طلال عوكل: الأمن القومي العربي تحت رحمة إسرائيل

بعد نحو ثلاثين عاماً على نظرية الشرق الأوسط الجديد التي طرحها شمعون بيريس في كتابه ثم انتعشت النظرية خلال مرحلة جورج بوش الابن ها هو الشرق الأوسط الجديد أمام أنظارنا.
شمعون بيريس كان قد قال إن اتحاد الرأسمال العربي مع العقل الإسرائيلي، من شأنه أن يؤدي إلى شرق أوسط مزدهر.
البداية كانت من حرب التحالف الذي قادته الولايات المتحدة على أفغانستان، التي أدت إلى إقصاء نظام “طالبان”، واحتلال البلاد لمدة عشرين عاماً.
كانت الذريعة متوفرة، فلقد اتهمت الولايات المتحدة، تنظيم “القاعدة”، الذي ساهمت في تأسيسه قبل وقت مبكر، بارتكابه جريمة أحداث الحادي عشر من أيلول 2001.
انتهت المهمة في أفغانستان بفشل ذريع ومخجل لقوات التحالف، التي تكبدت خسائر فادحة، أرغمتها المقاومة الأفغانية على الانسحاب، والعودة لتوسل اتفاقيات مع نظام “طالبان” لإجلاء رعايا التحالف، وعشرات آلاف الأفغان الذين تعاونوا معها، كما أظهرت الولايات المتحدة، رغبتها في مواصلة التعاون مع النظام الجديد. تلا ذلك غزو العراق بعد معركة “عاصفة الصحراء” ودحر الجيش العراقي من الكويت، وفرض حصار مشدد على نظام “البعث”.
كان انتصار قوات التحالف الغربي، وقبلها تفكك المنظومة الاشتراكية والاتحاد السوفياتي قد مهد الطريق أمام إدارة الرئيس جورج بوش الأب، لكي يعلن العام 1991 من الكويت عن ولادة النظام الدولي الجديد، أحادي القطبية بزعامة الولايات المتحدة.
ليس هذا وحسب بل أدى ذلك إلى تعزيز الوجود العسكري الأميركي المباشر عبر قواعد تنتشر في دول الخليج العربي، واحتكار المكاسب التي تحققت ما عرّض الولايات المتحدة لانتقادات من بعض شركائها الأوروبيين، الذين تم إقصاؤهم من الحصول على مردود من المكاسب باعتبارهم شركاء في المغارم وتحملوا جزءاً من تكاليف الحرب.
مرة أخرى عادت الولايات المتحدة لشن الحرب على العراق، وقامت باحتلاله وتدميره، وإنهاء النظام السياسي ومطاردة رموزه، بذريعة أسلحة دمار شامل لم تكن موجودة، وقد أكد عديد الخبراء لاحقاً، أن تلك الذريعة مجرد كذبة مصممة، من قبل الدوائر الأميركية، ومرة أخرى شكل ذلك فرصة لتعزيز الوجود العسكري الأميركي في المنطقة والعراق، الذي كان خالياً من أي وجود عسكري على أراضيه، لأي جهة كانت.
في ضوء طبيعة التحالف الاستراتيجي العميق والواسع بين الولايات المتحدة وإسرائيل سيكون من الطبيعي أن يشكل ذلك ظرفاً مناسباً، لتسلل إسرائيل وأجهزتها الأمنية، حيث تتواجد القواعد الأميركية.
كان احتلال العراق، وإقامة نظام طائفي، مدخلاً لإبعاد العراق عن دائرة الأمن القومي العربي، وإخضاعه لمنظومة المفهوم الأميركي لأمن الشرق الأوسط، بالإضافة إلى نهب ثروات هذا البلد العربي الغني، وتعريضه لكل أنواع وأشكال الصراع، ولكل أشكال الفساد والنهب.
غريب أن يعاني هذا البلد النفطي من تراكم الديون، ومن العجز عن تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات الضرورية للشعب العراقي. وخلال كلا الحربين على العراق، هربت رؤوس الأموال والمستثمرون، وهاجر ملايين العراقيين، ولا يزال النزيف قائماً حتى بعد مرور كل هذا الوقت. نفهم أن تكون غزة، وأن يكون لبنان وسورية والصومال بلا كهرباء، ولا ماء صالح للشرب، ولكن لا يمكن لعقل لسوي أن يقبل فكرة أن تعاني دولة نفطية غنية من مثل هذه الاحتياجات الضرورية ما يعكس من ناحية جشع قوات الاحتلال، ومستوى الكارثة التي حلت بالبلاد.
كانت أول إشارة إلى انهيار منظومات العمل العربي المشترك قد ظهرت حين قامت إسرائيل بغزو لبنان واحتلال عاصمتها، بعد أن أخرجت مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية من البلاد، ودون أن يتحرك العرب، ولو بالحد الأدنى من الوسائل لحماية المنظمة أو حماية لبنان. الضربة الثانية لمنظومات العمل العربي المشترك كانت حين انقسم العرب، حول الموقف من غزو العراق للكويت، ومشاركة قوات عربية مع قوات التحالف الغربي، ما أعطى لذلك غطاءً عربياً، ما كان غيابه على كل حال سيؤدي إلى تغيير الوقائع السياسية، أو يؤثر على دوافع الحرب.

تكرر الأمر، العام 2002، خلال انعقاد القمة العربية في بيروت، حين منعت إسرائيل الرئيس الراحل ياسر عرفات من حضور القمة ثم قامت بالرد على قراراتها بشن حرب “السور الواقي” في الضفة، وإعادة احتلالها وأيضاً دون أي حراك عربي، يتجاوز الإدانة والاستنكار. أكثر من ذلل يساور الكثيرين الشك بأن بعض الرؤساء العرب، كانوا على علم مسبق، وربما موافقة على القرار الإسرائيلي الأميركي، بإنهاء مرحلة عرفات، من خلال تصفيته. كثيرة الدول التي تتواطأ مع جريمة اغتيال عرفات، وتمتنع عن تقديم ما يساعد على الكشف عن حقائق عملية الاغتيال، وتقديم ما تملكه من أدلة. لكن ذلك لا يغير من اتهام الفلسطينيين لإسرائيل.
نتساءل اليوم، بعد اندلاع ما يسمى “الربيع العربي”، الذي تداخلت الأسباب والعوامل الخارجية والداخلية التي أدت إليه، ماذا بقي من الأمن القومي المشترك، ومن معاهدة الدفاع العربي المشترك، وحتى من أبسط آليات العمل العربي البيني، وعلى مختلف المستويات؟
هل ثمة من يشك حتى الآن بأن الولايات المتحدة وحلفاءها وإسرائيل، قامت بأدوار فاعلة في اندلاع شرارة ذلك “الربيع”، ووصول تلك الشرارة على شكل حرائق إلى معظم الدول العربية؟
إن كان هناك من لا يزال يشك في ذلك، عليه أن ينظر إلى ما جرى ويجري في ليبيا، وسورية، ولبنان، والعراق، واليمن.. لقد تبعثر الأمن القومي العربي المشترك، وسقط هذا المشروع أصلاً، وتحولت إدارته إلى الولايات المتحدة وإسرائيل بالدرجة الأولى، وبعض التأثير لقوى أخرى مثل روسيا وتركيا وإيران.
علينا أن نسأل أين لا توجد إسرائيل، وأي أثر لوجودها وتأثير على الأمن القومي العربي حتى في الدول التي لم تبادر وتمتنع حتى الآن عن تطبيع علاقاتها مع الدولة العبرية.
إسرائيل موجودة أمنياً وعسكرياً كوجود مباشر، في الخليج العربي، والبحر الأحمر، وفي القرن الإفريقي على نحو واسع، وفي المغرب العربي. هذا يعني أن إسرائيل تحاصر المنطقة العربية من كافة الاتجاهات، حتى بدأت دولة مثل إسبانيا تخشى الوجود العسكري الإسرائيلي في المغرب العربي.
أميركا لم تنسحب ولن تنسحب من المنطقة فقواعدها راسخة، والذرائع لتدخلها موجودة، وإلى جانبها تتواجد إسرائيل، ليحقق ذلك ما دعا إليه ترامب بشأن إقامة تحالف سني أميركي بمشاركة إسرائيل.
هذا التحالف قائم عبر شراكات واتفاقيات التطبيع، حتى لو لم يتبلور هذا التحالف، أو يعلن أحد عن قيامه رغم أن معظم إن لم يكن كل من بادر للتطبيع مع إسرائيل لا يملك حدوداً، أو في حالة مواجهة مع إسرائيل، إنه فقط الهوان العربي الذي يستبدل قوة ومناعة الوحدة العربية بنيران الإرهاب الصهيوني الأميركي.

الرابط مختصر: