مقالات الخامسة

ما العمل في ظل انسداد الخيارات؟

شبكة الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب: أكرم عطا الله

عدنا والعود ليس أحمدَ دائماً، خصوصاً في غزة التي عقدت قرانها على الفقد الموجع، عدنا شعب الضحية التي تبحث عن خلاص بعد أن اعتقد بعضنا أننا قوة كبرى يمكن أن تقاتل الجيش النظامي وتخوض حروبها النظامية قبل أن تكتشف أننا أبسط من ذلك بكثير، وأكثر فقراً بالسلاح وبالوعي أيضاً، حين نذهب للحد الأقصى من المعارك حد الانتحار، ونعود ومعنا جيش إسرائيل يحتل أكثر من نصف غزة.
عدنا ولم تعد الفضائيات تشحن ما تبقى بنا من أجساد متهالكة، فقد خلت من محللين أمثال ذلك الخبير الإستراتيجي ليقول لنا استمروا في الانتحار، فكتيبة النصيرات لم تدخل المعركة، بعد أما كتيبة الزيتون فهي أشرس الكتائب في خوض الحروب، وأن جيش العدو سيتبدد في أحراش الزيتون، ولم يعد رفيق دربه يحرض على استمرار القتال، وهو يصر على أن كل ما يمكن أن يفعله جيش إسرائيل هو حصار رفح من الخارج لكن يستحيل أن يتمكن من دخولها، هذا قبل أن تتحول إلى كومة من الركام، قبل أن تتوقف الحرب بعد الإدراك أن الجيش المنفلت لن يُبقي في غزة إلا الرمال والخيام، كما قال عضو الكنيست منصور عباس.
الفضائيات تحولت إلى فضائيات عاقلة.. استبدلت محلليها الإستراتيجيين، الذين كانوا قد أجمعوا على هزيمة إسرائيل في غزة، بمحللين أصيبوا بحكمة اللحظة، ليكتشفوا أن صواريخ إيران عبثية وليس كصواريخ غزة الإستراتيجية والذكية، وأن إيران لن تهزم أميركا، وعليها أن تكف عن هذه الضربات اليائسة.. هكذا هو الأمر، فالمعايير رشيقة وسريعة التقلب وفقاً لاعتبارات الجغرافيا والمصلحة حتى لو كانت من لحم الغزيين وعظمهم، هذا لا يهم، فهم مخلوقون للوجع والفقد، وتلك رحلتهم التي لم تتوقف.
العالم المفتوح بدوله يستطيع خوض معاركه الكلاسيكية، فلديه مصانع السلاح وخبرات الصناعات العسكرية والموانئ والمطارات، واتفاقيات عسكرية تتيح له استيراد القوة ومراكمتها، وليس مثل غزة المحاصرة التي عادت مثل سابقها. قليل من الاستعراض، لكنها هذه المرة بين خيام البؤس وكثير من الشكوى بنقص الغذاء والدواء والتعليم ونقص الحياة، وفائض من التربص الإسرائيلي الذي يتلذذ بانتقام من منطقة صفعته بشدة ذات يوم قبل أن تتعرض للذبح، وبينما يبحث العالم عن حل للحرب على إيران؛ لأنها تمتلك ما يطيح باقتصادياته، ويضغط على الرئيس الأميركي، لم يحرك هذا العالم ساكناً، فقد ترك إسرائيل تسحق المكان دون أن يبحث عن حل، ليس سوى لأن غزة لم تخرب مصالح العواصم حين انحصرت بها الحرب، والحليف قائد وحدة الساحات الذي يهز العالم الآن لم يغلق مضيق هرمز حينها، هكذا كان الأمر، ولا عزاء لنا نحن الذين نرسب في امتحان الجدارة ودرس الحساب ودروس التاريخ.
الفلسطيني الآن في لحظة هي الأشد سواداً، ليس فقط لجهة هزيمة عسكرية حدثت في غزة، ولا بسبب هزيمة سياسية حدثت على جبهة السلام بإسدال الستار على محاولة التسوية، بل بسبب انسداد الأفق وانكسار الحلم، وتلاشي الأمل الذي كان يوماً حتى وإن كان محمولاً على شعارات بريئة لم يميز مطلقوها بين ضرورتها للتحشيد وبين صعوبة التطبيق، ودور الزمن الذي لا ينبغي استعجاله وإلا فالنهاية، وتلك حسبة السياسة وليس الهواة، لكن المأزق الحقيقي أن إسرائيل قالت للفلسطينيين «لا حل، سنأخذ أرضكم بالمفاوضات ونبني عليها ما نشاء من المستوطنات، وسنأخذ أرضكم بالحرب وسنقيم عليها ما نشاء من المواقع، وفوقها سنقتلكم».
هنا المأزق التاريخي الذي كان يجب أن يستوقف الفلسطينيين لسنوات، حيث اتضحت تلك النتيجة، فالسلام خاسر والحرب أشد خسارة، ألم يكن يحتاج ذلك إلى فكر سياسي يبحث عن برنامج وسبيل للخلاص من الاحتلال بدل الذهاب لملعبه العسكري، والتسبب بتحطيم تلك الروح المعنوية لشعب يعيش على الأمل؟
وفي ظل واقع إقليمي تتسع فيه رقعة الحرب تندفع القضية الفلسطينية والمأساة الفلسطينية التي تتجسد في غزة نحو الهوامش.. «أتذكرون تبرير أن السابع من أكتوبر أعاد القضية للصدارة؟». فالدول تنشغل بنفسها وشعبها واقتصادها وأمنها ورفاهيتها، وها هو النفط يهز اقتصادها ولم يبق للفلسطينيين متسع في الأجندات التي ازدحمت، بل ربما أن العواصم التي أصيبت بالخسارات ستحمل الفلسطينيين في غزة المسؤولية دون أن يفهم صدق مقولة قائدهم التاريخي «السلام يبدأ من فلسطين والحرب تبدأ من فلسطين». وهذا العالم ترك بنيامين نتنياهو يعبث في المنطقة، وكان الجميع شاهد زور على تفجيره لعملية التسوية بكل ما تبعها من ممارسات فاشية مهدت لكل هذا الخراب في العالم.
ما العمل في ظل مناخات تبدو كلها معاكسة لمصالح الشعب الفلسطيني العليا والدنيا حتى؟ فلا سلام ولا سلاح؟ وبصرف النظر عن استعراضات ساذجة لا تعرف تبعات ما تفعل، وينحصر وعيها فقط في إقناع المواطن ببقاء سيطرتها على كومة الركام تلك، دون أن تحسب أن هذا مبرر لعودة الحرب وخدمة لدعاية إسرائيل بالبقاء في غزة دون أن تمتلك تلك القوة أدنى الحدود من حماية المواطن. لكن السؤال الأهم الآن: ما العمل في ظل ما يبدو أنه انسداد للخيارات وأزمة الوسائل، ومن حسن حظ الفلسطينيين أن «حماس» استفردت بغزة وجربت برنامجها دون أي معيق من السلطة لتحصد تلك النتيجة، وهذا ما يجب أن يدفع للتفكير بشكل يتجاوز ما تحقق وانتهى بالخراب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى