قطاع غزة السياحي: افتتاحات جديدة فوق سوق يتآكل شارك

الخامسة للأنباء - غزة
الكاتب: عبدالله الصفدي
تعود الأضواء تدريجياً إلى واجهات بعض المطاعم والمقاهي في قطاع غزة، لكن المشهد لا يعكس تعافياً اقتصادياً بالمعنى الحقيقي. ما يجري أقرب إلى محاولة يومية لإبقاء النشاط قائماً: منشآت قديمة تعمل بجزء من طاقتها، وأخرى جديدة تدخل السوق تحت ضغط الحاجة إلى الدخل، فيما تجعل كلفة المعدات والطاقة والمواد الأساسية قرار الاستثمار أكثر خطورة من أي وقت مضى.
وبحسب بيانات مشتركة للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ووزارة السياحة والآثار، أدى العدوان إلى التدمير الكامل لنحو 4,992 منشأة سياحية في قطاع غزة، وفقدان 15,265 عاملاً وظائفهم. وكان النصيب الأكبر من الضرر في أنشطة المطاعم والمشروبات، حيث دُمّرت 3,450 منشأة تمثل 69.1% من منشآت القطاع، وفُقدت 10,887 وظيفة تمثل 71.3% من الوظائف السياحية المتضررة.
وتشمل الخسائر أيضاً 173 منشأة للإقامة والفندقة، و171 وكالة سفر ومنظّم رحلات، و921 منشأة ثقافية وترفيهية، و182 منشأة للحرف والهدايا. هذه التركيبة تضع المطاعم والضيافة الغذائية في قلب أي خطة إنعاش، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن السياحة في غزة أوسع من نشاط الطعام والشراب.
كما وثّقت اليونسكو تضرر 164 موقعاً ثقافياً وتراثياً حتى 24 آذار/مارس 2026. وبذلك لم يخسر القطاع منشآت وفرص عمل فحسب؛ فقد تضرر أيضاً جزء من أصوله الثقافية المرتبطة بتاريخ المدن والأسواق والحرف والذاكرة المحلية.
وعلى المستوى العام، قدّر التقييم المشترك للبنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في غزة بنحو 53 مليار دولار، مع أضرار مادية تقارب 30 ملياراً، شكّلت التجارة والصناعة نحو 20% منها.
سوق يفتح ويغلق في الوقت نفسه
تعطي المتابعة الميدانية صورة لا تظهر في الأرقام الرسمية حتى الآن. فوفق ملاحظات أولية جمعتها «متجذّر»، يقابل افتتاح كل منشأتين حديثتين إغلاق منشأة جديدة تقريباً. هذا ليس معدل فشل قدره 50%، لأن الرقم لا يتابع المجموعة نفسها من المشروعات على مدى زمني محدد، لكنه مؤشر واضح إلى سرعة دوران المنشآت وهشاشة الاستمرار.
أما المطاعم المعروفة التي كانت تعمل قبل الحرب، فقد استطاع عدد منها العودة بحد أدنى من العمالة والإنتاج. وساعدها في ذلك امتلاك العقار، وعدم دفع الإيجار في بعض الحالات، والاحتفاظ بالمعدات القديمة، إلى جانب الخبرة والاسم التجاري وقاعدة الزبائن.
لكن تشغيل منشأة لساعات محدودة أو بطاقم أصغر لا يعني أنها عادت إلى الربحية؛ فقد يكون استمرارها مجرد تأجيل للإغلاق، ومحاولة للحفاظ على المعدات والعمال الذين ما زال بالإمكان تشغيلهم.
هذه الصورة قد توقع المستثمر الجديد في ما يسميه الاقتصاد السلوكي تحيّز البقاء. فالمنشآت التي بقيت مفتوحة ظاهرة أمام الناس، أما التي أغلقت أو فقدت رأس مالها فتغيب سريعاً عن المشهد. ومع الوقت يبدو السوق أكثر نجاحاً مما هو عليه فعلياً.
ويضاف إلى ذلك سلوك القطيع. حين يرى المستثمر افتتاح مطاعم ومقاهٍ متتابعة، قد يتعامل مع كثرتها بوصفها دليلاً على وجود فرصة مضمونة. غير أن هذا الاندفاع يعود جزئياً إلى أن بيع الطعام والشراب من الأنشطة القليلة الممكنة حالياً، وليس بالضرورة إلى نمو القدرة الشرائية أو اتساع الطلب بما يكفي للجميع.
سوق للمعدات المستعملة بدلاً من استثمار جديد
في تموز/يوليو 2026، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن المستوى العام للأسعار في غزة ظل عند نحو 190% من مستواه قبل تشرين الأول/أكتوبر 2023، أي قرابة 1.9 مرة. وأشار التقرير إلى أن الواردات التجارية بقيت موجهة في معظمها إلى السلع الاستهلاكية، مع حضور محدود للآلات ومدخلات الإنتاج والتعافي.
وتظهر حدة الأزمة بصورة أوضح عند شراء معدات المطاعم. فبحسب أسعار جُمعت ميدانياً، ارتفع ثمن بعض خلاطات العصير من نحو 200–400 شيكل قبل الحرب إلى 3,000–6,000 شيكل، أي ما بين 7.5 و30 ضعفاً، بحسب النوع والحالة وتوقيت الشراء.
وارتفعت كلفة بعض قطع التغليف من 0.5–1 شيكل إلى 3–4 شواكل للقطعة، أي ما بين ثلاثة وثمانية أضعاف.
ومع ندرة الثلاجات وطاولات التحضير والشفاطات ومعدات الطاقة، صار جزء من السوق يعتمد على أدوات المنشآت المغلقة. تُباع المعدات المستعملة إلى مشروع آخر يستعد للافتتاح، ثم تنتقل من جديد إذا تعثر المشروع.
تساعد هذه الدورة على تخفيض كلفة الدخول مؤقتاً، لكنها لا تضيف معدات جديدة أو قدرة إنتاجية حقيقية. وفي حالات كثيرة تنتقل معها أعطال المعدات، ومخاطر السلامة، وكلفة الصيانة واستهلاك الطاقة.
دراسة الجدوى لم تعد إجراءً شكلياً
تشير إحدى الحالات الميدانية إلى أن إنشاء مطعم وجبات سريعة صغير من فرع واحد قد يكلف حالياً بين 120 و150 ألف دولار. ولا يمثل هذا الرقم متوسطاً رسمياً للقطاع، لكنه يوضح حجم رأس المال الذي قد يصبح معرضاً للخسارة في مشروع محدود المساحة والنشاط.
إذا أراد المستثمر استرداد هذا المبلغ خلال أربع سنوات، فإنه يحتاج، بحساب بسيط، إلى تدفق نقدي حر يتراوح بين 2,500 و3,125 دولاراً شهرياً بعد دفع الأجور والمواد والطاقة والغاز والمياه والتغليف والصيانة والإيجار والالتزامات الأخرى. وهذا قبل احتساب كلفة التمويل أو الخسائر الناتجة عن التوقف والنزوح وتبدل الأسعار.
هنا تظهر مغالطة التخطيط: التقليل من مدة الإنشاء والكلفة الفعلية، والمبالغة في المبيعات المتوقعة، وبناء الحسابات على أفضل سيناريو ممكن.
وبعد دفع المال وشراء المعدات قد يقع صاحب المشروع في مغالطة التكلفة الغارقة؛ فيستمر في ضخ السيولة لأنه لا يريد خسارة ما دفعه، حتى عندما تصبح تكلفة الوجبة أعلى من العائد الممكن منها.
هذه القرارات لا تصدر دائماً عن نقص في الخبرة وحده. في غزة، تضيق البدائل ويصبح المشروع محاولة لتوفير دخل للأسرة أو حماية مدخراتها. لكن الحاجة الملحّة لا تُلغي المخاطر. فالاستثمار الثابت في موقع قد يصبح الوصول إليه متعذراً بسبب النزوح أو تجدد القصف، يمكن أن يتحول سريعاً إلى أصل لا يُشغّل ولا يُباع بسعر عادل.
لهذا تبدو المشروعات الصغيرة القابلة للتوسع، والمطابخ المشتركة، ونقاط البيع القابلة للنقل، أكثر ملاءمة من الإنفاق الكبير على المساحة والديكور. في السوق الحالية، حماية السيولة والقدرة على إعادة التشغيل أهم من حجم الافتتاح.
العاملون أيضاً يدفعون كلفة التشظي
لا تتوقف المشكلة عند رأس المال. فقد وزعت النزوحات العاملين والمدربين بين مدينة غزة والمنطقة الوسطى وخانيونس، بينما أصبحت المواصلات مكلفة وغير منتظمة. ويصعب في ظل غياب الدخل جمع الفرق التدريبية أو تنفيذ برامج طويلة ومتتابعة، ما يرفع كلفة التنسيق ويؤثر في جودة التدريب والإنتاج والخدمة، كما أن دخول مستثمرين من خارج الخبرة السياحية، من دون معرفة كافية بحساب الكميات وتكلفة المنتج وإدارة المخزون والسلامة الغذائية، يزيد احتمالات التعثر.
ولا يكفي تقديم دورة تدريبية قصيرة لمرة واحدة؛ المطلوب برنامج عملي يرافق المنشأة في التسعير، وهندسة قائمة الطعام، وإدارة الهدر والطاقة، وبناء خطة لاستمرارية العمل عند انقطاع الإمدادات أو تجدد النزوح.
إنقاذ الموجود قبل تمويل افتتاحات جديدة
يمكن البدء بإنشاء سجل قطاعي موحد يوضح المنشآت العاملة كلياً أو جزئياً، والمنشآت الجديدة والمغلقة والمنقولة، وعدد العاملين واحتياجات المعدات والطاقة. ومن دون هذه البيانات ستظل برامج التمويل والتدريب بعيدة عن الحجم الحقيقي للمشكلة.
ويحتاج المستثمر، قبل الافتتاح، إلى خدمة استشارية تحسب نقطة التعادل، وكلفة كل منتج، وحجم الطلب المتوقع، وفترة استرداد رأس المال، وتأثير تغير أسعار الوقود والمواد.
أما المنشآت المهددة بالإغلاق فتحتاج إلى تدخل سريع يعيد فحص الأسعار والمخزون والهدر والتدفق النقدي قبل أن تفقد ما تبقى من رأسمالها.
ومن الممكن أيضاً إنشاء بنك للمعدات وخدمات مشتركة للصيانة والشراء والتخزين البارد والطاقة، بحيث لا تضطر كل منشأة إلى شراء الأدوات نفسها بأسعار مرتفعة.
ويمثل انتخاب مجلس إدارة جديد للجهة القطاعية فرصة لتنظيم هذا العمل، شرط أن يتحول المجلس إلى إدارة تنفيذية فاعلة، بلجان واضحة وخطة عمل قصيرة المدى قابلة للقياس.
أما المجلس التشريعي، فليس مطلوباً منه إدارة المطاعم أو الفنادق. دوره أن يحول احتياجات القطاع إلى قوانين وموازنات ورقابة: صندوق لتعافي المنشآت السياحية، وضمانات تمويل للمشروعات الصغيرة، وتسهيلات مؤقتة ومدروسة، وأولوية لإدخال المعدات ومدخلات الإنتاج، وتنظيم مرن للترخيص في حالات الطوارئ، إلى جانب حماية العاملين والتراث ونشر البيانات بصورة دورية.
المؤشر الحقيقي للتعافي لن يكون عدد الأشرطة التي تُقص عند الافتتاح، بل عدد المنشآت التي تبقى بعد عام، والوظائف التي تستعيد استقرارها، ورأس المال الذي يتوقف عن الانتقال من مشروع مغلق إلى آخر ينتظر دوره.





