جلال نشوان: حسابات السياسة وأوهام القوة

تغيرت الأحوال وتبدلت الأمور ، ولم تعد القوة العسكرية هي القوة الوحيدة التي تستخدم في إدارة الصراع ، فالولايات المتحدة الأمريكية ، حققت نجاحات مذهلة في استخدام القوة الناعمة وهنا تداهمنا الكثير من الأسئلة :

ماهي القوة الناعمة ؟
وهل كل دولة تستطيع استخدامها ؟
في الحقيقة :
لايختلف إثنان على إن أي دولة تستخدم القوة فى تحقيق ما تريد ، لكن لايعني امتلاكها القوة أنها قادرة على تحقيق ما تريد ، فقد تمتلك أشكال متنوعة من القوة ، الا أنها لا تستطيع استثمار ذلك في تحقيق أهدافها ،فهناك القوة العسكرية ، والقوة الناعمة ، وقوة الذكاء وكل قوة لها طريقة معينة ، لكن القوة الناعمة أثبتت نجاعتها في إدارة الصراع ، وأنها القوة المؤثرة والأكثر جاذبية ، فبعد حرب فيتنام وخروج العلم الإمريكي ملطخاً بالدماء ، وخسارة أمريكا دولياً ومحلياً ، جعلها تلجأ إلى استخدام قوة الجزرة ( استخدام المال ) الأمريكي في معظم بؤر التوتر في العالم وهنا نتساءل :

اذا كانت قوة الجزرة وهو التأثير بالمال ، فماذا عن القوة الناعمة ؟
القوة الناعمة هي القدرة على التأثير على الٱخرين ، وجذبهم وإقناعهم من أجل تحقيق أهداف سياسية معينة

إن عالم اليوم ، عالم الانترنت والتقدم التكنولوجي وسرعة الاتصال على منصات التواصل ، جعلت القوة الناعمة هى القوة الأكثر جاذبية ، لنجاحها في الوصول في مهمتها والتأثير في الٱخرين

إن التواصل الاجتماعي بين الدول، عن طريق المذياع والتلفاز، والإنترنت وتطور وسائل التواصل الاجتماعي، جعلت الدول تستثمر تلك القوة فى نشر ثقافاتها وأفكارها بسرعة لايتخيلها الإنسان ، حيث أحدث عنده تحولاً ، فكريا وإنسانيا وثقافياً واجتماعياً…

وغني عن التعريف ، لقد حقق الولايات المتحدة الأمريكية نجاحات كبيرة بفضل استخدام القوة خلال السنوات الماضية ، حيث نشرت الثقافة الأمريكية في كل دول العالم ، وخاصة الشباب الذين سلكوا طرقاً غير شرعية للوصول إلى الولايات المتحدة الأمريكية والعيش فيها ، حتى غدت بلد الأحلام …

إذ كيف تفسر بناء أمريكا جداراً اسمنتياً ضخماً ، كلف الخزينة الأمريكية ملايين الدولارات ، ورغم ذلك نجد الشبان من كل دول العالم يتسللون فى جنح الظلام للعيش فى ذلك البلد وفي أعمال لا يقبل الأمريكيون العمل فيها ، وكيف نفسر إقبال الشباب من كل دول العالم ارتداء الكابوي الأمريكي ؟!!!!

لقد شكل انتصار الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب الباردة تأثيرا كبيرا ، لينتشر ما يعرف “بالأمركة” لتؤثر الثقافة الأمريكية اقتصادياً وسياسياً وثقافياً، على العديد من الدول والشعوب العالم. إلاَّ أنَّ القوة الناعمة الأمريكية ضعفت بعد تولّي ترامب رئاسة الولايات المتحدة. لتصبح القوة الناعمة الأمريكية اليوم ضعيفة إذا ما قورِنَت بالسابق، فمنذُ تولّي ترامب لرئاسة الولايات المتحدة، ظهرت تشققات في القوة الناعمة الأمريكية ليستخدم ترامب بديلاً لها القوة الصلبة التي تُمَثلُ (العصى)

وهذا يدفعنا أن نتساءل لماذا هربت الولايات المتحدة الأمريكية من أفغانستان ؟

لماذا فشلت القوة الناعمة فى إحداث تأثير كبير في الشعب الأفغاني ؟
أن القضية أعمق من ذلك بكثير ، لأن امريكا اتفقت مع طالبان في الدوحة على الانسحاب الأمريكي ، ورغم ذلك فقد اتضح إنه هروبا إمريكيا مزريا ، أساء الى هيبتها وتسيدها في العالم

لاشك أن القوة الناعمة أحدثت عميق التأثير في العالم كله ، ونشر ثقافة الأمريكيين وخاصة الليبرالية ، لكن الأهم إن عصر العولمة والانترنت وسرعة الاتصال ، جعل شعوب العالم السير في رحلة البحث عن الذات ، وقدسية الهوية ، فلم تعد الشعوب تقبل الاحتواء وطاعة الأوامر ، والاحتواء ، لإن الولايات المتحدة الأمريكية تتخلى عن أصدقائها ، ولم تعد الشعوب تؤمن بالنهج السياسي الأمريكي ، لأن سياستها قائمة على مصالحها فقط وإن أوهام القوة ( العسكرية والناعمة والذكية ) ، تبددت وذهبت أدراج الرياح

الرابط مختصر: