
الخامسة للأنباء - غزة
بعد التهديد الصريح من إيران بأنها على استعداد فوري وحقيقي «لمقايضة» تهجير الضاحية الجنوبية من بيروت، بعد أو قبل قصفها بشكل عنيف وربما بصورة غير مسبوقة، بقصف إيراني للشمال الإسرائيلي بما سيؤدي لدماره وتهجيره بالمقابل، تغيرت المعادلة الميدانية والسياسية في لبنان، أو هي في طريقها إلى ذلك.
لم يستطع نتنياهو مخالفة أمر ترامب بوقف التهديد، الذي ادعى نتنياهو أنه كان قد تحول إلى قرار اتُّخذ بمشاركة وزير الدفاع ثم قيادة الأركان الإسرائيلية، واستجاب له على الفور.
لكنه أبقى الباب موارباً على «عمليات» محددة خاصة ومحددة في الضاحية، وأبقى الباب مفتوحاً على مصراعيه فيما يتعلق بوقف إطلاق النار، والذي مفاده استمرار حركة القصف وحريته في كامل الجنوب وفي مناطق لبنانية أخرى.
من الصعب، إن لم نقل من المستحيل، على واحد مثل نتنياهو أن يقبل بمعادلة أقل من هذه، في ظل تردي أوضاع قواته ميدانياً وفي ظل القيود الجديدة.
وكان المتوقع والمنتظر الثبات على هذه المعادلة ومحاولة توسيعها كلما أتيحت له الفرصة.
لكن نتنياهو، بما هو عليه وبما هو معروف عنه، وخصوصاً في المرحلة الحرجة التي يعيشها لأسباب انتخابية وغير انتخابية، من «ثعلبية» سياسية بات يدرك أن المعادلة قد تغيرت في لبنان، وأن معادلة جديدة باتت تفرض نفسها على الواقع.
ما هي هذه المعادلة؟ وكيف تغيرت؟ وما الذي ستؤدي إليه؟.
فهم نتنياهو جيداً أن ترامب ليس بوارد أن يُجرّ إلى الحرب الآن على الأقل.
وفهم جيداً أن أوراق ترامب ليست هي أوراقه نفسها في لعبة إدارة الصراع في لبنان.
كما فهم أن الرئيس ترامب لديه الاستعداد الكامل للذهاب إلى «تجميد» الوضع فيه، إن لم يكن حلّه، إذا كان هذا الحل أحد شروط صفقة كاملة، مقبولة أو مربحة، مع إيران.
ارتعد نتنياهو خوفاً من تصرف الرئيس ترامب، عن اتصال مساعديه بحزب الله، وفهم أن ثمة ما يحاول ترامب الإيحاء به.
إذا أضفنا إلى كل ذلك ما نُشر في وسائل إعلام محسوبة على أميركا، وعلى ترامب، وحتى على نتنياهو نفسه، حول التقريع والتوبيخ الذي تعرض له هذا الأخير، نستطيع أن نتصور حجم التغير الذي طرأ على هذه المعادلة.
فقد نتنياهو، على ما يبدو، أربع أوراق في المعادلة الجديدة.
الأولى تلك التي تتعلق بالعاصمة بيروت، والتي كانت بمثابة «الذخر» الاحتياطي الذي كان نتنياهو يحتفظ بها لنفسه فيما إذا تدهورت أوضاعه ميدانيّاً في الجنوب، وتحولت المعارك فيه إلى حرب استنزاف كبيرة لا يقوى على تحملها، وهو أمر كانت مؤشراته، وما زالت، تتزايد يوماً بعد يوم.
فإذا سلّمنا جدلاً وميدانياً بأن هذا «الذخر» لم يعد ورقة في متناول نتنياهو، أو ليست في متناوله بسهولة، ندرك حجم التغير الأول الذي طرأ على المعادلة.
الثانية هي بدء خسارة الورقة التي تتعلق بدور السلطة الرسمية في لبنان، بعد أن اكتشف بأن ترامب يتعامل بصورة عملية مع الأوراق والأدوات الفاعلة والمؤثرة والقادرة على التأثير، وليست الأوراق الاحتياطية أو المؤجل دورها، أو من ليس لديها القدرة على القيام بأي دور حقيقي كما هو الحال الحقيقي لها في الواقع.
من الواضح هنا أن دور السلطة الرسمية في لبنان لن يتعدى الشكليات «الرسمية» والديكور الذي يُستدعى من دكة الاحتياط لدواعٍ وغايات بروتوكولية لا أكثر ولا أقل، خصوصاً أن نتنياهو نفسه كان أول من ساهم في تهميش دورها، تحت جشع طموحاته وأطماعه، والتغافل الكامل عن مصالح كل من لا يخضع لأهوائه ورغباته، مهما كان خانعاً ومهما كان مستعداً لأبعد أشكال التنازل.
ومن هنا فقد أضاع نتنياهو وفقد القدرة على الاستثمار في ورقة المراهنة على الصدام الداخلي اللبناني، واستخدامها رافداً من روافد تحقيق الاستراتيجية الإسرائيلية في لبنان.
وبعد أن حسم الأمر بأن لبنان هو جزء من الصفقة مع إيران، وبفقدان هذه الورقة الثانية أو تراجع دورها وهشاشة المراهنة عليها، يكون نتنياهو قد خسر ورقة جديدة في تغيير المعادلة.
الثالثة هي الورقة الحاسمة – كما أرى، وهي الأهم والأخطر حيث كما بات يفهم الجميع وبسبب موقف الرئيس ترامب بعد التهديد الإيراني، وبعد أن وافق ترامب على أن يكون وقف إطلاق النار في لبنان أحد بنود الصفقة مع إيران – بصرف النظر عن كل الملابسات التي تحيط بالمفهوم كله حتى الآن – فإن حزب الله يكون قد ثبّت هو، وليس غيره، المعادلة الجديدة.
حزب الله، بعد أن اطمأن إلى خروج بيروت وضاحيتها الجنوبية من معادلة الحرب أو المعارك الكبيرة، بات على استعداد للقتال إلى ما لا نهاية تحت معادلة جديدة.
إذا واصلت دولة الاحتلال قصف الجنوب أو مناطق لبنانية أخرى في البقاع مثلاً، فإن الحزب سيواصل قصف «الشمال».
في هذه الحالة ستكون دولة الاحتلال تُستنزف عسكريّاً دون الحصول حتى على «أمان» نسبي للمستوطنات.
وإذا قَبِلت بأن يكون ثمن الحصول على توقف قصف الحزب لهذه المستوطنات، هو توقف قوات الاحتلال عن الاعتداء على القرى والبلدات اللبنانية، تكون المعارك قد تحولت إلى مواجهات عسكرية بين القوات الإسرائيلية وقوات المقاومة، وهو ما يفضله حزب الله وليس لديه أي اعتراض عليه. بل يمكن القول إنه الأنسب والأكثر تحقيقاً لمصالحه وأهدافه، لأنه يحمي حاضنته الشعبية، ويسحب من أعداء الحزب وخصومه ذريعة الخسائر والدمار.
وهنا يكون نتنياهو قد خسر الحرب كلها، لأن قتل المدنيين وتدمير القرى والبلدات اللبنانية، في مشاهد مكررة عن حرب الإبادة في غزة بكل مظاهرها من نزوح وإخلاء ومن تدمير وقتل، أهم سلاح امتلكه طوال فترة هذه الحرب، وبعد أن أيقن أن قواته تستطيع أن تقتل، لكنها فشلت في أن تقاتل.
أما إذا وافق نتنياهو صاغراً على «الانضواء» في إطار الصفقة الشاملة، وهو ما يُعتبر بمثابة انتحار سياسي مسبق، فإنه يكون قد أسقط نفسه بنفسه.
وهذا أمر يعتبر من قبيل المستحيل السياسي، وهو أمر مستبعد حتى لو بحث عن استمرار القتال بكل وسيلة وحتى آخر نفس لديه.
ومشكلة نتنياهو هنا أن قبوله بالصفقة لن يقتصر على لبنان، لأن هناك تقديرات جدية بأن من شأن ذلك أن يؤدي إلى «تقييد» حركة يديه في الضفة والقطاع.
وهنا يكون نتنياهو قد خسر الورقة الرابعة والقاتلة أيضاً.
إذا واصل نتنياهو حربه التي باتت محدودة ومقيدة، فإن لبنان سيدفع ثمناً كبيراً بعد كل الثمن الذي دفعه حتى الآن. لكن من لبنان وفي لبنان سيسقط نتنياهو.
وإذا قبل بمعادلة الإذعان للصفقة الشاملة بين أميركا وإيران، فسيكون نتنياهو قد خرج من كل المعادلة، خصوصاً أن الصفقة تقترب أكثر فأكثر



