مقالات الخامسة

بين رصاص الاحتلال وجدار الفصل: مأساة العامل الفلسطيني من شريان الاقتصاد إلى ضحية الإعدام الميداني

الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب: رائد ابو عيد

منذ السابع من أكتوبر 2023، لم تكن الحرب على غزة فقط هي المشهد الوحيد للمأساة الفلسطينية، بل كانت هناك حربٌ موازية، صامتة في الإعلام الدولي لكنها صاخبة في آثارها، تشنّ على الطبقة العاملة الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس المحتلتين. لقد تحوّل “العامل الفلسطيني”، الذي كان يُنظر إليه تقليدياً كعمود فقري للاقتصاد الهش، من مورد دخل حيوي للأسر الفلسطينية إلى هدفٍ مباشر لسياسة “إطلاق النار بقصد القتل” التي تمارسها قوات الاحتلال الإسرائيلي على الحواجز وعلى جدار الفصل العنصري.

الأرقام تتحدث: انهيار الشريان الاقتصادي

قبل السابع من أكتوبر، كان نحو 180,000 إلى 200,000 عامل فلسطيني يحملون تصاريح عمل أو يعملون بشكل غير قانوني داخل الخط الأخضر (إسرائيل والمستوطنات). وفقاً لإحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ووزارة العمل، كانت هذه الفئة تشكل ما يقارب 15-20% من القوى العاملة الفلسطينية وتساهم بنسبة هائلة تصل إلى 30-40% من إجمالي الدخل الوطني المتاح في بعض التقديرات الاقتصادية، نظراً لأن أجور العمل داخل إسرائيل تفوق بكثير نظيرتها في السوق المحلي الفلسطيني.كانت تحويلات هؤلاء العمال هي “صمام الأمان” الذي يمنع انهيار الاقتصاد الفلسطيني تماماً، حيث كانت تضخ سيولة نقدية مباشرة في الأسواق المحلية، وتدعم قطاعات البناء، الزراعة، والخدمات. لكن منذ يوم واحد بعد اندلاع الحرب، أغلقت إسرائيل المعابر وسحبت عشرات الآلاف من التصاريح، لتصل نسبة البطالة في الضفة الغربية إلى مستويات قياسية تجاوزت 40% في بعض الأشهر الأولى من الحرب، مع توقعات بانكماش اقتصادي حاد.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

سياسة “الإعدام الميداني”: عندما يصبح البحث عن لقمة الخبز جريمة تستوجب الموتمع انسدال آفاق العمل القانوني، وجد آلاف العمال أنفسهم أمام خيارين مرين: الجوع في المنزل، أو المخاطرة بحياتهم لتسلق جدار الفصل العنصري أو عبور النقاط الساخنة للوصول إلى أماكن عملهم القديمة أو الجديدة التي قد تكون فتحت بشكل محدود ومتقلب.هنا تكمن المأساة الإنسانية والقانونية الأبرز. لم تعد المخاطر تقتصر على الاعتقال أو الغرامات، بل تحولت إلى*سياسة ممنهجة لإطلاق النار الحي*. تشير تقارير حقوقية فلسطينية ودولية (مثل مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية OCHA ومنظمة بتسيلم) إلى ارتفاع مذهل في عدد العمال الفلسطينيين الذين قتلوا على أيدي جنود الاحتلال أثناء محاولتهم العبور أو حتى أثناء وجودهم قرب السياج الفاصل.الرواية الإسرائيلية تزعم غالباً أن إطلاق النار يأتي ردّاً على “محاولات تسلل إرهابية” أو “اختراق للسياج الأمني”، لكن الوقائع على الأرض ترسم صورة مختلفة:1. استهداف متعمد: يتم إطلاق النار على عمال عزلوا أنفسهم عن أي تهديد أمني واضح، وأحياناً وهم يحاولون العودة أدراجهم.2. التصفية الجسدية:حالات عديدة وثّقتها كاميرات المراقبة وشهود العيان تظهر جنوداً يطلقون النار على رؤوس أو صدور عمال عزلوا أنفسهم، مما يشير إلى نية القتل المباشر وليس مجرد “ردع”.3. غياب المساءلة: نادراً ما تُفتح تحقيقات جدية في مقتل هؤلاء العمال، مما يعزز ثقافة الإفلات من العقاب ويشرعن القتل خارج نطاق القانون.كل عامل يُقتل على الجدار ليس مجرد رقم في إحصائية، بل هو أبٌ لعائلة فقدت معيلها الرئيسي، وهو شابٌ كان يحلم بمستقبلٍ قطعته رصاصة غادرة.من الكفاف إلى الفقر المدقع: الآثار الاجتماعية والاقتصادية الكارثية

إن فقدان دخل هؤلاء العمال لم يكن مجرد انخفاض في الدخل الشهري، بل كان زلزالاً دمر البنية الاجتماعية للأسر الفلسطينية:1. السقوط في هاوية الفقر: الأسر التي كانت تعتمد كلياً أو جزئياً على دخل العامل من الداخل، وجدت نفسها بين ليلة وضحاها بدون مصدر دخل. مع غياب شبكات الأمان الاجتماعي الكافية وانهيار القدرة الشرائية، تحولت طبقة واسعة من “الفقراء العاملين” إلى “فقراء مدقعين” يعتمدون على المساعدات الغذائية الطارئة.2. تراكم الديون والعجز عن السداد:اضطر العديد من العمال وعائلاتهم إلى الاقتراض لتغطية النفقات الأساسية (طعام، دواء، إيجار)، مما خلق دورة من الديون المستحيلة السداد، خاصة مع مصادرة أموال المقاصة وتجميد التحويلات المالية في فترات معينة.3. التفكك الاجتماعي والضغوط النفسية: الضغط الاقتصادي الهائل أدى إلى ارتفاع معدلات التوتر الأسري، وتأجيل الزيجات، وانسحاب الأطفال من المدارس للمساهمة في إعالة الأسرة بأعمال هامشية، مما يهدد جيلاً كاملاً بالتجهيل والتهميش.4. انهيار قطاعات مرتبطة: تأثر قطاع النقل (سائقو التكاسي والحافلات الذين ينقلون العمال)، وقطاع المواد الغذائية، والسكن، بشكل مباشر نتيجة توقف ضخ أموال العمال.الخلاصة: جريمة مزدوجةما يحدث للعمال الفلسطينيين منذ السابع من أكتوبر هو جريمة مزدوجة:* جريمة اقتصادية: تجويع متعمد لشعب من خلال (قطع) شرايينه الاقتصادية الرئيسية، واستخدام العمل كأداة ابتزاز سياسي.* جريمة إنسانية وجنائية: قتل متعمد لأعزل المدنيين الذين لا يحملون سلاحاً، ولا يشكلون تهديداً عسكرياً، وإنما يدفعهم اليأس وحاجة أطفالهم للطعام إلى مخاطرة محسوبة تتحول إلى حكم بالإعدام الفوري.إن العالم ينظر إلى الحرب في غزة، لكنه يتغاضى عن الحرب اليومية على حياة العامل الفلسطيني على جدار الفصل. إن كل رصاصة تُطلق على عامل يتسلق الجدار هي اعتراف بأن الاحتلال لا يريد فقط الأرض، بل يريد أيضاً تجريد الإنسان الفلسطيني من كرامته، ومن حقه الأساسي في العمل والعيش بكرامة. إن إعادة الاعتبار لهؤلاء العمال ليست مجرد مطلب اقتصادي، بل هي قضية عدالة وإنسانية تستدعي تدخلاً دولياً عاجلاً لوقف سياسات الإعدام الميداني ولضمان حق الشعب الفلسطيني في الحياة والعمل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى