مقالات الخامسة

الضفة وغزة تحت سلطة الآثار

الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب: سعيد محمد ابو رحمة

يشكل إقرار الكنيست الإسرائيلي بالقراءة الأولى لمشروع إقامة سلطة آثار خاصة بالضفة الغربية وقطاع غزة تطوراً سياسياً وقانونياً بالغ الأهمية، لأن هذه الخطوة لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد إجراء إداري يتعلق بحماية المواقع الأثرية أو تنظيم عمل المحميات الطبيعية، بل تأتي ضمن مشروع أوسع تسعى من خلاله إسرائيل إلى تكريس سيادتها الفعلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإعادة تشكيل الجغرافيا والرواية التاريخية والسياسية للصراع. فحين تمنح حكومة الاحتلال هيئة إسرائيلية جديدة صلاحيات مصادرة الأراضي والإشراف الحصري على المواقع الأثرية والطبيعية في الضفة الغربية وغزة، فإنها عملياً تنتقل من إدارة الاحتلال المؤقت إلى محاولة فرض نموذج سيادي دائم، يقوم على إعادة تعريف الأرض الفلسطينية باعتبارها جزءاً من البنية القانونية والإدارية الإسرائيلية.

الخطورة الأساسية في هذا المشروع تكمن في أنه ينقل ملفاً حساساً مثل ملف الآثار من الإطار العسكري الذي حكم الضفة الغربية منذ عام 1967 إلى إطار مدني إسرائيلي مباشر يخضع لوزير في الحكومة الإسرائيلية. وهذا التحول يحمل دلالة سياسية واضحة، لأن نقل الصلاحيات من الإدارة العسكرية إلى مؤسسات مدنية إسرائيلية يُعد في نظر القانون الدولي والمؤسسات الحقوقية شكلاً من أشكال الضم التدريجي أو الضم الزاحف. فإسرائيل لم تعد تكتفي بإدارة الأرض المحتلة أمنياً، بل باتت تعمل على دمجها تدريجياً في منظومتها التشريعية والإدارية، وهو ما ينسجم مع توجهات اليمين الإسرائيلي الديني والقومي الذي يرى في الضفة الغربية جزءاً من أرض إسرائيل التاريخية.

ومنذ سنوات طويلة، تستخدم إسرائيل ملف الآثار باعتباره أداة سياسية وأيديولوجية لتعزيز روايتها التاريخية في فلسطين. لذلك فإن إنشاء سلطة آثار جديدة يعني عملياً منح المؤسسة الإسرائيلية قدرة أكبر على إعادة صياغة المشهد التاريخي والثقافي في الأراضي الفلسطينية، عبر التركيز على المواقع المرتبطة بالسردية التوراتية أو اليهودية، مقابل تهميش أو إضعاف الحضور العربي والإسلامي والمسيحي في الرواية الرسمية. وهنا لا يعود الصراع فقط على الأرض أو الحدود، بل يتحول إلى صراع على الذاكرة والهوية والتاريخ، لأن السيطرة على المواقع الأثرية تمنح الاحتلال فرصة لتكريس روايته أمام المجتمع الدولي وربط المشروع الاستيطاني بأبعاد دينية وتاريخية.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

كما أن المشروع يحمل أبعاداً استيطانية واضحة، لأن غالبية المواقع الأثرية والمحميات الطبيعية التي تركز عليها إسرائيل تقع في مناطق حساسة استراتيجياً داخل الضفة الغربية، وغالباً بالقرب من المستوطنات أو البؤر الاستيطانية. وفي تجارب سابقة، استخدمت إسرائيل تصنيف المحميات الطبيعية أو المناطق التراثية لمنع الفلسطينيين من البناء أو التوسع العمراني، ثم جرى لاحقاً ربط هذه المناطق بالمستوطنات وتحويلها إلى جزء من البنية الاستيطانية. وبالتالي فإن الصلاحيات الجديدة المتعلقة بمصادرة الأراضي والإشراف الحصري على المواقع الأثرية تمنح الحكومة الإسرائيلية أداة إضافية لتعزيز السيطرة الجغرافية وتقليص الحيز الفلسطيني في الضفة الغربية.

ويأتي هذا التطور في سياق سياسي داخلي إسرائيلي يشهد تصاعد نفوذ اليمين المتطرف داخل حكومة نتنياهو ، حيث تدفع الأحزاب الدينية والقومية باتجاه خطوات متسارعة تهدف إلى حسم مستقبل الضفة الغربية بعيداً عن أي تسوية سياسية قائمة على حل الدولتين. ولذلك يمكن فهم مشروع سلطة الآثار باعتباره جزءاً من استراتيجية أوسع تشمل توسيع الاستيطان، وشرعنة البؤر العشوائية، ونقل صلاحيات الإدارة المدنية إلى وزراء إسرائيليين مدنيين، وتقويض أي إمكانية لقيام كيان فلسطيني ذي سيادة في المستقبل.

أما إدراج قطاع غزة ضمن صلاحيات هذه السلطة، فهو يحمل دلالات أكثر عمقاً وخطورة، خاصة في ظل الحرب الحالية والحديث الإسرائيلي المتكرر عن اليوم التالي في القطاع. فمن الناحية العملية، لا توجد اليوم سيطرة مدنية إسرائيلية مباشرة كاملة على غزة، لكن مجرد تضمين القطاع في قانون يتعلق بالسيادة الإدارية على المواقع الأثرية والطبيعية يعكس أن إسرائيل لا تنظر إلى غزة باعتبارها خارج المجال السيادي الإسرائيلي المستقبلي. وهذا يعني أن الاحتلال يحاول إبقاء الباب مفتوحاً أمام دور طويل الأمد في القطاع، سواء أمنياً أو إدارياً أو حتى جغرافياً.

كما أن إدراج غزة يكشف أن إسرائيل تسعى إلى توحيد الرؤية المتعلقة بالأرض الفلسطينية كلها تحت إطار قانوني وإداري واحد، بحيث تصبح الضفة الغربية وغزة جزءاً من مساحة تخضع عملياً للتصورات الإسرائيلية المتعلقة بالأمن والسيادة والتراث. ومن هنا فإن الخطوة تحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن إسرائيل تريد أن تكون صاحبة القرار النهائي في كل ما يتعلق بالأرض الفلسطينية، سواء في الضفة أو غزة، وأن أي ترتيبات مستقبلية ستبقى مرتبطة بالرؤية الإسرائيلية وليس بقرارات الشرعية الدولية.

إضافة إلى ذلك قد يُستخدم ملف الآثار والمحميات الطبيعية مستقبلاً كأداة لإعادة رسم الجغرافيا داخل قطاع غزة بعد الحرب، خصوصاً إذا اتجهت إسرائيل إلى فرض مناطق عازلة واسعة أو قيود على إعادة الإعمار. ففي تجارب عديدة، استُخدمت الاعتبارات البيئية أو التراثية لتبرير منع البناء الفلسطيني أو فرض سيطرة طويلة الأمد على مناطق معينة. ولذلك فإن منح سلطة إسرائيلية صلاحيات تتعلق بالمواقع الأثرية والطبيعية في غزة قد يشكل تمهيداً لفرض ترتيبات ميدانية جديدة تحت غطاء الحفاظ على التراث أو حماية المواقع التاريخية.

ومن الناحية القانونية فإن المشروع قد يفتح الباب أمام موجة انتقادات دولية، لأن القانون الدولي يعتبر الضفة الغربية وقطاع غزة أراضي محتلة، ولا يحق لدولة الاحتلال إجراء تغييرات دائمة في بنيتها القانونية أو الإدارية أو التصرف بإرثها الثقافي باعتباره جزءاً من سيادتها الوطنية. كما أن اتفاقيات دولية عدة، بينها اتفاقية لاهاي الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية، تمنع القوة القائمة بالاحتلال من استغلال التراث الثقافي للأراضي المحتلة أو توظيفه لأغراض سياسية واستيطانية.

إن مشروع سلطة الآثار لا يمكن فصله عن المشروع الإسرائيلي الأوسع الهادف إلى إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني سياسياً وجغرافياً وتاريخياً. فالقضية هنا ليست مجرد إدارة مواقع أثرية، بل محاولة لتكريس الضم التدريجي، وتعزيز الاستيطان، والسيطرة على الرواية التاريخية، وربط الأرض الفلسطينية بمنظومة قانونية وإدارية إسرائيلية دائمة. أما إدراج غزة ضمن هذا المشروع، فيعكس أن إسرائيل تفكر بما هو أبعد من الحرب الحالية، وتسعى إلى وضع أسس طويلة الأمد تضمن استمرار نفوذها وسيطرتها على القطاع في مرحلة ما بعد الحرب، سواء عبر الأدوات الأمنية أو من خلال أدوات السيطرة الناعمة المرتبطة بالقانون والآثار والجغرافيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى