أي موقع للاجئين الفلسطينيين في المعادلة الراهنة للصراع؟

وليد محمد محمد يكتب..
بعد أن لعب اللاجئون الفلسطينيون وخصوصا في دول الطوق / سورية ، لبنان ،الأردن / الدور الأهم في وضع اللبنات الأولى لحركة التحرر الوطني الفلسطيني المعاصرة وكانوا نواه العمل العسكري والكفاح المسلح ضد الاحتلال و ساهموا بشكل كبيرقي تشكيل وهيكلة منظمة التحرير الفلسطينية والتي صيغت أهدافها ومبادئها ترجمة لتطلعاتهم وحقوقهم وتأكيدا على هويتهم وانتمائهم وحقهم في الكفاح لتحرير وطنهم كما عملوا على نشر المظلومية الفلسطينية وشرح ابعادها وعدالتها الى العالم مما أكسب القضية الفلسطينية هذه المكانة والتعاطف من قبل الشعوب ، يجد اللاجئون الفلسطينيون في الشتات انفسهم اليوم أمام محاولات من اطراف عدة عربية ودولية لإقصائهم عن معادلة الصراع وتناول قضيتهم مجردة من بعدها القانوني ويمكن حلها بدمجهم في أماكن تواجدهم بالتوطين والتجنيس او التعويض او بالتهجير وبالتالي إيجاد تسوية لهذا الملف واغلاقه .


يتمسك اللاجئون الفلسطينيون بالرواية التاريخية الفلسطينية التي شكلت نكبة فلسطين عام 1948م واقتلاع شعبها وتهجيره من وطنه أهم فصولها ويعتبرون ان قضية اللاجئين حجر الزاوية و جوهر الصراع مع المشروع الصهيوني وقدموا لذلك تضحيات جسام ولا يمكن لأي تسوية ان تمر دون تحقيق العدالة وتصحيح حركة التاريخ عبر عودتهم الى ديارهم وانهاء مأساتهم المستمرة والتي فشل المشروع الصهيوني من خلالها تذويب قضيتهم وتصفيتها ، وعلى الرغم من التغيرات الجيوسياسية الكبيرة التي طرأت على المنطقة والظروف المعقدة والمفاصل التاريخية الصعبة التي حاقت بالقضية الفلسطينية وبعد أكثر من سبعة عقود رحل خلالها معظم الكبار من اللاجئين الذين عايشوا النكبة والتهجير لكنهم وبعكس ما تنبئ به قادة الكيان الصهيوني تركوا وراءهم اكثر من ستة ملايين ونصف من الأبناء والاحفاد لاجئين تمتلئ ذاكرتهم بتفاصيل البيوت والبلاد التي لم يروها و لم ينسوا حقهم وحق ابائهم وأجدادهم في العودة اليها والحفاظ على هويتهم الوطنية حيث باءت بالفشل كل المشاريع والرؤى التي حاولت النيل من هذا الحق والبحث عن حلول لتصفية هذا الملف وفصله عن بافي ملفات الصراع العربي الصهيوني .


