رجب أبو سرية: الشعوب تنتصر للقدس

إن تصدي المرابطين، كذلك شبان وفتيات ورجال ونساء القدس القديمة، لجيش وشرطة الاحتلال، مع قطعان المستوطنين، رغم قلة عددهم، ورغم أن عدوهم مدجج بالسلاح والقوة، لا يوقف العدوان الهمجي، بل إنه يوقظ العالم بأسره، ويحدث أثراً خارجياً، سرعان ما يتفاعل في عالم لم يعد بإمكان المجرم أن يخفي جريمته طويلاً عن الملأ، بسبب التقدم في وسائل الاتصال والتغطية الإعلامية.
وبطولة المرابطين والمرابطات، لم تكن سبباً فقط في وحدة ميدانية كاملة لكل مكونات الشعب الفلسطيني من مختلف الفصائل والقوى، وأماكن التواجد، بل أحدثت صدى مهماً للغاية فيما هو بعد البحار والمحيطات، حتى وصلت إلى داخل كل من الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى، وهما أهم دولتين في العالم تصطف حكوماتهما إلى جانب الاحتلال الإسرائيلي دائماً وعلى مدار عقود الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
صحيح أن انشغال العالم بالحرب بين روسيا وأوكرانيا قد شغل العالم عن متابعة وإصدار ردود الفعل الفورية والمتناسبة مع مستوى الحدث الذي جرى في القدس، لكن تداعيات الحدث سرعان ما بدأت تظهر، بما يتجاوز المواقف الرسمية، وعلى المستويين العربي والدولي، ولم تنجح إسرائيل لا في الاستفراد بالقدس ومرابطيها على المستوى الفلسطيني أو الداخلي، ولا في صرف أنظار العالم الخارجي عما فعلته من قهر وعنف وعدوان على حرية العبادة، بل وعلى حرمة أماكن العبادة الخاصة بمن هم غير اليهود، من مسلمين ومسيحيين في المدينة المقدسة.
وإخفاق إسرائيل تجلى في استنفار جيشها وشرطتها، ومتابعة مستواها السياسي القيادي للحدث لحظة بلحظة، وفي كثير من الأحيان بشكل مضطرب، حاول أن يطلق العنان للتطرف اليهودي الداخلي ممثلاً بالجماعات المتدينة، في الوقت الذي خشي فيه أن تفلت الأمور عن السيطرة، لذا ظل على تواصل مع الوسطاء بينه وبين «حماس»، محاولاً أن يضيف إلى ما هو متحقق خلال الأعوام الماضية من «تمرير» للاقتحامات، منجزاً جديداً، فإن استطاع قدمه كإنجاز للتطرف يبقيه في سدة الحكم، وإن فشل، فإنه لم يقدم تراجعاً عما كان في عهد الحكومة السابقة.
وإخفاق إسرائيل في معالجة الحدث ظهر في كون الحدث قد جرى في ظل تطور وسائل التواصل أو ما يعرف بـ»السوشيال ميديا»، التي تتجاوز ما هو رسمي يمكن السيطرة عليه من وسائل الإعلام، حيث ظهرت إسرائيل كقامع كبير لحرية العبادة، فهي كانت تمنع المصلين المسلمين من الوصول لمسجدهم ليقيموا الصلاة فيه، في شهر الصوم برمضان، وذلك لتتيح الفرصة وبرعاية جيشها وشرطتها لاقتحام المتطرفين اليهود للتجول داخل ساحات الحرم، وأداء الطقوس التلمودية في مكان عبادة لا يخصهم، بل يخص غيرهم!
وقد كان لمتابعة أمين عام الأمم المتحدة في ظل محاولة البيت الأبيض استغلال الموقف بالصمت، مقابل انضمام إسرائيل للموقف الأميركي تجاه الحرب بين روسيا وأوكرانيا، دلالة وتأثير على الحكومة الإسرائيلية، تجلى من خلال المكالمة الهاتفية بين أنطونيو غوتيريس ونفتالي بينيت، قبل ثلاثة أيام، كذلك محاولة وزير خارجية إسرائيل يائير لابيد شرح الموقف الإسرائيلي الرسمي العنصري للصحافيين الأجانب حين استدعاهم قبل يومين ليقول لهم: إن ما حدث كان بسبب محاولة التنظيمات الفلسطينية توتير الحالة، مدعياً أن إسرائيل لا تسعى لتغيير واقع الحال في الحرم حيث يصلي فيه المسلمون فيما يزوره غير المسلمين، وأن إسرائيل لا تسعى لتقسيم الحرم زمانياً ومكانياً بين المسلمين واليهود.
ادعاء لابيد لم يقنع الصحافيين، كما لم يقتنع الرأي العام العالمي بالموقف الرسمي الإسرائيلي، ذلك أن الجميع يعرف أن الأحداث المتوترة في القدس وقعت بعد أن أعلن المتطرفون اليهود نيتهم إدخال القرابين في الحرم بمناسبة عيد الفصح اليهودي، وأن التوتر وقع خلال أسبوع الفصح بالتحديد، كما دلت ممارسات الحكومة الإسرائيلية خلال أسبوع التوتر على نية الحكومة نفسها محاولة تغيير الوضع القائم منذ العام 1967 في الحرم، حيث حولت إسرائيل الحرم إلى ثكنة عسكرية خلال تلك الأيام، وأقدمت على طرد المصلين لتمكين أكثر من 4600 متطرف يهودي من اقتحام الحرم وهذا العدد يوازي ضعف عدد المقتحمين العام الماضي، وأكثر من ذلك دل إقدام إسرائيل على اعتقال أكثر من 500 مرابط في يوم واحد، هو اليوم الأول من عيد الفصح اليهودي، على أن إسرائيل الرسمية كانت متواطئة تماماً مع متطرفيها من جماعة الهيكل.
لم تتوقف تداعيات الحدث إذاً عند حدود نجاح الجانب الفلسطيني في صد العدوان الرسمي وغير الرسمي الإسرائيلي، الذي استهدف الحرم القدسي، فانطلاق التظاهرات المنددة بالعنصرية الإسرائيلية في كل من بريطانيا وأميركا ذو دلالة واضحة، فقد تزايد الحديث عن إسرائيل كدولة فصل عنصري، تتجلى عنصريتها الفاقعة في منع حرية العبادة على من هم من غير اليهود.

وعلى الصعيد العربي، استغرب المواطنون العرب صمت المستوى الرسمي، بل متابعة دول التطبيع هيامها بدولة الاحتلال، لدرجة أن يعلن بعضهم نيته مشاركة إسرائيل احتفالها بذكرى النكبة الفلسطينية التي تسميها هي يوم استقلالها، وإضافة إلى موقف البرلمان العربي المندد بالعدوان الإسرائيلي على القدس وحرمها ومرابطيها، أعلنت الكتلة الصدرية وهي كتلة الأغلبية البرلمانية في العراق نيتها التقدم بمشروع قانون يجرم التطبيع مع إسرائيل، وفعل محامو تونس الشيء نفسه، حين طالبوا حكومة بلادهم بتجريم التطبيع بصفة قانونية وصريحة، وذلك رداً على العدوان الإسرائيلي كما دعت الهيئة الوطنية للمحامين في تونس، إلى «تشكيل لجنة من المحامين المختصين في القانون الدولي الإنساني للتنسيق مع المحامين الفلسطينيين والمحامين الأحرار في العالم لرفع دعاوى جزائية إلى المحكمة الجنائية الدولية الدائمة ضد مجرمي الحرب الصهاينة.

الرابط مختصر: