هاكابي وانحدار إسرائيل ..!
شبكة الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب: أكرم عطا الله
شاهدت المقابلة التي أجراها الصحافي الأميركي اللامع تاكر كارلسون مع السفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي والتي لم تقطر فقط سموماً عنصرية يدلقها السفير على بوابات الكلام، بل هي مجرد محاولة مبتذلة من قبل هاكابي لصناعة خليط من التزلف المكشوف حد الغباء ومحاولة سطحية من تزييف التاريخ لم يجد من الكلام ما يسعفه لتغطيتها بورقة توت أمام أسئلة كارلسون المنطقية إذ يعتبر هاكابي واحداً من أبرز صقور السياسة الأميركية دفاعاً عن إسرائيل فهو أول من وزع معمماً تسمية الضفة الغربية بـ»يهودا والسامرة» وجد نفسه عاجزاً عن صهيونية مصطنعة يدعو فيها إلى احتلال إسرائيل للدول العربية المجاورة تواضع فيها حين قال ليس متأكداً من الذهاب إلى هذا الحد بضم مصر والأردن وسورية ولبنان وجزء من السعودية.
يبدو أن الأمر لا يتعلق فقط بإيمانيات لا تجد لها متسعاً لدى إدارة تحسب حركة السياسة بالآلة الحاسبة والعقار، إذ يتضح في السنوات الأخيرة حجم المدفوعات التي تصل من اللوبي اليهودي في أميركا تضاف إليه فضائح إبستين كل تلك وغيرها تجعل الفرد يفسر بشكل خارج عن مألوف السياسة بشكلها التقليدي، وإلا لماذا يصل أمثالنا للدرجة التي يسأل نفسه فيها: هل هذا سفير واشنطن في تل أبيب أم سفير تل أبيب في واشنطن؟
ذات مرة، في أحد خطاباته، كان الرئيس الفلسطيني يخرج عن أعراف السياسة في ذروة انفعاله وهو يرد على السفير الأميركي السابق ديفيد فريدمان الذي قال حول المستوطنات، إن «الإسرائيليين يبنون في أرضهم» ليصفه لا أعرف لو توفرت له مناخات أخرى بماذا سيصف مايك هاكابي الذي يمثل الدولة العظمى التي قدمت نفسها وسيطاً للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين فيتحدث واضعاً بن غفير على يساره بهذا الشكل الشعبوي الصادم.
أما زميله الذي يتنافس معه في الابتذال فهو السيناتور ليندسي غراهام الذي عين نفسه ناطقاً رسمياً للإبادة الجماعية وهو يجيب عن أسئلة مذيعة قائلاً مزهواً بتلك الإبادة، «لقد قمنا بتسوية غزة بالأرض كما فعلنا بطوكيو وبرلين» وهو ما أثار صدمة المذيعة من حجم التزلف وهي تحاول مثلنا إيجاد تفسير. هل يتعلق الأمر بالمال أم بإبستين أيضاً فليس من المنطق أن يفخر أي سياسي في العالم بتدمير مدن وحضارات بهذا الشكل. هناك في الأمر ما لا يمكن تفسيره وهو ما غمز ترامب باتجاهه ذات مرة حين قال، «في الماضي كان كل من يهاجم إسرائيل يخسر مستقبله السياسي أما الآن فمن يدافع عنها مرشح لتلك الخسارة» وهو نفسه غراهام الذي لا يجد السعوديون مثلاً أي تفسير في سلوكه السياسي وهو يزور الدوحة مشيداً بها وفي نفس الوقت يشن هجوماً على السعودية مشتركاً مع زميله الشعبوي ايدي كوهين الذي يتفرغ لمهاجمة الرياض …هكذا يبدو الأمر.
الثابت أمامنا بعد هذه التجربة المريرة من الإبادة مسألتان لا يمكن للتاريخ وهو يكتب نفسه أن يتجاوزهما، الأولى أن إسرائيل التي تريد السيطرة على الشرق الأوسط وتراكم قوة وقدرات لا تستطيع الدفاع عن نفسها وخوض حروبها منفردة، ولولا الدعم الأميركي لانهزمت مرات عديدة ولوقعت اتفاقيات السلام صاغرة ولتصرفت بكل أكثر تواضعاً وتوقفت عن التهديد ولأدركت حجمها، ففي كل معركة حتى مع حركة صغيرة محلية مثل «حماس» كان لا بد للدعم الأميركي أن يكون حاضراً وبقوة وليس لديها من السلاح ما يمكنها من خوض حرب لا في الهجوم ولا في الدفاع أمام ايران.
المسألة الثانية، إن إسرائيل بعد هذه الإبادة لا يمكن أن تنسب نفسها إلى العالم الغربي والعالم الحضاري وهو ما اعتاد نتنياهو أن يقول عن دولته «الفيلا وسط الغابة» وإن إسرائيل «نموذج الحضارة أمام نموذج التوحش» فحجم الفظائع التي ارتكبت على الملأ وحجم التوحش الذي أظهرته المؤسسة الإسرائيلية وذراعها المسلحة ممثلة بالجيش الإسرائيلي ومع حجم ما تساقط من تصريحات من قبل مسؤولين في حكومة إسرائيل مثل بن غفير وسموتريتش وأوريت ستروك ويوآف غالانت الذي غادر الوزارة بعد أن وصف الفلسطينيين بـ»الحيوانات البشرية» وطلب منع الغذاء والدواء حينها يصبح الحديث عن أن إسرائيل جزء من الغرب والحضارة شيئا من السخرية بل إن إسرائيل أصبحت عبئاً ثقيلاً على الغرب وهو ما اختصره ترامب ناصحاً ساسة أميركا بعدم الارتباط بها أما في أوروبا، فالأمر تجاوز ذلك بكثير نحو دعوات المقاطعة والعقاب والخزي من استقبال رئيس وزرائها.
«هي مجرد جمهورية موز في الحديقة الأميركية» هكذا قال قادة المعارضة في إسرائيل عن لحظة أوصل بها نتنياهو الدولة لتكون كذلك، جمهورية منبوذة خرجت عن سياقات القيم البشرية وتصر على أن تكون دولة احتلال بلا خجل كأن العالم لا يراقب سلوكها ولا يقرأ كل شيء. صحيح أنها حطمتنا وحطمت الإقليم لكنها تلقت هزيمة على المدى البعيد، خرجت من العالم. تلك هي إسرائيل، وهذا هو هاكابي.