لا شك ان أكثر ما يقلق اللاجئين الفلسطينيين وخصوصا في الشتات هو التحول الذي أحدثته تكتيكات القيادة
البراغماتية الفلسطينية والمهيمنة على القرار في الساحة الفلسطينية ومناوراتها في تناولها لقضيتهم فمنذ منتصف سبعينيات القرن الماضي وما تلاها بدأ الحديث عن المرونة السياسية وضرورة التعاطي مع عناوين تفضي بشكل او بآخر الى الانخراط في تسوية تتناسب مع الواقع القائم وموازين القوى ، وبعد خروج المقاومة من بيروت وما أعقبه بسنوات من اعلان الاستقلال 1988 ا اتضح أكثر التغيير الاستراتيجي والانتقال من مفهوم التحرير الذي بنيت عليه المنظومة الفلسطينية كحركة تحرر وطني منذ بداياتها الى البحث عن تسويات ومشاريع وصيغ تنهي الصراع وتراهن على المجتمع الدولي وقراراته و التي جاءت في جوانب كثيرة منها لتطفي شرعية على وجود دولة الكيان على ما احتلته العصابات الصهيونية عام 1948 وبنفس الوقت عجزت عن تنفيذ بندا واحدا من القرارات الكثيرة التي صدرت لصالح الشعب الفلسطيني وخاصة ما تعلق منها باللاجئين وعودتهم ، وصولا الى المحطة الأخطر وتوقيع اتفاقيات اوسلوا 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية والكيان الصهيوني والتي استشعر خلالها اللاجئين الفلسطينيين أن قضيتهم باتت مرهونة بما ستنتجه طاولة المفاوضات في اطار ما سمي مفاوضات المرحلة اللاحقة الى جانب ملف القدس والترتيبات الأمنية والحدود وكان من البديهي برغم التصريحات العلنية للمفاوض الفلسطيني الاستنتاج انه بمجرد الاعتراف بشرعية الكيان الصهيوني على الأراضي المحتلة قبل 1967 انما هو مساس بحق عودة اللاجئين الى بيوتهم وقراهم وفتح الباب للتفاوض عليه وتسويته وزاد من قلقهم ما تم تسريبه عام 2000 في الحديث عن لم شمل لعدد محدود من اللاجئين مع دمج لاجئي الضفة وغزة في الكيان الفلسطيني المستقبلي ( فيما لو تم ذلك) وعودة قسم محدود من لاجئي الشتات اليه وتوطين او تهجير الأغلبية الباقية ، ومع فشل الرهان على خيار التسوية ووصولها الى افق مسدود واتضاح كارثية هذا التوجه وتأثيراته على مستقبل القضية الفلسطينية وعلى وحدة الشعب الفلسطيني ووعيه الجمعي ومع تزايد التغول الصهيوني على الحقوق الفلسطينية واستهداف هويته وجد اللاجئون الفلسطينيون قضيتهم وقد عادت الى المربع الاول وعرضة لمشاريع تصفيتها وخاصة بعدما جاءت به إدارة الرئيس الأمريكي ترامب فيما يسمى صفقة القرن ومحاولة دمجهم وتوطينهم في أماكن تواجدهم او في أماكن مقترحة أخرى وفي ظل تراجع النظام الرسمي العربي عن دعم القضية الفلسطينية وتوجهه نحو التطبيع وإقامة البعض علاقات كاملة بما فيها امنية وعسكرية مع الكيان االصهيوني ، ومع استمرار حالة الانقسام الجيوسياسي في الساحة الفلسطينية وصعوبة إعادة ترتيب البيت الفلسطيني وإصلاح منظمة التحرير وإعادة بناء مؤسساتها وتفعيل دورها ‘ ومع صعوبة الأوضاع المعيشية والاجتماعية وبسبب الأزمات السياسية والاقتصادية التي تعاني منها المنطقة والذي زاد من شعور اللاجئين بالإحباط واليأس ودفع اعدادا كبيرة منهم للمخاطر والهجرة يجد لاجئي الشتات كما إخوانهم في الداخل انفسهم في حال لا يحسدون عليه وأمام تحديات كبيرة ومعقدة تتداخل فيها العوامل الذاتية والموضوغية وهم في سبيل الحفاظ على هويتهم الوطنية وانتمائهم وبقاء قضيتهم حية ذات طابع تحرري وطني وعدم حصرها في الجوانب المعيشية والاغاثية بات مطلوب منهم العمل وفق رؤية وطنية شاملة تعبرعن رؤيتهم وتمسكهم بحقوقهم كاملة وتعيد لهم دورهم في الصراع وتؤكد على جوهرية قضيتهم ومركزيتها فيه الأمر الذي يتطلب منهم تنسيق الجهود بشكل منظم للضغط على إعادة ترتيب البيت الفلسطيني وعودة قضية اللاجئين الى مكانتها الطبيعية كعنوان عريض في الصراع لا يقبل التجزئة ولا المساومة عليه ، والمساهمة بشكل فعال في تجاوز الانقسام القائم للوصول الى إعادة الدور والوظيفة لمنظمة التحرير الفلسطينية وببرنامج كفاحي نضالي باعتبارها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني وإصلاح مؤسساتها عبر انتخابات حرة تضمن تمثيل اللاجئين تمثيلا حقيقيا بعيدا عن الكوتات والتعيينات وبعد سقوط كل أوهام التسوية وفشلها لم يعد امامهم سوى العمل وبكل الوسائل المشروعة على إعادة التأكيد على قضيتهم و رفض التنازل عن حقهم بالعودة الى القرى والمدن التي هجروا منها مع التعويض عما اصابهم وهو حق تاريخي لا يسقط بالتقادم ولا يمكن تفويض أي جهة للمساومة عليه .


لا شك ان الحالة الفلسطينية العامة تعاني من غياب استراتيجية وطنية جامعة لكل مفردات الشعب الفلسطيني وشرائحه في كافة أماكن تواجده وتفتقد الى رؤية واضحة قادرة على تحشيد طاقاته وامكانياته وزجها في معادلة الصراع الوجودي مع الكيان الصهيوني الاستيطاني الاحلالي وإن استمرار حالة الانقسام وما يرافقها من احباط ومرارة وتعثر المصالحة سيؤدي الى مزيد من الخسارات وضياع الحقوق والتضحيات ، وأنه بات من الضرورة للمؤسسات المعنية الالتفات الى وضع اللاجئين وخاصة في دول الطوق وتعزيز صمودهم و تحسين ظروف معيشتهم ومقومات وجودهم كي تبقى قضيتهم حاضرة وكي يبقوا الجناح الثاني لحركة التحرر الوطني الفلسطيني .

الرابط مختصر: