الرئيسية

من أوسلو إلى 2026.. كيف تحولت الترتيبات المؤقتة إلى واقع مستمر؟

الخامسة للأنباء - غزة

في 13 سبتمبر/أيلول 1993، وقف رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات ورئيس وزراء حكومة الاحتلال إسحاق رابين في حديقة البيت الأبيض بواشنطن. بحضور الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، لتوقيع “إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي”، في مشهد وصف آنذاك بأنه بداية لمرحلة جديدة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

كان الاتفاق ثمرة مفاوضات سرية استضافتها العاصمة النرويجية أوسلو. وأعقب تبادل رسائل اعتراف متبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في التاسع من سبتمبر/أيلول 1993. اعترفت المنظمة بحق إسرائيل في الوجود بسلام وأمن، وقبلت قراري مجلس الأمن 242 و338. وتعهدت بالتخلي عن العنف؛ وفي المقابل اعترفت إسرائيل بمنظمة التحرير ممثلًا للشعب الفلسطيني ووافقت على التفاوض معها.

وبعد 33 عامًا، لم تعد أوسلو مجرد اتفاقية في أرشيف العملية السياسية، بل إطارًا ترك آثارًا عميقة على شكل النظام السياسي الفلسطيني، وطبيعة السيطرة على الضفة الغربية. والعلاقة الأمنية والاقتصادية مع إسرائيل، في وقت لم يتحقق فيه الهدف الأساسي الذي صيغ من أجله الاتفاق: الوصول إلى تسوية نهائية.

ماذا نصّ اتفاق أوسلو؟

لم يكن أوسلو اتفاق سلام نهائيًا، وإنما اتفاقًا انتقاليًا هدفه إقامة حكم ذاتي فلسطيني مؤقت في الضفة الغربية وقطاع غزة، لفترة لا تتجاوز خمس سنوات. على أن تقود هذه المرحلة إلى تسوية دائمة تستند إلى قراري مجلس الأمن 242 و338.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

ونص إعلان المبادئ على إجراء انتخابات فلسطينية لمجلس يمثل الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وإنشاء سلطة فلسطينية تتولى مسؤوليات مدنية وأمنية محددة. إلى جانب إعادة انتشار تدريجي للقوات الإسرائيلية في المناطق التي تنتقل إدارتها إلى الجانب الفلسطيني.

كما نص الاتفاق على نقل صلاحيات في عدد من المجالات المدنية، من بينها التعليم والصحة والشؤون الاجتماعية والضرائب والسياحة، وفتح الباب أمام تعاون اقتصادي وأمني بين الجانبين.

لكن الاتفاق ترك القضايا الأكثر حساسية إلى مفاوضات الوضع النهائي، وفي مقدمتها القدس واللاجئون والمستوطنات والحدود والترتيبات الأمنية. وكان يفترض أن تبدأ مفاوضات الوضع الدائم في موعد لا يتجاوز بداية السنة الثالثة من المرحلة الانتقالية.

وهنا ظهرت أولى مفارقات أوسلو: القضايا التي تمثل جوهر الصراع لم تُحسم، بل أُجلت إلى مرحلة لاحقة كان يفترض أن تنتهي خلال سنوات قليلة.

1994.. من الاتفاق إلى إنشاء السلطة الفلسطينية

في الرابع من مايو/أيار 1994، وقع الجانبان “اتفاق غزة وأريحا”، الذي وضع ترتيبات تنفيذ المرحلة الأولى من أوسلو، بما في ذلك الانسحاب الإسرائيلي من أجزاء من قطاع غزة ومنطقة أريحا. ونشر الشرطة الفلسطينية، وبدء ممارسة السلطة الفلسطينية لصلاحياتها.

وفي يوليو/تموز من العام نفسه، عاد ياسر عرفات إلى غزة، وبدأت عملية تشكيل مؤسسات السلطة الفلسطينية. وفي أغسطس/آب 1994، توسعت عملية نقل الصلاحيات لتشمل مجالات مثل التعليم والصحة والشؤون الاجتماعية والسياحة والضرائب المباشرة وضريبة القيمة المضافة على الإنتاج المحلي. وبحلول نهاية العام، كانت السلطة قد تولت عددًا من المسؤوليات المدنية في مناطق محددة.

وهكذا كانت إحدى النتائج المباشرة لأوسلو ولادة كيان إداري فلسطيني يمارس صلاحيات محدودة داخل الأراضي المحتلة. ويشكل لاحقًا النواة المؤسسية لما يعرف اليوم بالسلطة الوطنية الفلسطينية.

أوسلو الثاني.. تقسيم الضفة إلى “أ، ب، ج”

في 28 سبتمبر/أيلول 1995، وقع الجانبان “الاتفاق المرحلي بشأن الضفة الغربية وقطاع غزة”. المعروف باسم أوسلو الثاني أو اتفاق طابا.

كان الاتفاق أكثر تفصيلًا من إعلان المبادئ، وقسم الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق هي: أ، ب، ج، مع اختلاف مستويات الصلاحيات والسيطرة بين منطقة وأخرى.

في مناطق “أ”، منحت السلطة الفلسطينية صلاحيات مدنية وأمنية أوسع، بينما احتفظت إسرائيل بمسؤوليات أمنية وصلاحيات مختلفة في مناطق “ب”. أما المنطقة “ج” فبقيت تحت السيطرة الإسرائيلية، بما يشمل الجزء الأكبر من الضفة الغربية.

وكان التقسيم، وفق التصور الأصلي، ترتيبًا انتقاليًا تمهيدًا لمزيد من إعادة الانتشار ونقل الصلاحيات وصولًا إلى اتفاق نهائي. لكن المرحلة الانتقالية لم تنتهِ إلى التسوية التي كان يفترض أن تتبعها، وبقي التقسيم أحد أبرز ملامح الواقع السياسي والجغرافي في الضفة الغربية حتى اليوم.

ضربة مبكرة لمسار أوسلو

لم يمر الاتفاق دون معارضة فلسطينية وإسرائيلية شديدة. وفي الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني 1995، اغتال متطرف إسرائيلي رئيس الوزراء إسحاق رابين، الذي كان أحد أبرز مهندسي المسار مع منظمة التحرير.

وأحدث اغتياله تحولًا سياسيًا كبيرًا داخل إسرائيل. فيما تراجعت فرص استكمال المسار بالزخم الذي رافق توقيع الاتفاق.

وفي السنوات التالية، تعثرت عمليات إعادة الانتشار. وتصاعدت الخلافات بشأن المستوطنات والأمن والأراضي ومواعيد تنفيذ الالتزامات المتبادلة.

من أوسلو إلى الانتفاضة الثانية

شهدت نهاية التسعينيات محاولات متكررة لإنقاذ المسار. وصولًا إلى قمة كامب ديفيد عام 2000، لكنها لم تؤد إلى اتفاق نهائي.

وفي سبتمبر/أيلول من العام نفسه، اندلعت الانتفاضة الثانية. لتنفتح مرحلة جديدة من المواجهة المسلحة والقمع العسكري، وتدخل عملية أوسلو عمليًا في أزمة عميقة.

ومع اندلاع الانتفاضة، توسعت العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل مناطق كانت قد انتقلت إلى السيطرة الفلسطينية بموجب الاتفاقات، بما فيها مناطق “أ”. وبدأت الحدود العملية بين مناطق الصلاحيات الفلسطينية والسيطرة الإسرائيلية بالتآكل.

2002.. إعادة فرض السيطرة العسكرية

في عام 2002، نفذت إسرائيل عملية “السور الواقي” في الضفة الغربية. واجتاحت عددًا من المدن والمخيمات الفلسطينية، بما فيها مناطق كان يفترض أن تتمتع بصلاحيات فلسطينية بموجب أوسلو.

وشكلت تلك المرحلة نقطة تحول إضافية، إذ أصبحت القوات الإسرائيلية تدخل بصورة متكررة إلى مناطق “أ”. رغم أن الاتفاقات كانت قد منحت السلطة الفلسطينية مسؤوليات أمنية ومدنية واسعة فيها. وبذلك اتسعت الفجوة بين الترتيبات التي نصت عليها الاتفاقيات والواقع الميداني.

2005.. الانسحاب من غزة ثم الانقسام

في عام 2005، نفذت إسرائيل خطة فك الارتباط من قطاع غزة، فأخلت مستوطناتها وقواتها الدائمة داخل القطاع. لكن الانسحاب لم يؤد إلى استئناف مسار أوسلو أو مفاوضات الوضع النهائي.

وفي يناير/كانون الثاني 2006، فازت حركة حماس بالانتخابات التشريعية الفلسطينية. قبل أن يؤدي الصراع الداخلي الفلسطيني إلى سيطرة الحركة على قطاع غزة في يونيو/حزيران 2007. وانقسام النظام السياسي الفلسطيني بين سلطة تدير أجزاء من الضفة الغربية وحكومة أمر واقع في غزة.

ومنذ ذلك الوقت، أصبح الانقسام الداخلي عاملًا إضافيًا في إضعاف أي مسار فلسطيني موحد للتفاوض أو تنفيذ اتفاقات سياسية.

محاولات متكررة لإحياء المسار

عُقد مؤتمر أنابوليس عام 2007 في محاولة لإعادة إطلاق المفاوضات، لكن دون الوصول إلى اتفاق نهائي.

وفي 2013 و2014، عادت المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية برعاية أمريكية. لكنها انهارت مجددًا دون التوصل إلى تسوية.

وبقيت القضايا التي أُجلت في أوسلو معلقة: القدس، واللاجئون، والحدود، والمستوطنات، والأمن.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2012، حصلت فلسطين على صفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة. في خطوة دبلوماسية فلسطينية مهمة خارج إطار المفاوضات المباشرة التي تأسست عليها عملية أوسلو.

وشكل القرار محطة فارقة في المسار السياسي الفلسطيني. إذ نقل جزءًا من التحرك الفلسطيني إلى الساحة الدولية والمؤسسات متعددة الأطراف.

ماذا تحقق من أوسلو؟

بعد أكثر من ثلاثة عقود، لا يمكن اختزال إرث أوسلو في فشل الوصول إلى الدولة الفلسطينية، كما لا يمكن التعامل معه بوصفه اتفاقًا بلا نتائج. فالاتفاق، وما تبعه من ترتيبات. أحدث تحولًا جوهريًا في بنية الحياة الفلسطينية، ونقل قطاعات واسعة من إدارة الشأن اليومي إلى مؤسسات فلسطينية، وأرسى للمرة الأولى منذ عقود نواة نظام حكم فلسطيني يمتلك أجهزة ووزارات وهيئات وقوانين وموظفين ووثائق ومؤسسات منتخبة.

كان إنشاء السلطة الفلسطينية أبرز نتائج هذه المرحلة. فمنذ منتصف التسعينيات، بدأت تتشكل منظومة حكومية فلسطينية تتولى إدارة قطاعات أساسية تمس حياة المواطنين مباشرة، من التعليم والصحة والشؤون الاجتماعية إلى الإدارة المحلية والضرائب والخدمات العامة. إلى جانب بناء أجهزة للشرطة والقضاء ومؤسسات تشريعية وتنفيذية. ولم تعد هذه الملفات تدار بالكامل من خلال الإدارة العسكرية الإسرائيلية. بل أصبحت جزءًا من جهاز إداري فلسطيني يتوسع تدريجيًا وفق حدود الصلاحيات التي منحتها الاتفاقات.
على مستوى التعليم شكل انتقال الصلاحيات نقطة تحول مهمة؛ إذ أصبح للفلسطينيين جهاز تعليمي رسمي يتولى إدارة المدارس والتعليم العالي والمؤسسات التعليمية والثقافية، بما في ذلك المناهج وشؤون المعلمين والطلبة. ومع الوقت. ترسخت وزارة التربية والتعليم ومؤسسات التعليم العالي باعتبارها جزءًا أساسيًا من بنية الإدارة الفلسطينية.

وامتد التحول إلى المجال المدني بصورة أوسع. فقد باتت المؤسسات الفلسطينية تدير سجلات السكان وتصدر الشهادات والتراخيص والوثائق الرسمية، ونشأت منظومة من السجلات المدنية والإدارية التي رافقت ظهور هوية مؤسسية فلسطينية أكثر وضوحًا.

وفي هذا السياق ظهر جواز السفر الفلسطيني والوثائق الرسمية الفلسطينية باعتبارها من أبرز مظاهر هذا التحول؛ فهي لم تكن تعبيرًا عن سيادة دولة مكتملة. لكنها جسدت انتقال جانب من إدارة شؤون الفلسطينيين إلى مؤسسات فلسطينية، وربطت المواطن بمنظومة إدارية ووثائقية تحمل اسم فلسطين.

سياسيًا

فتحت أوسلو الباب أمام بناء مؤسسات تمثيلية فلسطينية جديدة. فجرت انتخابات عام 1996، وتأسس المجلس التشريعي الفلسطيني، إلى جانب سلطة تنفيذية وأجهزة قضائية وإدارية. وأصبح للفلسطينيين إطار سياسي ومؤسساتي يدير جزءًا من شؤونهم الداخلية. ويصدر القوانين والقرارات ضمن نطاق الصلاحيات الممنوحة له.

أما أمنيًا فأنشئت الشرطة الفلسطينية، وأصبح للسلطة جهاز أمني وإداري يتولى مسؤوليات تتعلق بالنظام العام في المناطق التي انتقلت إليها الصلاحيات. وفي الوقت نفسه. نشأت منظومة واسعة من لجان التنسيق والترتيبات الأمنية والمدنية والاقتصادية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.

اقتصاديًا، ساهمت الاتفاقات في إنشاء جهاز مالي فلسطيني وتطوير مؤسسات تتولى إدارة الإيرادات والضرائب والموازنة العامة، إلى جانب بناء مؤسسات وهيئات في مجالات المياه والكهرباء والأراضي والبيئة والتنمية وغيرها. وبذلك لم يعد الحديث عن إدارة فلسطينية مقتصرًا على جهاز سياسي. بل بدأ يتبلور شكل أقرب إلى بنية حكومية تتوزع فيها الاختصاصات بين وزارات وهيئات وأجهزة ومؤسسات عامة.

كما أن أوسلو نقل العلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل من حالة الصراع المفتوح إلى علاقة سياسية رسمية، وأوجد إطارًا للتفاوض والتنسيق في ملفات مدنية وأمنية واقتصادية. وأدخل القضية الفلسطينية في مسار سياسي دولي جديد.

وماذا لم يتحقق؟

أبرز ما لم يتحقق هو الهدف الذي كان يفترض أن تتوج به المرحلة الانتقالية: الوصول إلى تسوية دائمة خلال فترة لا تتجاوز خمس سنوات.

لم تحسم قضية القدس، ولم يتفق على الحدود النهائية، ولم تحل قضية اللاجئين، ولم تنه قضية المستوطنات، كما لم تحسم الترتيبات الأمنية والسيادة على الأرض. والأهم أن الاستيطان استمر خلال سنوات عملية أوسلو. بينما بقيت أجزاء واسعة من الضفة الغربية تحت السيطرة الإسرائيلية.

وبدل أن ينتهي تقسيم الضفة إلى مناطق “أ، ب، ج” مع نهاية المرحلة الانتقالية، تحول التقسيم إلى جزء مستمر من الواقع السياسي والميداني.

الاستيطان.. الاختبار الأصعب

كانت المستوطنات واحدة من القضايا التي تركها أوسلو لمفاوضات الوضع النهائي. لكنها أصبحت خلال العقود الثلاثة التالية إحدى أكثر القضايا تأثيرًا في فرص إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.

وفي عام 2026، ما زال تقسيم مناطق “أ، ب، ج” قائمًا، بينما تتواصل عمليات التوسع الاستيطاني والاعتداءات على الفلسطينيين.

وأفادت الأمم المتحدة في تقرير حديث بأن إنشاء البؤر الاستيطانية لم يعد يتركز في المنطقة “ج” فقط، بل امتد إلى مناطق “ب” أيضًا. مع تسجيل إقامة بؤر جديدة وقيود متزايدة على وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم.

وفي سبتمبر/أيلول 2026، تحدثت تقارير عن استمرار التوسع الاستيطاني والضغط على الفلسطينيين في الضفة، في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن ترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الأرض وتقويض فرص قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

وهكذا، فإن إحدى أبرز مفارقات أوسلو أن الترتيب الذي كان يفترض أن يكون مؤقتًا أصبح بعد 33 عامًا جزءًا من الجغرافيا السياسية للضفة الغربية.

أوسلو والاقتصاد الفلسطيني

لم يقتصر تأثير أوسلو على السياسة والأرض، بل امتد إلى الاقتصاد. وأبرم في أبريل/نيسان 1994 بروتوكول باريس الاقتصادي، الذي نظم جوانب رئيسية من العلاقة الاقتصادية بين إسرائيل والجانب الفلسطيني. بما في ذلك التجارة والعمالة والضرائب والنظام النقدي والمصارف.

وأصبح الاقتصاد الفلسطيني مرتبطًا بدرجة كبيرة بالاقتصاد الإسرائيلي. في وقت بقيت فيه السلطة الفلسطينية تفتقر إلى السيطرة الكاملة على الحدود والموارد الطبيعية والسياسة النقدية.وهذا جعل العلاقة الاقتصادية واحدة من أكثر القضايا استمرارًا من مرحلة أوسلو إلى اليوم.

أوسلو بعد 33 عامًا.. ماذا بقي منه؟

لم يعد السؤال في الذكرى الثالثة والثلاثين هو ما إذا كان اتفاق أوسلو نجح أو فشل بصورة مطلقة، بقدر ما يتعلق بما تركه من نظام سياسي وجغرافي ما زال حاضرًا.

فالسلطة الفلسطينية التي نشأت في إطار الاتفاق ما زالت قائمة. وكذلك التقسيم الإداري للضفة الغربية إلى مناطق “أ، ب، ج”، كما أن جزءًا كبيرًا من العلاقة الاقتصادية والأمنية والسياسية بين الجانبين ما زال مرتبطًا بالترتيبات التي تأسست خلال تلك المرحلة.

لكن الهدف النهائي الذي صيغ من أجله الاتفاق لم يتحقق. لم تتحول المرحلة الانتقالية إلى دولة فلسطينية، ولم تُحسم قضايا الوضع النهائي، ولم تنتهِ السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية. بينما اتسع الاستيطان وتعمق الانقسام الفلسطيني، وتغيرت الخريطة السياسية والإقليمية بصورة كبيرة منذ عام 1993.

وبذلك، أصبح أوسلو بعد 33 عامًا أطول من كونه مرحلة انتقالية، وأقصر من أن يكون تسوية نهائية؛ اتفاق بدأ بوعد الوصول إلى حل دائم خلال خمس سنوات. لكنه ترك خلفه منظومة سياسية استمرت أكثر من ثلاثة عقود دون أن تصل إلى نهايتها المعلنة.

بين 1993 و2026، مرّ المشهد الفلسطيني الإسرائيلي بمحطات الانتفاضة الثانية، والاجتياحات الإسرائيلية، والانقسام الفلسطيني، والحروب المتكررة على غزة، وتغير الحكومات الإسرائيلية، وتعثر المفاوضات، والتحولات الدولية، وصولًا إلى الحرب التي اندلعت في غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما تبعها من تداعيات أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد الدولي.

وبعد 33 عامًا، تبقى المفارقة الأكبر أن المرحلة التي حدد لها أوسلو سقفًا زمنيًا لا يتجاوز خمس سنوات ما زالت مفتوحة حتى اليوم، فيما لم تُغلق الملفات التي كان يفترض أن تنهي الصراع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى