تقرير| 45 عاماً من التوتر.. القصة الكاملة للصراع الأمريكي الإيراني

الخامسة للأنباء - غزة
تُعد الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران واحدة من أكثر الملفات تعقيداً واستمراراً في السياسة الدولية الحديثة، إذ تمتد جذورها إلى أكثر من سبعة عقود، وتحولت خلالها العلاقة من شراكة استراتيجية وثيقة إلى مواجهة سياسية واقتصادية وأمنية متصاعدة. قبل عام 1979 كانت إيران تُعتبر أحد أبرز حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، خاصة خلال فترة حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حيث قدمت واشنطن دعماً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً واسعاً لطهران في إطار الحرب الباردة ومواجهة النفوذ السوفييتي، إلا أن هذا التحالف كان يواجه في الداخل الإيراني حالة من الغضب الشعبي المتزايد نتيجة الأوضاع السياسية والاقتصادية والقيود على الحريات. وجاءت الثورة الإيرانية عام 1979 لتشكل نقطة تحول كبرى، حيث أطاحت بنظام الشاه وأعلنت قيام الجمهورية الإسلامية بقيادة آية الله الخميني، لتبدأ مرحلة جديدة من العداء السياسي بين البلدين، تعمقت سريعاً مع أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران، عندما قام طلاب إيرانيون باحتجاز 52 دبلوماسياً أمريكياً لمدة 444 يوماً، وهو ما أدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بشكل كامل عام 1980 وبدء مرحلة طويلة من التوتر المستمر.
وخلال الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988، اتخذت الولايات المتحدة موقفاً معقداً تمثل في دعم غير مباشر للعراق بهدف احتواء إيران ومنع توسع نفوذها الإقليمي، كما شهدت تلك المرحلة ما عرف بـ”حرب الناقلات” في الخليج العربي، حيث تعرضت سفن النفط لهجمات متكررة، ما دفع واشنطن إلى تعزيز وجودها العسكري في المنطقة لحماية الملاحة الدولية. ومع نهاية الحرب، بدأت الولايات المتحدة في تبني سياسة العقوبات الاقتصادية التدريجية ضد إيران، والتي شملت قطاع النفط والغاز والمصارف والاستثمارات، ثم توسعت هذه العقوبات بشكل كبير مع مرور السنوات لتصبح أداة رئيسية في الضغط السياسي على طهران.
وفي بداية الألفية الجديدة، تصاعد الخلاف بشكل أكبر مع بروز الملف النووي الإيراني كأحد أهم نقاط التوتر بين الطرفين، حيث تتهم واشنطن إيران بالسعي لتطوير قدرات نووية عسكرية، بينما تؤكد طهران أن برنامجها النووي يهدف إلى الاستخدامات السلمية فقط مثل توليد الطاقة والأبحاث العلمية. وفي عام 2015 تم التوصل إلى الاتفاق النووي بين إيران والقوى الكبرى، المعروف باسم (JCPOA)، والذي نص على تخفيف العقوبات مقابل فرض قيود على البرنامج النووي الإيراني، إلا أن الاتفاق انهار لاحقاً بعد انسحاب الولايات المتحدة منه عام 2018، ما أعاد فرض العقوبات بشكل واسع وأدى إلى تصاعد التوتر بين الجانبين.
ولم يقتصر الخلاف على الملف النووي فقط، بل امتد إلى صراعات إقليمية في عدة دول مثل العراق وسوريا واليمن والخليج العربي، حيث تتهم الولايات المتحدة إيران بدعم جماعات مسلحة وتعزيز نفوذها الإقليمي، بينما تؤكد إيران أن تحركاتها تأتي في إطار الدفاع عن مصالحها وأمنها القومي. وقد بلغ التوتر ذروته في عام 2020 بعد اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني في غارة أمريكية داخل العراق، وهو ما أدى إلى رد إيراني مباشر عبر استهداف قواعد عسكرية أمريكية في المنطقة، ما رفع مستوى التصعيد إلى مرحلة غير مسبوقة.
حتى اليوم، لا تزال العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران قائمة على مزيج من العقوبات الاقتصادية والتهديدات السياسية والمواجهات غير المباشرة، مع محاولات دبلوماسية متقطعة لم تنجح حتى الآن في الوصول إلى اتفاق شامل يعيد الاستقرار للعلاقة بين البلدين. ويشير مراقبون إلى أن هذه الأزمة تمثل أحد أكثر الملفات حساسية في النظام الدولي، نظراً لتداخلها مع أمن الطاقة العالمي والاستقرار في الشرق الأوسط، مما يجعل مستقبلها مفتوحاً على احتمالات متعددة بين التهدئة أو مزيد من التصعيد.





