402 مواطن ينتظرون دورهم على قوائم الحج منذ سنوات. بعد وفاة 71 مواطنًا كانوا بانتظار أداء الفريضة.
وأشار إلى أن المواطنين يراجعون مكاتب الحج يوميًا معبرين عن شوقهم الكبير للحج. متسائلين عن سبب حرمان أهالي غزة من أداء المناسك بينما يتوافد المسلمون من مختلف أنحاء العالم إلى مكة.
وأكد أن حرمان أهالي غزة من الحج يُعد انتهاكًا واضحًا لحق العبادة وحرية ممارسة الشعائر الدينية. داعيًا المجتمع الدولي والسعودية ومصر إلى التدخل العاجل لفتح معبر رفح وتمكين حجاج غزة من السفر وأداء الفريضة.
وبين طوابير الانتظار الطويلة، وذكريات الأحلام التي بددتها الحرب، يبقى الحج بالنسبة لآلاف الغزيين أمنية مؤجلة تتجدد مع كل موسم. وبينما يستعد المسلمون حول العالم لأداء المناسك. يواصل أهالي غزة انتظار لحظة قد تمنحهم حقهم في الوصول إلى بيت الله الحرام، بعد سنوات من الحرمان والألم.





