أقمار الصحافةالرئيسية

علاء الدين النمر.. صحفي صنع صوته من زاوية غرفة وانتهت رحلته تحت أنقاض منزله

الخامسة للأنباء - غزة

علاء الدين النمر.. أقمار الصحافة.. إعداد آمنة غنام

في زاوية صغيرة من غرفته، لم يتجاوز عرضها ثمانين سنتيمترًا، صنع الصحفي علاء الدين عاطف النمر عالمه الخاص.
بوسائل بسيطة وإمكانات متواضعة، بنى استوديوًّا منزليًا سجّل منه المواد الصوتية والإعلانات والبودكاست، مؤمنًا بأن الصوت الصادق قادر على أن يصل أبعد من الحدود.
لكن ذلك الصوت الذي طالما حمل الحكايات، أسكته صاروخ إسرائيلي في نوفمبر 2023، ليضاف اسمه إلى سجل الصحفيين الذين دفعتهم مهنتهم وأحلامهم ثمنًا للحرب.

بداية الشغف

ولد علاء الدين النمر في الرابع من يوليو 1998 في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، وفي الحي ذاته عاش طفولته وتلقى تعليمه. قبل أن يحصل على درجة البكالوريوس في الإعلام وتكنولوجيا الاتصال من الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية.
اختار طريق الصحافة مبكرًا، وعمل صحفيًا حرًا، لكنه وجد شغفه الأكبر في التعليق الصوتي وإعداد البودكاست. حتى أصبح من الأسماء المعروفة بين زملائه في هذا المجال.

تقول شقيقته آلاء النمر، في حديثها لـ“الخامسة”، إن علاء “كان طموحًا ومثابرًا وصاحب موقف. ونجمًا لم يلبث أن أفل تحت صواريخ الاحتلال”.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

وتضيف أن الحرب جاءت بينما كان على أعتاب تحقيق أحد أكبر أحلامه المهنية. إذ كان يستعد لتوقيع عقد للعمل محاضرًا في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية. بعد نحو ثلاث سنوات قضاها مدربًا في مجالي الصوت والإلقاء، ينقل خبرته إلى الطلبة ويصقل مواهبهم.

امتلك علاء موهبة استثنائية في الأداء الصوتي، فسجل عشرات الإعلانات والمواد الإعلامية بعدة لهجات، ونجح في بناء أسلوب خاص به في التعليق والتقديم الصوتي.
ولم يكتف بذلك، بل ألّف كتابًا جمع فيه ملاحظاته وخبراته في تدريب المذيعين ومهارات الإلقاء. واعتبره إنجازه الأهم، إلا أن الحرب حالت دون نشره، ليبقى مخطوطًا ينتظر صاحبه الذي لن يعود.

لم يسمح علاء للإمكانات المحدودة أن تقف في طريق حلمه.. تروي شقيقته أن علاء سخّر كل ما استطاع توفيره ليؤسس استوديوًّا صغيرًا داخل غرفته. لم يتجاوز عرضه ثمانين سنتيمترًا، لكنه كان بالنسبة إليه مساحة واسعة للإبداع والعمل.
ومن هناك خرجت تسجيلاته الصوتية التي حملت بصمته المميزة. وأثبتت أن الموهبة لا تقاس بحجم المكان، بل بالإصرار على النجاح.

رسالة وطنية

ولم تكن رسالة علاء إعلامية فحسب، بل وطنية أيضًا، حيث تكشف شقيقته أنه كان ينشط عبر منصات التواصل الاجتماعي باسم مستعار هو “عمر المقدسي”. حيث كان يخاطب الشباب خارج فلسطين، ويعرّفهم بالقضية الفلسطينية وعدالتها، ويوثق معاناة الفلسطينيين وتضحياتهم، مؤمنًا بأن الكلمة قادرة على صناعة الوعي.
وبعد استشهاده، واصل عدد من أصدقائه السير على النهج ذاته، وفاءً لفكره ورسالته.

تفاصيل الأيام الأخيرة

قبل استشهاده بأيام، رأى شقيقه الأصغر في منامه أن علاء استشهد تحت منزل العائلة. ولم يتمكن أحد من الوصول إليه.
وحين أخبره بالرؤيا، ابتسم علاء محاولًا تبديد مخاوفه. وقال إنها ليست سوى أضغاث أحلام سببها الخوف عليه.
لم تمضِ أيام حتى تحولت الرؤيا إلى حقيقة مؤلمة.

فمع توغل قوات الاحتلال في حي الشيخ رضوان، اضطرت العائلة إلى النزوح نحو إحدى العيادات الحكومية. ليغادرهم دون أن يعرفوا وجهته، خرج علاء وانقطع الاتصال به تمامًا.

بدأت رحلة بحث طويلة ومرهقة، بحثت عنه عائلته في المستشفيات و بين الجثامين والمفقودين، لكن دون أي أثر.

وفي اليوم الرابع من الهدنة المؤقتة التي أُعلنت في نوفمبر 2023، وصلهم خبر غيّر كل شيء.. علاء شوهد قرب منزل العائلة. توجه أشقاؤه إلى المكان، ليكتشفوا تفاصيل استشهاده.
ففي 16 نوفمبر 2023 قد أصيب بصاروخ أطلقته طائرة استطلاع قرب مسجد الرضوان. ورغم إصابته حاول الزحف باتجاه منزله، إلا أن الاحتلال استهدفه بصاروخ ثانٍ بشكل مباشر، فاستشهد على الفور بجوار المنزل الذي عاد إليه. وبعد اثني عشر يومًا من استشهاده، تمكنت العائلة من انتشال جثمانه.
تستعيد آلاء تلك اللحظة بصوت يختلط فيه الألم بالإيمان، قائلة إن جسد شقيقها، رغم تفحمه بفعل الاستهداف المباشر، كان لا يزال دافئًا. وكانت سبابته مرفوعة، “وكأنه استشهد لتوه”.
رحل علاء الدين النمر في الخامسة والعشرين من عمره، لكنه ترك وراءه أكثر من سيرة صحفي.
ترك صوتًا لم تتمكن الحرب من محوه، وطلابًا تعلموا منه، وكتابًا لم يكتمل نشره، ورسالة آمن بها حتى اللحظة الأخيرة.

لقد أراد أن يكون معلمًا وصاحب أثر، فصار بعد استشهاده شاهدًا على جيل كامل من الصحفيين الفلسطينيين الذين لم يحملوا السلاح، بل حملوا الكلمة، ودفعوا حياتهم ثمنًا لإيمانهم بالحقيقة.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى