عبد الغني سلامة: لغز البتراء

ضمّتها «اليونسكو» إلى قائمة مواقع التراث الإنساني العالمي عام 1985، وفي العام 2007 صُنفت ضمن عجائب الدنيا السبع.. وهي الآن من أكثر مناطق الجذب السياحي في العالم.. إنها المدينة الوردية، المنحوتة من الصخر، البتراء.. لكن ما لا نعرفه أن هذه المدينة الساحرة اختفت لمدة ألف عام من سجلات التاريخ، وكأنما ابتلعتها الصحراء، وظل يلفها الغموض، وتُنسج حولها القصص والأساطير.. ولم يعرف أحد أين هي؟ وما هي قصتها الحقيقية، حتى جاء المستشرق السويسري يوهان لودفيغ واكتشفها عام 1812، لكنه بذلك افتتح موجة عارمة من الأسئلة.
وصل يوهان جنوب الأردن متنكراً بزي عربي، في طريقه إلى تمبكتو غرباً، عازماً قطع صحراء سيناء، لكنه سمع البدو يتهامسون عن مدينة عجيبة تسكن وراء الجبال وسط الصحراء، فقد كان البدو يخفون أمر البتراء خشية من لصوص الآثار، فقرر البحث عنها، ولما رآها وجهاً لوجه، أصيب بدهشة صاعقة.
كان المرحوم الأديب الأردني أمجد ناصر قد كتب مقالة شيقة عن البتراء، وصف فيها صدمة يوهان وهو يرى أول ملامح البتراء، بعد عبوره «السيق» (الشق الصخري العظيم المؤدي إلى المدينة المحجوبة)، حيث يتبادل الضوء والظل لعبة إدهاش الزائر:
«بعد سيرنا في (السيق) الذي زاد اتساعه في هذه النقطة، فجأة يبرز أمامنا معبد يخلب الألباب بجماله وضخامته ونحته الذي لا مثيل له، وقد صُمّم ليكون في هذا الموضع حتى يبهر القادم عبر هذه الطريق المعتمة بين الجدران الصخرية الشامخة عن يمينه وعن يساره، فيفاجأ بهذا المنظر الذي يحبس الأنفاس بجمال نحته وحُسن منظره، منحوتة عظيمة قُدت من الصخر، لم تؤثّر عليها حوادث الزمن، كأنّ النحاتين قد تركوها لتناول طعام الغداء، أما أنا فأستطيع أن أؤكد أن أيَّ فنان مهما علت مكانته لا يستطيع أن يدعي أن بإمكانه الزيادة أو التعديل على هذا الأثر الجميل شيئاً.. ببساطة لأنه كامل».
ويضيف أمجد: «لم يبالغ يوهان، في وصفه جمال «الخزنة» فهو لم يهيئ نفسه لتلقي صدمة جمالية كهذه.. دفعة واحدة». مات يوهان في القاهرة بتسمم غذائي، بعدما سجل باسمه «كشفاً» آخر هو معبد أبو سنبل في جنوب مصر.. بالصدفة أيضاً.. لكنَّ ما كتبه عن البتراء أثار خيال رحالة ورسامين ومستشرقين أتوا لرؤية الأعجوبة، منهم الرسام الإسكتلندي ديفيد روبرتس عام 1839 الذي رسم عشرين لوحة ليثوغراف، ليري العالم جمال وعظمة المدينة.
يجمع المؤرخون أن البتراء بُنيت بحدود القرن الرابع قبل الميلاد، على يد الأنباط. وكانت عاصمة لمملكتهم التي امتدت حدودها من مدائن صالح جنوباً، حتى دمشق شمالاً، ومن نهر الفرات شرقاً، حتى شملت صحراء سيناء غرباً. ولمدة أربعة قرون ظلت قوية ومزدهرة، تسيطر على خطوط التجارة العالمية، بل المدينة الأهم في الشرق القديم، وقد تصدت للغزو اليوناني في القرن الثالث قبل الميلاد، لكنها سقطت عام 106 على يد الرومان.. ثم خضعت للبيزنطيين حتى بداية القرن الثامن. وبسبب تعرضها للزلازل تركها أهلها، مخلفين وراءهم آثاراً عظيمة.. ليستخدمها الرعاة مناماً لماشيتهم.
ومن بعدها، ولمدة ألف عام، وبسبب وعورة وخطورة الطرق المؤدية إليها، ظلت مخفية وسط الصحراء، تحميها واجهات صخرية عملاقة.
ومنذ أول بعثة استكشاف أثرية بريطانية للمدينة (1929) وحتى اليوم، لا يعرف أحد على وجه اليقين ما هي حكاية البتراء الحقيقية! هل كانت استراحة للقوافل؟ أم عاصمة سياسية لمملكة عظيمة؟ هل كانت مدينة دينية أم سكنية؟ ولماذا بنيت؟ وكيف؟
وفي الحقيقة، هنالك 28 نظرية تاريخية حول المدينة، كل واحدة منها تضع تفسيراً مختلفاً.. ومع كل معرفة جديدة تزداد المدينة غموضاً. وما يزيد من الغموض أن نحو 80% من آثار المدينة مدفونة تحت الرمال، وغير مستكشفة، وهذا بحد ذاته لغز آخر.
في زيارتي الأخيرة للبتراء، سألتُ الدليل البدوي: من بنى البتراء؟ فأجاب بيقين: الجن.. ثم قال: أفضّل الشرح بالإنجليزية وهذا أسهل عليّ.. بينما قال زميله الذي يسرد القصة بلغات أجنبية عديدة: إن العمالقة هم من بنوها.. على أي حال تلك مجرد حكايات شعبية، وليست ضمن النظريات العلمية التي يمكن قبولها ولو جزئياً.

من بين النظريات أن بناة المدينة كانوا خبراء في الفلك، فجعلوها متناسقة مع مواقع النجوم، وبما يدل على المواقيت والمواسم (للزراعة) والاتجاهات (لخدمة القوافل التجارية).. ومن يقول إنها كانت مركزاً دينياً وإدارياً، في حين كان السكان يقطنون بالقرب منها في بلدة وادي موسى.. المستشرق دان جبسون زعم أنها مهبط الوحي، وأنّ نبي الإسلام وصحابته ولدوا فيها، وكانت قبلة مساجد القرن الأول الهجري. مؤرخون آخرون قالوا: إن عبد الله بن الزبير تحصن فيها أثناء تمرده على السلطة الأموية، وإن الحجاج قصفها بالمنجنيق، ويستشهدون على ذلك بوجود آثار تهديم وقصف، وكومة من حجارة المنجنيق ما زالت موجودة.
وما يثير الجدل أيضاً أصول الأنباط، ودورهم في تهيئة الظروف الموضوعية لتشكّل الأمة العربية، ولغتهم (النبطية) التي شكلت مع لغة جنوب الجزيرة بالخط المسند اللغة العربية التي نعرفها اليوم.. فاللغة العربية نشأت في أواخر عهد الأنباط بحدود القرنين الثالث والرابع الميلادي، وعندما تنضج اللغة القومية تنشأ الأمة، ومن ثم الدولة المركزية، وقبل ذلك يصعب العثور على دلائل تشير إلى وجود لغة وآداب وحضارة عربية.. (راجع مقالتي «لغتنا الجميلة»، «الأيام» 18-12- 2019).

يخصص سيد القمني فصلاً كاملاً من كتابه «آخر أيام تل العمارنة» للحديث عن نظريته حول البتراء، في محاولة لإثبات أن المدينة التي حملت اسم «بترا» باليونانية هي ذاتها «سالع شمس» عاصمة أدوم الكبرى، وهي «أوزلت» عاصمة بلاد بونت أرض الإله الشهيرة في النصوص المصرية القديمة، وهي عاصمة ميتاني المملكة المفقودة في الجغرافيا القديمة، وجميعها أسماء تعني الصخرة، وهي «الرقيم» حسب التقسيم الجغرافي اليوناني، وكانت على صلة حميمة مع مصر القديمة، وقد زارتها الملكة الشهيرة حتشبسوت (لكن هذا يعني أن زمن بناء البتراء أقدم بكثير من الزمن المفترض). وهي مقر الإله «بعل»، وهيكله، ومقر «اللات والعزى وذو الشرى»، أشهر آلهة العرب القديمة.
قد تتضارب النظريات حول البتراء، لكن المؤكد أنها مدينة مذهلة، وساحرة، وتستحق الزيارة.

الرابط مختصر: