مقالات الخامسة

رفح: من شريان حياة إلى فراغ مطلق

الخامسة للأنباء - غزة

بقلم: محمود النحال

تقع مدينة رفح في أقصى جنوب قطاع غزة، وتشكل الحد الفاصل بين الأراضي الفلسطينية وجمهورية مصر العربية. تُعتبر من المدن الفلسطينية ذات الطابع الحدودي الخاص، وقد ارتبط اسمها في الوعي الجمعي الفلسطيني بالمعبر، والأنفاق، والنكبات المتكررة، وأيضًا بالصمود الأسطوري لأهلها.

المساحة والسكان

تبلغ مساحة مدينة رفح نحو 63.1 كم²، وبلغ عدد سكانها أواخر 2021 قرابة 260 ألف نسمة. وخلال الشهور الأولى من حرب 2023، تدفق إليها أكثر من 700 ألف نازح من شمال ووسط القطاع، فارتفع عدد السكان المؤقت إلى ما يزيد عن مليون نسمة، ما حول المدينة إلى كتلة بشرية هائلة تنهكها الأزمات والبنية التحتية المحدودة، ورغم قسوة الظروف، تقاسم سكان رفح ما لديهم من غذاء ودواء ومسكن مع مئات آلاف النازحين، في مشهد تضامني نادر يعكس عمق التلاحم الشعبي في قطاع غزة.

في مايو 2024، نفذت قوات الاحتلال عملية تهجير قسري شامل طالت سكان رفح الأصليين والنازحين، عبر القصف الممنهج والإنذارات المباشرة.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

وفي مارس 2025، أعلن الاحتلال رسميًا تحويل رفح إلى منطقة عازلة مغلقة تخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية التامة، ومُنع الفلسطينيون من العودة إليها، لتُفرَغ المدينة بالكامل من سكانها لأول مرة في تاريخها.

أحياؤها ومرافقها

كانت رفح تتكوّن من عدد من الأحياء المعروفة، أبرزها: حي الجنينة، تل السلطان، البرازيل، حي السلام، مصبح، وخربة العدس، بالإضافة إلى مخيم رفح للاجئين الذي أُنشئ عقب نكبة عام 1948.

رغم كثافتها السكانية، عانت المدينة لسنوات من نقص شديد في المرافق العامة، خاصة في القطاع الصحي. فقد كان مستشفى أبو يوسف النجار هو المرفق الحكومي الوحيد، لكنه لم يكن أكثر من عيادة موسعة تفتقر لأجهزة العناية المركزة والتخصصات الجراحية، ما أجبر الأهالي على نقل الحالات المتوسطة والحرجة إلى مستشفيات خانيونس أو غزة، وقد نظم سكان رفح على مدار 17 عامًا العديد من الوقفات الاحتجاجية، وقدموا مناشدات متكررة للجهات المختلفة، مطالبين بإنشاء مستشفى حكومي يلبي احتياجات المدينة المتزايدة، لكن تلك المطالب قوبلت بتجاهل مستمر دون أي استجابة تُذكر.

كما ضمت المدينة معبر رفح البري، الذي يربط قطاع غزة بجمهورية مصر العربية حيث يمثل البوابة الوحيدة لسكان القطاع نحو العالم وكذلك معبر كرم أبو سالم الذي خصصه الاحتلال لاستيراد وتصدير البضائع من وإلى غزة وبذلك مثل المعبر شريان الحياة الاقتصادي لقطاع غزة بأكمله.

التهجير واللجوء

لطالما ارتبطت رفح بتاريخ التهجير. فقد استقبلت بعد نكبة 1948 آلاف اللاجئين الذين تمركزوا في مخيم رفح – الشابورة – ومخيم يبنا وغيرها من المخيمات. وخلال الانتفاضة الثانية، شهدت اجتياحات وعمليات هدم وتجريف في أحيائها الشرقية والجنوبية.

لكن التهجير الأشد وقع في تاريخ المدينة كان خلال الحرب الحالية، حين اعتُبرت “منطقة آمنة” لفترة قصيرة، قبل أن تتحول إلى بؤرة استهداف واسع.

وفي مايو 2024، نفذت قوات الاحتلال عملية تهجير قسري شامل طالت سكان رفح الأصليين والنازحين، عبر القصف الممنهج والإنذارات المباشرة.

وفي مارس 2025، أعلن الاحتلال رسميًا تحويل رفح إلى منطقة عازلة مغلقة تخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية التامة، ومُنع الفلسطينيون من العودة إليها قسراً، لتُفرَغ المدينة بالكامل من سكانها لأول مرة في تاريخها.
ولم يكتف الاحتلال بإفراغ المدينة من سكانها بل قام بتدمير جميع المباني والمرافق العامة والخاصة في المدينة حيث وصلت نسبة الدمار في رفح بحسب صور الأقمار الصناعية والمصادر الحكومية إلى 80% من معالم المدينة.

رفح اليوم

لم تعد رفح مدينة مأهولة، ولا حتى مجرد نقطة جغرافية مأهولة بالمدنيين. تحولت إلى أرض فارغة، مطوقة، خاضعة للاحتلال، محرومة من أهلها وتاريخها ومخيماتها. لكنها رغم ذلك، تبقى في الذاكرة الفلسطينية عنوانًا للمظلومية، ومثالًا صارخًا على التهجير والإخلاء القسري في القرن الحادي والعشرين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى