علماء يخترعون مادة تحاكي العظام البشرية بالذكاء الاصطناعي

الخامسة للأنباء - غزة
فتح تصميم مواد جديدة، عُدلت بنيتها الجوهرية لتكتسب خصائص غير مألوفة بالاعتماد على تقنية الذكاء الاصطناعي، آفاقاً لتطوير بدائل أكثر صلابة لتعويض مفصل الورك، إلى جانب تحسين عمليات التئام الكسور العظمية.
وفي تحقيق نشرته الـ”بي بي سي”، سُلِّط الضوء على جهود بذلها لسنوات أستاذ جراحة العظام في المركز الطبي التابع لجامعة لايدن في هولندا “أمير زادبور”، حيث بحث عن مادة ذات خصائص استثنائية، يزداد سُمكها عند تعرُّضها للامتداد، مع احتفاظها بصلابة تعادل صلابة العظام.
عُدَّ الأمر حينها مطلباً بالغ الصعوبة؛ فمن المتعارف عليه أنه في حالة تمديد شريط مطاطي من طرفيه، نلاحظ أنه كلما ازدادت استطالة الشريط أصبح أكثر رقة، بيد أن زادبور وفريقه كانوا بحاجة إلى مادة تؤدي عكس ذلك تماماً، وهو ما اعتبر تحدياً لقوانين الفيزياء ذاتها.
مليون خطوة سنويا
وتمثلت المشكلة التي واجهتهم في إجراء عمليات مفاصل الورك الصناعية، والتي تُعد من أكثر العمليات الجراحية العظمية شيوعاً على مستوى العالم، كما تكمن المشكلة في أن الأشخاص الذين لديهم مفاصل صناعية يخطون نحو مليوني خطوة سنوياً.
وهو ما من شأنه أن يُعرّض هذه العمليات لقوى تؤدي تدريجياً إلى التآكل، وبعد مرور عقد أو أكثر من الاستخدام، تصبح هذه المفاصل الصناعية غالباً بحاجة إلى استبدال.
سعى راود زادبور وفريقه لمعالجة المشكلة من خلال استخدام مادتين مختلفتين تعملان بصورة عكسية عند التعرّض لعملية تمديد، وذلك على جانبي قاعدة زراعة العظام، إحداهما يزداد سُمكها عند الضغط، والأخرى يزداد سُمكها عند الشد.
ومن شأن ذلك أن يسهم في امتصاص الضغط الواقع على عظمة الفخذ عندما يكون المفصل تحت درجة من الإجهاد، وأن يضمن بقاء الزراعة العظمية مثبتة بإحكام بمحاذاة العظام نفسها.
ورغم تأكيد زادبور أن من شأن ذلك تعزيز الترابط بين العظام “الأصلية” والزراعة العظمية، بيد أن عقبة أخرى ظلت قائمة؛ إذ تميل المواد القليلة المعروفة التي يزداد سُمكها عند تعرّضها للشد، والتي تُعرف بالمواد الأوكسيتية، إلى طبيعة الليونة والمرونة.
ويقول زادبور: “كنا نحاول العثور على ذلك المزيج للجمع بين الخاصية الأوكسيتية ودرجة عالية من الصلابة بما يسمح بتحمل الأحمال”، ويضيف: “تحوّل ذلك إلى سعي بالغ الصعوبة”.
لدى الذكاء الاصطناعي الحل
وهو ما دفع الفريق للجوء إلى تقنية الذكاء الاصطناعي بغية المساعدة، ومن خلال استخدام نظام ذكاء مدرب على التنبؤ بكيفية تفاعل المواد المختلفة، تمكن العلماء من إدخال الخصائص المحددة التي كانوا يسعون إليها، وأنتج النظام تصميماً يُعرف باسم “المادة الفائقة”.
ويقول زادبور: “باستخدام التعلّم الآلي، يمكن جعل العملية أسرع بعدة مراحل من حيث الحجم، ما يتيح استكشاف آلاف إلى ملايين التركيبات الإضافية للعثور على ما تحتاج إليه”، ويمكن تصميم “المواد الفائقة” بحيث تمتلك مجموعة واسعة من الخصائص، اعتماداً على بنيتها الداخلية.
وعلى سبيل المثال، يمكن أن تعمل كمادة صلبة أو كسائل تبعاً لتردد معيّن من الصوت تتعرض له، بيد أن تحديد البنية الداخلية، التي قد تحدد الخصائص المطلوبة، يمثل تحدياً عند الاعتماد على الأساليب أو المحاكاة القائمة على الفيزياء.
ويقول سد كومار، الأستاذ المشارك في علم المواد بجامعة دلفت التقنية في هولندا، إن تطوير وتدريب نموذج ذكاء اصطناعي لتوليد تصاميم جديدة للمواد قد يستغرق نحو عام كامل، لكن بمجرد الانتهاء من ذلك، يصبح بإمكان النظام إنتاج تصاميم قابلة للتطبيق خلال دقائق أو حتى ثوانٍ.
واستخدم كومار وفريقه، في أحد مشاريعهم، الذكاء الاصطناعي للتوصل إلى “مادة فائقة” يمكن استخدامها في إنتاج مواد عظمية لينة لإصلاح الكسور المعقدة، وهي من الحالات الشائعة لدى كبار السن، وتُستخدم حالياً صفائح وقضبان مصنوعة من التيتانيوم أو الفولاذ في كثير من الأحيان.
مواد سائلة كخصائص البوليمرات
وخلص الباحثون إلى أن الحصول على مادة أكثر ليونة، مع احتفاظها بالقدرة على توفير البنية، قد تكون أكثر قدرة على محاكاة النسيج اللين الذي يتشكل طبيعياً في المراحل المبكرة من التئام الكسور، كما كانوا يطمحون إلى تطوير مادة تمتلك خصائص سائلة كما هي في البوليمرات أو الهيدروجيلات.
وهذه المادة اللينة، التي يمكن تصميمها على هيئة ضمادة دائرية رقيقة تحتوي على ثقوب، تُوضع على مكان الكسر بحيث تتمكن الخلايا الحية من التفاعل معها، مما يسمح باندماجها مع العظام.
وتقول شياو-هوا تشين، الأستاذة المساعدة في هندسة المواد الحيوية بالمعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ وعضوة فريق البحث: “إن المرحلة المبكرة من التئام الكسور تُعد حاسمة بالنسبة إلى تحقيق النجاح”.
وتتميز زراعات العظام المعدنية، المستخدمة في إصلاح الكسور، بأنها أكثر صلابة من العظام، وهو ما قد يمثل مشكلة لأنها تمتص القوى الخارجية، وبناءً على ذلك لا تتعرض العظام التي تتكون حولها للإجهاد أثناء ممارسة التمارين، مما قد يؤدي إلى موتها.
مناطق العظام ذات الصفة المسامية
لذا سعى كومار وفريقه أيضاً إلى تطوير مادة فائقة لها نفس الشكل والخصائص الموجودة عند النهايات المفصلية للعظام الطويلة، ففي تلك المناطق، تتخذ العظام الداخلية بنية مسامية شبيهة بقرص العسل، تُعرف باسم “العظم التربيقي”، وهي بنية توفر القدرة على امتصاص الصدمات.
ومن خلال تزويد خوارزمية نموذج تعلّم آلي بقائمة من الخصائص التي كانوا يسعون إليها، مثل درجة الصلابة المحددة لعظام الفخذ، تمكن كومار وفريقه من توليد تصاميم “سبينودويد” تطابق العظام البشرية بصورة وثيقة.
ويقول محمد ميرزا علي، الأستاذ المشارك في هندسة الطب الحيوي بجامعة دلفت التقنية: “هذا أمر مهم، لأنك قد ترغب في أن تكون إحدى مناطق زراعة العظام أكثر صلابة، ومنطقة أخرى أكثر مسامية، ومنطقة ثالثة تحفز نمو الأنسجة داخلها”.
مادة تتمدد في جميع الاتجاهات
كما تمكن كومار وفريقه من إثبات إمكانية إنتاج هذا التصميم باستخدام تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد. وتتمثل خطوتهم التالية في إجراء اختبارات لمعرفة مدى كفاءته عند زراعة العظام داخل جسم الإنسان.
ويقول كومار: “ربما نصبح قادرين، بعد بضع سنوات، على إجراء زراعة عظام (صناعية) تحاكي العظام الطبيعية”، كما واصل زادبور وزملاؤه التقدم في سعيهم للعثور على مادة فائقة غير معتادة لعملية زراعة مفصل الورك.
وكشف كومار وفريقه مؤخراً عن مادة فائقة صُممت باستخدام الذكاء الاصطناعي، قادرة على التمدد في جميع الاتجاهات في آن واحد، ويقول ميرزا علي: “أعتقد أن زراعات العظام القابلة للانتشار مثيرة جداً”





