أمهات الشهداء وحكايا الزغاريد في موكب التشييع المهيب

خاص الخامسة للأنباء – تقرير سعيد الطويل:

كأن شهداء فلسطين من جينات واحدة وسنبلة يافعة، تجتمع فيهم وفاء الأرض وصلابة الأشداء بخلطة عجيبة يصعب علينا فهمها ،خلطة تجمع كل التناقضات بين العشق والكراهية والتواضع والكبرياء والرقة والشدة والشجاعة والخوف والأمل والواقعية ،يعشقون الأرض والجنة والأمهات.

يكرهون الظلم والاحتلال ولكنه كره يحرك العطاء والبذل والاستعداد للشهادة.

 

شهداؤنا أيقونة صمود وكرامة

هم المتواضعون أمام تضحيات شعبهم ولكن كبرياءهم يناطح عنان السماء أمام عدوهم ومحتلهم ،رقيقون جدا يخافون من الموت لأنهم “يخجلون من دمع أمهاتهم” ،شديدون في مواجهة عدوهم وجنوده المدججين بالجبن والأسلحة، شجاعتهم نادرة في المواجهة، يواجهون الموت “باسمين” مقبلين لا مدبرين، لكنهم مع ذلك يخافون فراق الأحبة، يناضلون بأمل لا يخبو بالانتصار على الأعداء، ولكنهم واقعيون يدركون أنهم ميتون على أية حال، ويحسبون اللحظات الأخيرة قبل الموت بدقة الرياضي البارع.

انهم شهداء فلسطين الذي بات تعلقهم بالقوة المستمدة من السماء والإيمان الكامل بها ، هم سادة الحسابات الخارجة عن الناس العاديين، لأنهم باختصار شهداء، والشهيد لا يمكن أن يكون شخصا عاديا!

 

رباطة جأش وزغاريد الأمهات

سبّل عيونه ومد إيه يحنلوه ، زغردي يم الجدايا زغردي ،رجع الخي يا عين لا تدمعيله ،لم تنقطع عن مسامعنا كلمات هذه الأغنيات والأناشيد الوطنية المأبنة للشهداء وقت رحيلهم ووادعهم وفي بيوت عزاءهم.

قليلة هي مشاهد أمهات الشهداء التي لم نعد نراها تجهش ولا تدمع أعينهن أمام الكاميرات، فهذه الدموع أليق بالليل، حيث يغيب الناس والأرض، ويجتمع الحب البكر والفقد الحامض، والذكريات الصغيرة، وقوة لا تنقطع من السماء كما رأينا مؤخراً والدة القائد المطارد ابراهيم النابلسي

فقد تستبدل هذه الدموع بزغاريد تخترق جدار الصوت والقلب معاً لتعلى على صوت المشيعين ،يتستقبل بالورود والأهازيج والزغاريد كأنه الشهيد عريساً ليلة زفافه.

والدة الشهيد جاد العكر تصف مشهد وداع ابنها البكر جاد الذي استشهد خلال الانتفاضة الأولى، حيث لا جنازات ولا مراسم زفاف ولا ورود تتساقط على الشهداء كما يزف الشهداء الآن، قائلة: “دخلتُ المقبرة ليلاً مع والده واثنين من أقاربنا، ووجدتُ فيها عددا من الجنود يحيطون جسد ابني البارد الذي ينتظر قبلة الوداع الأخيرة ،الليل ورائحة المسك، هذا ما تبقّى من ذلك المشهد”، وتكمل: “بوّسته وقلت: الله يسهل عليك يمّا، وصبرت ولم أبكِ، لأنّ محمد في مكان أفضل من مكاننا”.

وتصف بيت العزاء: “والله كان بيتنا فرح مش عزا، وفي ساعات النهار صوت الأناشيد يصدح”، مضيفةً أنّ ابنها رفع رأسها عاليا باستشهاده حتى جاءتها أفواج المهنئين.

وتقول أم جاد: “أكاليل الورد منذ يوم استشهاده ولسنوات طويلة وأنا أحتفظ فيها”، وتكمل أنها ازدادت يقينا برحيل المحتل، فكل ظالمٍ وله نهاية.

 

الشهداء ذكرى.. ذاكرة وعنوان

منذ تعرض فلسطين للانتداب البريطاني عام 1920، واعتماده من قبل عصبة الأمم عام 1922، قامت بريطانيا بالسماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين وسمحت لهم بتشكيل العصابات المسلّحة وعرفت بالعصابات الصهيونية الثلاث، حيث ارتكبت العديد من المجازر؛ ممّا دفع الفلسطينيين للدفاع عن وطنهم، وانطلقت العديد من الثورات، وكان أشدّها ثورة البراق التي استشهد فيها العديد من الشهداء، أبرزهم الشهداء الثلاثة: محمد حجازي، ومحمد جمجوم، وعطا الزير، وقد انتفض الشعب الفلسطيني وعمّ الإضراب كلّ فلسطين، ومنذ ذلك التاريخ اعتمد الفلسطينيون تشييع شهدائهم بالورود وبإطلاق الزغاريد.

فإن فقدان أحد أفراد العائلة يعتبر من أكبر المصائب التي يتعرض لها الإنسان، ولكن أسر الشهداء قاومت هذه الفكرة وحولتها إلى يوم فخر وعز، لذلك نرى أنّ زوجة الشهيد وأخته وبنته يطلقنّ الزغاريد”.

وأنّ الحشود الكبيرة في تشييع الشهداء تظهر تمسّك الشعب الفلسطيني وكلّ أطيافه بطريق النضال والكفاح والمقاومة، وهي رسالة دعم ومواساة لأسر الشهداء وتأكيد على شرعية المقاومة، وفي المقابل تمثل رسالة للعدو بأنّ الشعب الفلسطيني لا يستسلم مهما تعرض للقتل والتشريد.

 

إيمانٌ وعزيمة

يودع ذوو الشهداء أبناءهم بمراسم الوداع كما العادة، لكن في بعض الأحيان تتغير تلك المراسم بحسب وصية الشهيد قبل استشهاده، كما حدّثنا نجل الشهيد محمد الشيخ خليل الذي ذكر لنا وصية ابنه قبل استشهاده، قائلا له: امانة لو استشهدت توزعوا حلو وتعملوا غدا عن روحي ، ويكمل حديثه بغصةٍ عن وداعه لوالده الذي اغتيل بصواريخ الأباتشي بالبكاء وتألمه عند رؤيته شهيدا يُزَف بالورود بينما كان يحلم أن يراه وهو خريجاً ومتزوجاً يزفّ إلى زوجته وختم انه ابتلاء الله وانا لصابرين..

وتحدث أم حمزة شتيوي في مقابلة صحفية سابقة واصفة مشهد وداع حمزة: “لو أنا زوجتو ما كانت زفيتو هيك”، مشيرة إلى المشهد المهيب الذي زفّ به ابنها.

وواصلت حديثها الذي تخللته الدموع بأنّها كانت تتعجب من صبر أمهات الشهداء عند رؤية عزيمتهنّ وشجاعتهنّ، لكن بعد خوضها التجربة ربط الله على قلبها بالصبر وعدم البكاء أثناء وداع ابنها، مضيفة:إنّها قوة الإيمان التي يزرعها الله في قلوب أمهات الشهداءليواجهنّ بها المحتل.

استذكرنا اليوم رغم عدم نسياننا هذه الأم الفلسطينية الصامدة في ذكرى يوم الشهيد الفلسطين الذي يصادف 7 يناير من كل عام وفاءً لشهداء الثورة الفلسطينية والنضال الوطني الفلسطيني في كافة مراحله ومن كافة الفصائل الوطنية والإسلامية.

وشهداء الحركة الأسيرة في سجون الاحتلال الإسرائيلي ،كما أقر هذا اليوم في ذكرى ارتقاء الشهيد الأول للثورة الفلسطينية، وهو الشهيد أحمد موسى، أول من نفّذ عملية فدائية، في العام 1965، فأصبح عنواناً للثورة الفلسطينية، ووجهاً للرصاصة الأولى، فارتبط اسمه بالذكرى السنوية لانطلاقة الثورة الفلسطينية.

وفي هذه الذكرى يستذكر شعبنا الشهداء الذين ارتقوا إلى العلى في كافة مراحل الثورة الفلسطينية ومسيرة النضال الوطني الطويل من كافة الفصائل وفي جميع المواقع داخل الوطن وخارجه وفي السجون وعلى الحدود وشهداء الأرقام الذين ما زال الاحتلال يحتجز جثامينهم.

الرابط مختصر: