
الخامسة للأنباء - غزة
القدس مدينة فوق مدينة.. وصراع يمتد إلى ما تحت الأرض .إعداد : عهد أبو خوصة
في مدينة تُعد من أكثر مدن العالم حساسية دينيًا وسياسيًا، لا يقتصر الصراع في القدس على ما يحدث فوق الأرض فقط، بل يمتد أيضًا إلى أعماقها، حيث تحولت الأنفاق والحفريات أسفل البلدة القديمة ومحيط المسجد الأقصى إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
ففي الوقت الذي تقدم فيه إسرائيل هذه الحفريات باعتبارها مشاريع أثرية تهدف إلى الكشف عن طبقات تاريخية تعود إلى فترات يهودية قديمة، يرى الفلسطينيون أن ما يحدث يتجاوز البعد الأثري، ويرتبط بمشروع سياسي وديني أوسع يسعى إلى تكريس الرواية الإسرائيلية حول القدس وتغيير طابع المدينة التاريخي والديموغرافي.
ومع كل صورة أو مقطع فيديو لمسؤولين إسرائيليين داخل الأنفاق القريبة من المسجد الأقصى، تتجدد حالة الغضب الفلسطيني والعربي، لأن هذه المشاهد لا تُقرأ باعتبارها جولات سياحية أو أثرية فقط، بل باعتبارها رسائل سياسية تتعلق بالسيادة والهوية ومستقبل القدس.

القدس.. مدينة تقوم فوق طبقات من التاريخ
القدس ليست مدينة عادية من الناحية التاريخية أو الدينية، فهي واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم، وقد تعاقبت عليها حضارات وإمبراطوريات متعددة عبر آلاف السنين، بدءًا من الكنعانيين والرومان والبيزنطيين، وصولًا إلى العصور الإسلامية والعثمانية والحديثة.
هذا التاريخ الطويل جعل المدينة أشبه بطبقات متراكمة من الآثار والأنفاق والبقايا المعمارية المدفونة تحت الأرض، ولذلك فإن أي أعمال حفر في القدس تكشف باستمرار عن طبقات أثرية جديدة تعود إلى فترات تاريخية مختلفة.
لكن خصوصية القدس لا تتعلق فقط بتاريخها، بل أيضًا بمكانتها الدينية لدى المسلمين والمسيحيين واليهود، وهو ما يجعل أي نشاط أثري أو هندسي فيها شديد الحساسية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالمسجد الأقصى ومحيطه.
فبالنسبة للفلسطينيين والعالم الإسلامي، يُعد المسجد الأقصى رمزًا دينيًا ووطنيًا بالغ الأهمية، وأي تغيير في محيطه أو أسفله يُنظر إليه باعتباره تهديدًا مباشرًا لهوية المدينة ومستقبلها.

كيف بدأت الحفريات أسفل المسجد الأقصى
بدأت أعمال الحفر والتنقيب الأثري في القدس منذ القرن التاسع عشر، لكن التحول الأكبر حدث بعد احتلال إسرائيل للقدس الشرقية عام 1967.
فبعد الحرب، أعلنت إسرائيل ضم القدس الشرقية واعتبار المدينة “عاصمتها الموحدة”، ومنذ ذلك الوقت بدأت مشاريع تنقيب أثرية واسعة في البلدة القديمة ومحيط المسجد الأقصى.
السلطات الإسرائيلية قدمت هذه المشاريع باعتبارها جزءًا من جهود البحث عن آثار تاريخية مرتبطة بالفترات اليهودية القديمة، خصوصًا ما يتعلق بما يُعرف بـ”الهيكل الثاني” والممالك اليهودية القديمة.
كما عملت إسرائيل على تحويل كثير من هذه المواقع إلى مسارات أثرية وسياحية تستقطب الزوار، في إطار تعزيز الرواية التاريخية اليهودية للقدس.
أما الفلسطينيون، فقد رأوا أن هذه الحفريات لا يمكن فصلها عن المشروع السياسي الإسرائيلي في المدينة، معتبرين أن التنقيب الأثري يُستخدم أيضًا لترسيخ السيطرة الإسرائيلية على القدس وتغيير هويتها العربية والإسلامية.
ومنذ ذلك الوقت، أصبحت قضية الحفريات واحدة من أكثر الملفات حساسية في المدينة، لأنها ترتبط مباشرة بالصراع على السيادة والتاريخ والرواية الدينية.
أين تقع الأنفاق والحفريات..
رغم شيوع الاعتقاد بأن الأنفاق تقع مباشرة أسفل المسجد الأقصى بالكامل، فإن الواقع أكثر تعقيدًا.
فشبكة الحفريات والأنفاق تمتد في مناطق متعددة داخل القدس القديمة ومحيطها، خصوصًا بمحاذاة الجدار الغربي للمسجد الأقصى، وفي منطقة حائط البراق، إضافة إلى أجزاء من البلدة القديمة وحي سلوان جنوب المسجد.

وتوجد ممرات وأنفاق أثرية طويلة تستخدم اليوم كمواقع سياحية ودينية، ويزورها آلاف الإسرائيليين والسياح سنويًا.
لكن الفلسطينيين يقولون إن المشكلة لا تتعلق فقط بمكان الحفريات، بل بتوسعها المستمر واقترابها من أساسات المسجد الأقصى والأحياء الفلسطينية التاريخية، وهو ما يثير مخاوف من تأثيرها على البنية العمرانية القديمة للمدينة.
كما يرى كثير من الفلسطينيين أن توسيع شبكة الأنفاق يهدف إلى خلق واقع جديد أسفل القدس القديمة، يعزز الرواية الإسرائيلية حول تاريخ المدينة.
ما هو نفق البراق؟
يُعتبر “نفق البراق”، المعروف أيضًا باسم “النفق الغربي”، أشهر الأنفاق المرتبطة بالحفريات قرب المسجد الأقصى.
ويمتد هذا النفق بمحاذاة الجدار الغربي للمسجد الأقصى، ويكشف أجزاء طويلة من الحائط الذي يقدسه اليهود باعتباره جزءًا من بقايا الهيكل القديم.
إسرائيل تعتبر النفق موقعًا أثريًا ودينيًا وسياحيًا بالغ الأهمية، وتقول إنه يساعد في فهم تاريخ القدس القديم وإبراز الارتباط اليهودي التاريخي بالمدينة.
لكن الفلسطينيين ينظرون إلى النفق بطريقة مختلفة تمامًا، إذ يرون أنه جزء من مشروع سياسي وديني يهدف إلى فرض رواية إسرائيلية محددة حول القدس، وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على محيط المسجد الأقصى.
ولهذا تحولت قضية النفق إلى رمز للصراع الأوسع حول المدينة، وليس مجرد خلاف أثري أو هندسي.
افتتاح نفق البراق عام 1996.. حين انفجرت الشوارع
في سبتمبر/أيلول عام 1996، قررت حكومة بنيامين نتنياهو فتح مخرج جديد لنفق البراق قرب المسجد الأقصى، وهو القرار الذي أشعل واحدة من أخطر موجات المواجهات منذ توقيع اتفاق أوسلو.
الفلسطينيون اعتبروا الخطوة محاولة إسرائيلية لفرض سيطرة أكبر على القدس ومحيط المسجد الأقصى، كما رأوا فيها استفزازًا سياسيًا ودينيًا خطيرًا.
وسرعان ما اندلعت احتجاجات ومواجهات واسعة عُرفت لاحقًا باسم “هبة النفق”، وامتدت من القدس إلى الضفة الغربية وقطاع غزة.
وأسفرت المواجهات عن استشهاد عشرات الفلسطينيين و مقتل عدد من الجنود الإسرائيليين، وكشفت حجم الحساسية الهائل الذي يحيط بملف الأنفاق والحفريات.
ومنذ ذلك الوقت، أصبحت أي أعمال حفر أو افتتاحات جديدة قرب المسجد الأقصى قادرة على إشعال توترات سياسية وأمنية واسعة.

لماذا تثير الحفريات كل هذا القلق الفلسطيني
يرتبط القلق الفلسطيني من الحفريات بعدة أسباب متداخلة، في مقدمتها الخوف على المسجد الأقصى نفسه.
فالمؤسسات الدينية والفلسطينية تحذر منذ سنوات من أن استمرار الحفريات بالقرب من أساسات المسجد والمباني التاريخية المحيطة به قد يؤدي إلى أضرار مستقبلية في البنية العمرانية القديمة للمدينة.
وخلال السنوات الماضية، تحدث فلسطينيون عن ظهور تشققات وانهيارات محدودة في بعض المناطق القريبة، معتبرين أن ذلك دليل على خطورة أعمال الحفر المتواصلة.
في المقابل، تنفي إسرائيل بشكل متكرر وجود أي خطر على المسجد الأقصى، وتؤكد أن جميع الأعمال تتم وفق معايير هندسية وأثرية دقيقة.
فإسرائيل تسعى إلى إبراز الآثار اليهودية القديمة باعتبارها دليلًا على الارتباط التاريخي اليهودي بالمدينة
بينما يخشى الفلسطينيون أن يؤدي التركيز المكثف على هذه الرواية إلى تهميش الهوية العربية والإسلامية للقدس وإعادة تشكيل الوعي العالمي بتاريخ المدينة.
ولهذا يرى كثير من الفلسطينيين أن الحفريات تمثل “معركة على الذاكرة والتاريخ” بقدر ما هي مشروع أثري.

سلوان ومدينة داود.. التوتر الذي وصل إلى الأحياء الفلسطينية
يُعد حي سلوان، الواقع جنوب المسجد الأقصى، واحدًا من أكثر المناطق التي تشهد توترًا بسبب الحفريات الإسرائيلية.
فهناك تنفذ إسرائيل مشاريع تنقيب واسعة مرتبطة بما يُعرف باسم “مدينة داود”، وهو موقع أثري تقول إسرائيل إنه يكشف آثارًا تعود إلى مملكة داود التوراتية.
لكن الفلسطينيين في سلوان يقولون إن الحفريات تتم أسفل منازلهم وتسببت في بعض الأضرار والتشققات، كما يتهمون السلطات الإسرائيلية باستخدام المشاريع الأثرية لتعزيز الاستيطان والسيطرة على الحي.
وخلال السنوات الأخيرة، أصبحت سلوان واحدة من أبرز بؤر التوتر في القدس الشرقية، حيث يتداخل الصراع الأثري مع الصراع السياسي والسكاني بشكل واضح.

نتنياهو داخل الأنفاق.. لماذا أثارت الصور كل هذا الجدل؟
خلال السنوات الماضية، ظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أكثر من مرة داخل الأنفاق المحيطة بالمسجد الأقصى، في صور ومقاطع فيديو أثارت ردود فعل واسعة.
وفي بعض هذه المقاطع، كان نتنياهو يتجول داخل نفق البراق برفقة مسؤولين وحاخامات، بينما تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن “الارتباط التاريخي اليهودي بالقدس”.
![]()
لكن الفلسطينيين والعرب لم ينظروا إلى هذه المشاهد باعتبارها زيارات أثرية عادية، بل اعتبروها رسائل سياسية واضحة تتعلق بالسيادة على القدس وتعزيز الرواية الإسرائيلية حول المكان.
ولهذا غالبًا ما تتسبب هذه الصور في موجات غضب واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي وفي الإعلام العربي، لأنها ترتبط مباشرة بحساسية قضية المسجد الأقصى والقدس.

هل توجد أنفاق أسفل المسجد الأقصى مباشرة؟
تُعد هذه النقطة واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل والخلاف.
إسرائيل تقول إن الحفريات الرئيسية تتركز بمحاذاة الجدار الغربي وفي محيط البلدة القديمة، وليس أسفل المسجد الأقصى بشكل مباشر.
أما الفلسطينيون ومؤسسات دينية إسلامية، فيؤكدون أن توسع شبكة الحفريات والأنفاق بات قريبًا جدًا من أساسات المسجد، وأن استمرار هذه الأعمال قد يشكل خطرًا مستقبليًا على المبنى التاريخي.
وبسبب الحساسية السياسية والدينية الهائلة، تتحول أي صور أو معلومات تتعلق بالأنفاق إلى قضية متفجرة إعلاميًا وسياسيًا.

صراع لا يدور فوق الأرض فقط
في القدس، لا تُعتبر الحجارة القديمة مجرد آثار تاريخية، بل تتحول إلى جزء من صراع معقد على الهوية والذاكرة والسيادة.
ولهذا تبقى قضية الأنفاق والحفريات أسفل المسجد الأقصى من أكثر الملفات حساسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لأنها لا تتعلق فقط بالتنقيب عن الماضي، بل أيضًا بالصراع على مستقبل المدينة نفسها.
فالقدس مدينة تختلط فيها السياسة بالدين بالتاريخ، ولهذا فإن الصراع فيها لا يجري فقط فوق الأرض، بل يمتد أيضًا إلى أعماقها، حيث تتحول الطبقات المدفونة تحت المدينة إلى جزء من معركة أكبر حول من يملك حق رواية قصة القدس للعالم.





