
الخامسة للأنباء - غزة
أثناء تجولي بين أزقة مخيمات مواصي خانيونس، دخل موعد صلاة المغرب، فكان أحد المساجد الناجية من الهولوكوست قريبًا مني، فذهبت للصلاة. وعند دخولي إلى المسجد، استيقظ في ذاكرتي ما دُثر فيها إثر صراعنا اليومي مع الحياة، ولأول مرة منذ السابع من أكتوبر، ذهب عقلي إلى المقارنة بين حالنا اليوم وحالنا بالأمس.
رأيت أشياء كدت أنسى أسماءها؛ فالسجاد ذو اللون البرغندي المُطعَّم باللون البيج، والذي تسبقه طبقة من الإسفنج الطبي، وأعمدة الرخام المستديرة، وساعة الحائط الرقمية التي تعرض مواقيت الصلاة، والثريا المعلقة، والمنبر والمحراب المصنوعان من أفخم وأجود الأخشاب، وجهاز الصوت المضبوط بأفضل درجة، وصوت الإمام العذب؛ جميعها أعادتني في الزمن ثلاث سنوات على الأقل. فلم أسمع خرفشات المايكروفونات المعهودة في مصليات المخيمات، ولم أمسح جبيني من التراب بعد كل سجود، ولم أتعثر أثناء سيري نحو الصف الأول بسبب الأرض الترابية، لدرجة أنه أُعيد إلى ذهني شوارع وأحياء مدينتي العزيزة، بأحيائها الجميلة وشوارعها المعبدة.
لكن سرعان ما تبدد هذا الوهم بصورة التقطها قمر صناعي، شاهدتها قبيل ساعات على هاتف صديقي، تُظهر هول القيامة. وبمجرد خروجي من بوابة المسجد، اخترقت بصري صاعقة الواقع؛ فالخيام، والغبار اللذان يملئان المكان، والعربات التي تجرها الحيوانات، والشوارع الترابية. مشاهد اختزلت جميع ما كنا نعتبره حقًا، وإن كنا نعجز عن الوصول إليه؛ من فرصة عمل، أو سفر، أو رفع للحصار، وغيرها من المطالب، في سعينا لأن يصبح العثور على مكان للسكن حقًا بحد ذاته.
وبين مشهدين لا يفصل بينهما سوى بوابة مسجد، راودني سؤال لم أستطع أن أجد له إجابة:
في حال انتهت الحرب، كم نحتاج من الوقت لنعود إلى ما كنا عليه؟





