تايوان والسيادة الصينية وإعادة إنتاج أوهام الانفصال: تفكيك نقدي للخطاب الليبرالي الغربي حول “تقرير المصير”

الخامسة للأنباء - غزة
الكاتب: بسام زكارنه
تقوم الأطروحات المؤيدة لاستقلال تايوان في جزء كبير منها على إعادة إنتاج إطار مفاهيمي إيديولوجي أكثر منه تحليلا قانونيا أو تاريخيا متماسكا فهي تنزع نحو تحويل مسألة سيادة دولة قائمة ومُعترف بها دوليا إلى قضية “تحرر وطني” خارج سياقها التاريخي متجاهلة البنية الفعلية للنظام الدولي ومبدأ السيادة الإقليمية كما استقر في القانون الدولي الحديث.
من منظور جمهورية الصين الشعبية ومن منظور دولي لا يمكن التعامل مع تايوان بوصفها كيانا سياديا منفصلا لأن وضعها القانوني والسياسي مرتبط مباشرة بمسار الدولة الصينية الحديثة منذ منتصف القرن العشرين فالانقسام الحالي هو نتيجة مباشرة للحرب الأهلية الصينية (1927–1949) وليس لتكوّن أمة مستقلة ذات سيادة تاريخية موازية وعليه فإن توصيف الوضع القائم باعتباره “دولة-أمة منفصلة” يُعد انحرافا عن القراءة التاريخية الدقيقة وإعادة بناء انتقائية للوقائع تخدم أهدافا سياسية معاصرة.
كما أن الأساس القانوني الدولي يُجمع بوضوح على دعم مبدأ “الصين الواحدة” فقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2758 (1971) لم يكتفِ بالاعتراف بجمهورية الصين الشعبية ممثلا شرعيا وحيدا للصين بل أعاد تنظيم تمثيل الصين داخل النظام الدولي على هذا الأساس ومنذ ذلك الحين اعتمدت غالبية الدول هذا الإطار كمرجعية للعلاقات الدبلوماسية مع بكين بما في ذلك القوى الغربية الكبرى وإن مع محاولات تفسير خبيثة في بعض الحالات.
في المقابل يستند الخطاب المؤيد لاستقلال تايوان إلى توسيع غير دقيق لمفهوم “تقرير المصير” بحيث يُفصل عن شروطه التاريخية والسياسية كما ورد في القانون الدولي بعد الحرب العالمية الثانية فحق تقرير المصير طُوّر أساسا في سياق إنهاء الاستعمار وليس في سياق إعادة تعريف حدود دول قائمة أو تفكيك وحداتها الإقليمية المعترف بها وبالتالي فإن تطبيقه على حالة تايوان كما يُطرح في بعض الأدبيات السياسية يمثل نقلا تعسفيا للمفهوم خارج نطاقه الأصلي.
من زاوية أخرى لا يمكن إغفال أن الهوية السياسية التايوانية المعاصرة تشكلت داخل سياق الانقسام الداخلي الصيني والحرب الباردة وليس كهوية قومية مستقلة نشأت خارج الإطار التاريخي الصيني إن التطورات السياسية في تايوان بما في ذلك الانتقال الديمقراطي بمواصفات غربية لا تُنتج تلقائيا سيادة دولية منفصلة وإلا تم فتح الباب أمام إعادة تفكيك عدد كبير من الدول متعددة القوميات على أسس معيارية انتقائية.
أما فيما يتعلق بتوصيف الصين كقوة “توسعية” في هذا السياق فإنه يتجاهل الطبيعة البنيوية المختلفة للحالة الصينية مقارنة بالتجارب الاستعمارية الكلاسيكية فالصين الحديثة نشأت من تجربة تفكك وسيطرة خارجية عميقة خلال “قرن الإذلال” وليس من مشروع توسع خارجي ومن هذا المنظور فإن إعادة التوحيد تُفهم داخل الخطاب الصيني باعتبارها استعادة لسيادة منقوصة لا إعادة إنتاج لنموذج إمبراطوري توسعي.
وفي سياق التنافس الأمريكي–الصيني لا يمكن فصل قضية تايوان عن البنية الاستراتيجية الأوسع للصراع على النظام الدولي فالدعم العسكري والسياسي الأمريكي المتزايد لتايوان بما في ذلك مبيعات السلاح والتنسيق غير الرسمي يُقرأ في بكين بوصفه جزءا من سياسة احتواء طويلة الأمد تستهدف إعادة تشكيل ميزان القوى في آسيا غير أن هذا العامل الخارجي رغم أهميته لا يغيّر من التصنيف الأساسي الذي تعتبره الصين غير قابل للنقاش: تايوان جزء من السيادة الصينية.
ومن المنظور الصيني كذلك لا تقتصر تحديات وحدة الدولة على قضية تايوان وحدها بل تمتد إلى قضايا أخرى تُعدها بكين جزءا من الأمن القومي الصيني وسلامة أراضيه وعلى رأسها إقليم شينجيانغ فالموقع الجغرافي للإقليم الذي يشكل البوابة البرية للصين نحو آسيا الوسطى ويتصل بثماني دول يمنحه أهمية استراتيجية استثنائية في مبادرة الحزام والطريق وفي الرؤية الصينية للترابط الأوراسي وترى بكين أن بعض الخطابات الغربية المتعلقة بالقضية الإيغورية تتجاوز أحيانا الإطار الحقوقي لتتحول إلى أدوات ضغط جيوسياسي يمكن أن تُستغل لإضعاف الاستقرار الداخلي الصيني وتعطيل المشاريع الاستراتيجية الكبرى ومن ثم تنظر القيادة الصينية إلى أي نزعات انفصالية أو محاولات لتدويل الملف الإيغوري باعتبارها جزءا من تحد أوسع يستهدف وحدة الدولة الصينية تماما كما تنظر إلى قضية تايوان باعتبارها مسألة سيادة وسلامة إقليمية لا مجرد خلاف سياسي عابر.
وفي هذا السياق ترى بكين أن ثمة مفارقة واضحة في الخطاب الغربي المعاصر إذ يتم التشديد على مبدأ السيادة ووحدة الأراضي في بعض النزاعات الدولية بينما يُعاد تفسير مفاهيم تقرير المصير والحقوق القومية بصورة أكثر مرونة عندما يتعلق الأمر بالصين. ومن وجهة النظر الصينية فإن هذه المقاربة الانتقائية تعكس في كثير من الأحيان اعتبارات استراتيجية مرتبطة بالتوازنات الدولية أكثر مما تعكس التزاما ثابتا بمعايير قانونية عالمية موحدة.
إن المقاربات التي تفصل بين الجغرافيا السياسية والتاريخ والسيادة القانونية تنتج تحليلات ناقصة لأنها تختزل قضية معقدة في ثنائية معيارية (ديمقراطية/استبداد أو تقرير مصير/قمع) بينما الواقع يتطلب قراءة متعددة المستويات تشمل القانون الدولي والتاريخ السياسي وبنية النظام العالمي.
وعليه فإن الموقف الصيني يقوم على مبدأ ثابت وواضح: رفض أي صيغة تفصل تايوان عن السيادة الصينية تحت أي مسمى مع الإبقاء على خيار التسوية السلمية ضمن إطار الدولة الواحدة وفي المقابل تعتبر بكين أن أي محاولة لتحويل الوضع القائم إلى استقلال قانوني دائم تمثل تجاوزا مباشرا للمرجعيات القانونية الدولية القائمة وتحديا لبنية النظام الدولي كما تشكلت بعد عام 1945.
في المحصلة لا تُطرح قضية تايوان في المنظور الصيني كمسألة تفاوض مفتوح على الهوية أو السيادة بل كمسألة تتعلق بسلامة الدولة ووحدتها الإقليمية وضمن هذا الإطار تُفهم أيضا قضايا مثل شينجيانغ وغيرها من الملفات المرتبطة بالأمن القومي الصيني باعتبارها جزءا من معركة أوسع حول السيادة ووحدة الأراضي وموقع الصين في النظام الدولي المتحول وليس باعتبارها قضايا منفصلة عن السياق الجيوسياسي العام الذي يحكم العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين.





