تمارا الرفاعي: الطمأنينة سبب للاحتفال

فى السنتين الأخيرتين بدأ كثير من أصدقائى بالاحتفال بعيد الأب، وهو على عكس عيد الأم، لم يكن مدرجا ضمن الاحتفالات فى المنطقة العربية على حد علمى وذاكرتى. هكذا إذا صرت أرى صور أصدقائى من الشباب مع أطفالهم وعبارات التهنئة غالبا من زوجاتهم، كما بدأت تظهر أيضا صور أصدقائى فى سنواتهم الأولى برفقة والدهم. لاحظت هذه الظاهرة فى دوائر الأصدقاء ممن يعيشون فى الولايات المتحدة، حيث تأخذ دوما الاحتفالات مساحة أكبر وأكثر صخبا، ثم انتشرت أيضا خارجا.
• • •
وكما الحال يوم عيد الأم، فكل صورة تظهر من يصفهم الأولاد أو الزوجات على أنهم أحسن آباء فى العالم. وكما أتساءل فى عيد الأم إن كانت كل الأمهات أحسنهن، والآباء أفضلهم، فمن هم أسوأهم؟ أتساءل عن المعايير المستخدمة للحكم على أداء الأهل: أهو مقدار الحب الذى يظهره الأهل سواء بالكلام أو الارتباط الجسدى؟ أم هو محاولتهم إعطاء الأولاد ما يظنون أن أولادهم يحتاجونه؟ أم هو الوقت الذى يمضيه الأهل مع أولادهم وهم يشاركونهم نشاطات يختارها الأولاد؟ أم إشراك الأولاد بما يحبه الكبار اعتقادا منهم أنه مفيد أو مسلٍ للصغار؟
• • •
أظن أن اختلافات كبيرة دخلت على عالم التربية عموما، وصار للأطفال مساحات أكبر يتحركون فيها وبات بعض الأهل أكثر انتباها لرغبات الأطفال وحاجتهم لنوع من التواصل يجيب عن تساؤلاتهم ويشجع فضولهم وتعبيرهم عما يفكرون به. وأظن أن كثيرا من القواعد القديمة التى حكمت علاقات الكبار بالصغار قد ارتخت وحلت مكانها طرق جديدة فى العلاقة والنقاش، على الأقل فى العائلات أو الدوائر المنفتحة على هذا النوع من التغيير. إلا أن تطور طرق التربية لا ترد على تساؤلى حول تصور الأولاد لأمهاتهم وآبائهم ووصفهم لهم على أنهم الأفضل.
• • •
فى الشهور التى مرضت فيها، تحولت علاقتى بزوجى من علاقة متوازنة بين شريكين متساويين إلى ما شعرت أنه يشبه علاقة الصغير بالكبير. حين كان يقبض الخوف بيديه على رقبتى ويمنعنى من التنفس كنت أبحث عن يد زوجى لأمسكها تماما كما تفعل طفلتى عندما تخاف فتلتصق بى. حين كان يدفعنى القلق إلى الاستيقاظ لساعات طويلة فى الليل، كنت أتكور قربه وأستمع إلى تنفسه لأربط تنفسى به علنى أهدأ.
• • •
ربما هكذا هم الأطفال، يبحثون عن الأمان ويستكينون فى حضن أهلهم كما كنت أستكين أنا على كتف زوجى. ربما يستمر الطفل فى داخل كل منا بالبحث عن مكان يهرب إليه من الخوف فيدخل فى حضن ويطلب أن تشيد اليدان بوابات تبقى الخوف خارج المكان الصغير حيث نجد الأمان. أذكر أن مع ولادة طفلى الأكبر تملكنى رعب من أن أكون مسئولة عن حياة أو موت كائن يرتبط بى. كنت أخاف أن يتسبب إهمال ما منى بضرر يمس ذلك الكائن الذى أخرجته إلى الحياة وأصبح بقاؤه هنا مرتبطا بى. أرعبتنى فكرة ارتباط حياة أحدهم بى ومسئوليتى عن سلامته.
• • •
كنت أنظر إلى طفلى وهو يبحث عنى أو أراقبه حين ينام بين يدى وأتعجب كل مرة أراه فيها قد ارتخى ونام بعد تشنج إذ لا سبب منطقيا يغير من مزاج طفل عمره أيام أو شهور سوى أنه ودون أى وعى يشعر بالأمان فى حضن أمه. تماما كما كنت ألتصق بزوجى فى أوقات الهلع والقلق التى مررت بها.
• • •
اكتشفت فى الشهور الأخيرة طفلة عمرها أيام أو أسابيع تعيش فى داخلى لم أكن أعلم بوجودها فهى ظهرت حين تعرضت السيدة لمحنة. تملك الخوف الطفلة وفقدت السيدة أدوات لطالما استخدمتها فى مواجهة المصاعب إلا أنها لم تسعفها فى مواجهة محنتها. فهمت فيما بعد شعور الصغار حين يبحثون عن والدهم أو والدتهم ليحموهم من الخطر.

• • •
كنت أنظر إلى زوجى وإلى أمى وأبى علنى أجد فى نظرتهم تأكيدا أننى بخير. كنت أسترق السمع بحثا عن كلمات كنت أخاف أنهم يخفونها عنى. كنت أجلس بينهم فى محاولة لاستحضار يوم عادى لا تشوبه غمامة شعرت بثقلها فوق رأسى ورأسهم. فهمت أن فى لحظات الضعف والشك يخرج طفل من مكان بعيد ودفين ويصرخ دون القيود التى ضبطته على مدى سنوات. فى تلك اللحظات يكون العالم مكانا موحشا ويكون الحضن هو الملاذ والحماية.
• • •
أن يكون لأحدنا شبكة أمان هو مدعاة للاحتفال. أن يجد الطفل فى داخلى من يهدئ من روعه هو بركة كبيرة فعلا. أن يتم تذكر الأم والأب وأعضاء شبكة الأمان أمر شديد الدفء. ربما فعلا يرى كل طفل أمه على أنها الأجمل وأباه الأفضل. كل عام والآباء بخير، كل عام والطفل داخل كل منا يعرف طريقا للطمأنينة ويجدها فى حضن يحميه من العالم. الطمأنينة سبب للاحتفال.

الرابط مختصر: