تقاريرثابت

من الكاسيت إلى الذكاء الاصطناعي.. ترند الثمانينيات يعود ويغزو صور الفلسطينيين

الخامسة للأنباء - غزة

لم تعد صور الثمانينات مجرد لقطات قديمة تظهر في ألبومات العائلة. بل تحولت خلال الأيام الأخيرة إلى واحدة من أكثر موجات التفاعل انتشارًا على منصات التواصل الاجتماعي. بعدما وجد المستخدمون في أدوات الذكاء الاصطناعي وسيلة لإعادة تقديم أنفسهم وكأنهم عاشوا تلك الحقبة قبل نحو أربعة عقود.

الترند، الذي يُتداول تحت مسميات مثل “ترند الثمانينات” و”صورتك في الثمانينات” و”80s Photo Trend”، يقوم على تحميل صورة حديثة إلى أدوات الذكاء الاصطناعي. ثم مطالبتها بإعادة تشكيلها بصريًا وفق ملامح حقبة الثمانينيات، من الملابس وتسريحات الشعر إلى الإضاءة والخلفيات وطريقة التصوير.

وخلال الساعات الماضية، امتلأت منصات مثل إنستغرام وإكس وفيسبوك بصور تبدو للوهلة الأولى وكأنها مقتطعة من ألبومات قديمة، قبل أن يتضح أنها صور حديثة أعاد الذكاء الاصطناعي إنتاجها بأسلوب الثمانينيات.

من أين بدأت الفكرة؟

يصعب تحديد منشور واحد باعتباره نقطة البداية المطلقة للترند، لكن الموجة الحالية ظهرت وانتشرت بصورة واضحة خلال الأيام الأولى من سبتمبر 2026. مستفيدة من الانتشار السابق لظواهر الصور التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، مثل تحويل الصور إلى أساليب فنية وشخصيات وأشكال مختلفة.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

الفارق هذه المرة أن المستخدم لا يطلب من الذكاء الاصطناعي أن يحوله إلى شخصية خيالية، وإنما يعيد تخيله داخل زمن حقيقي يعرفه كثيرون من خلال صور الآباء والأمهات والأفلام القديمة وألبومات العائلة.

وتشير تغطيات عدة إلى أن سهولة تنفيذ الفكرة كانت أحد أسباب انتشارها؛ فالمستخدم يحتاج إلى صورة واضحة وبرومبت مناسب، ثم يستطيع مشاركة النتيجة مع الآخرين، ما يحول التجربة الفردية بسرعة إلى تحدٍ جماعي. كما ساهمت خاصية “Add Yours” على إنستغرام في تشجيع المستخدمين على تقليد التجربة وتقديم نسخهم الخاصة.

ما الذي يفعله الذكاء الاصطناعي بالصورة؟

الفكرة لا تقتصر على إضافة فلتر قديم إلى الصورة، فعند إعطاء الأداة تعليمات تفصيلية، يمكنها إعادة بناء المشهد ليحاكي التصوير في تلك الفترة، فتتغير الملابس وتسريحة الشعر والإكسسوارات والخلفية والإضاءة وحتى ملمس الصورة.

وتظهر في كثير من النماذج عناصر مرتبطة بالثمانينيات. مثل الشعر الكثيف، الملابس ذات الألوان القوية، السراويل مرتفعة الخصر، القمصان الواسعة، الإكسسوارات اللافتة، الإضاءة الدافئة وحبيبات الفيلم التي تمنح الصورة مظهرًا تناظريًا قديمًا.

وهنا تكمن جاذبية الترند: الذكاء الاصطناعي لا يعيد إنتاج صورة قديمة فحسب. بل يصنع للمستخدم “ذكرى” لم تحدث أصلًا.

لماذا الثمانينيات تحديدًا؟

السؤال الأهم ليس كيف انتشر الترند، وإنما لماذا وجد الناس أنفسهم فجأة راغبين في العودة إلى الثمانينيات؟

جزء من الإجابة يرتبط بما يعرف بـ”النوستالجيا”، أي الحنين إلى الماضي. لكن الترند الحالي يضيف إليها فكرة أكثر غرابة: الحنين إلى زمن لم يعشه الشخص أصلًا.

فالشاب الذي ولد بعد انتهاء الثمانينيات يستطيع اليوم أن يرى نفسه بملابس تلك الفترة. وسط خلفية تشبه استوديوهات التصوير القديمة، وكأنه يمتلك صورة من ألبوم عائلي لم يكن موجودًا.

وتشير قراءات للظاهرة إلى أن الذكاء الاصطناعي منح النوستالجيا شكلًا جديدًا؛ إذ لم يعد المستخدم يكتفي بالنظر إلى صور الماضي، بل أصبح قادرًا على إدخال نفسه إليها وإعادة تخيل حياته داخلها.

من المزاح إلى ظاهرة اجتماعية

في البداية تبدو المسألة مجرد تجربة طريفة: شخص يريد أن يعرف كيف كان سيبدو لو عاش في الثمانينيات.

لكن سرعة انتشار الصور تكشف جانبًا آخر؛ فالترند يعتمد على المشاركة والمقارنة. شخص ينشر صورته، فيجرب صديقه الفكرة، ثم يعيدها أحد أفراد العائلة، قبل أن تتحول الصور إلى نقاش حول الملابس والأغاني والشوارع وطريقة الحياة في تلك الفترة.

كما دخل مشاهير وشخصيات عامة على خط الترند. ما ساعد في زيادة انتشاره وتحويله من تجربة محدودة إلى موجة جماعية على منصات التواصل.

وماذا عن الفلسطينيين؟

في الحالة الفلسطينية، يمكن أن يأخذ الترند معنى مختلفًا قليلًا. فالصور القديمة ليست مجرد وسيلة لاستعادة الموضة أو تسريحات الشعر؛ بالنسبة إلى كثير من الفلسطينيين. تحمل صور العقود الماضية ذاكرة العائلة والبيت والشارع والمدرسة والأعراس والمناسبات الاجتماعية.

ولهذا يمكن أن تصبح صورة “فلسطيني في الثمانينيات” أكثر من مجرد تجربة بالذكاء الاصطناعي؛ فهي محاولة لإعادة تخيل مرحلة من الحياة الفلسطينية قبل التحولات الرقمية الكبرى التي يعيشها العالم اليوم.

ففي فترة الثمانينات في فلسطين لم تكن تتشابه المعالم في تلك الحقبة مع باقي بقاع الأرض . ففي فلسطين كانت انتفاضة الحجارة والملثمون والكتابة على الجدران هي المعلم الأبرز لتلك الفترة .

حيث المتأمل في الصور سيجد الشباب الفلسطيني يسحل على الأرصفة وتستهدفه “جيبات الصرصور “. بينما المقلاع وقنابل المولوتوف هي أقصى ما تمكنت أيديهم من الوصول إليه ، ليترجم المقاومة كيف كانت في “الثمانينات” .

أما عن اللباس فستجد أن الكوفية الفلسطينية التي يتوشحها الشبان. لإخفاء ملامحهم عن عين الاحتلال هي سيدة الموقف التي لطالما كانت عنوان الشعب الفلسطيني مروراً بكل المراحل التي عاشها.

 

وفي المقابل، هناك سؤال مهم يمكن أن يطرحه الترند فلسطينيًا: هل نحن أمام استعادة حقيقية لملامح الثمانينيات الفلسطينية، أم أمام نسخة رقمية متخيلة من تلك الفترة؟

فإذا طلب المستخدم من الذكاء الاصطناعي إنتاج صورة فلسطينية من الثمانينيات، فإن النتيجة قد تعتمد على الصور والبيانات التي تعلم منها النموذج، وقد تخلط بين تفاصيل فلسطينية حقيقية وعناصر عامة من الصورة النمطية عن تلك الحقبة، لتصبح التجربة مادة مناسبة للنقاش بين جيل عاش الثمانينيات وجيل لم يعشها.

جيل عاش الثمانينيات.. وجيل يتخيلها

ربما تكمن المفارقة الأبرز في أن الترند يجمع جيلين مختلفين.. الأول ينظر إلى الصورة ويقارنها بما يتذكره فعلًا؛ هل كانت الملابس هكذا؟ هل كانت الألوان بهذا الشكل؟ هل كانت الصور العائلية بهذه الطريقة؟

أما الجيل الأصغر، فيتعامل مع الصورة باعتبارها نافذة إلى زمن لم يعشه.

وبين الاثنين، يصنع الذكاء الاصطناعي نسخة ثالثة من الماضي؛ نسخة ليست تاريخًا موثقًا بالكامل، وليست خيالًا كاملًا، وإنما مزيج من الاثنين.

هل الثمانينيات كانت فعلًا “زمنًا جميلًا”؟

هنا تظهر موجة أخرى من النقاش، كثير من المنشورات تقدم الثمانينيات باعتبارها “الزمن الجميل”، بما تحمله من موسيقى وملابس وصور عائلية وحياة تبدو أكثر بساطة.

لكن النوستالجيا بطبيعتها انتقائية؛ فهي تستحضر اللحظات التي نحبها وتترك خلفها تفاصيل الحياة اليومية والمشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عاشها الناس في ذلك الوقت.

ولهذا يرى بعض المتابعين أن الترند لا يعيد الماضي كما كان، وإنما يعيد إنتاج الصورة التي نرغب في تذكر الماضي من خلالها.

وهذه الفكرة ظهرت أيضًا في قراءات عربية للترند، ربطت انتشار الصور بالبحث عن الأمان والانتماء والهروب المؤقت من ضغوط الحاضر.

ولكن.. هل كل شيء في الصورة حقيقي؟

بالتأكيد لا، الصور المنتجة بالذكاء الاصطناعي قد تغير ملامح الوجه أو تفاصيل الملابس والإكسسوارات والأيدي والخلفيات، ولذلك لا يمكن التعامل معها باعتبارها صورًا أرشيفية حقيقية.

كما أن مشاركة الصور الشخصية مع أدوات الذكاء الاصطناعي تفتح أسئلة مرتبطة بالخصوصية، خصوصًا عندما تحتوي الصورة الأصلية على معلومات شخصية أو أشخاص آخرين لم يوافقوا على استخدامها.

هل البصمة البيومترية في خطر ؟

وحذر متخصصون في أمن المعلومات من التعامل مع هذه التطبيقات باعتبارها أدوات ترفيه فقط، موضحين أن الصورة الشخصية. خصوصًا إذا كانت عالية الجودة وتظهر تفاصيل الوجه بوضوح، قد تتضمن معلومات يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي تحليلها.

لكن خبراء أكدوا في الوقت نفسه أن رفع صورة إلى أحد هذه التطبيقات لا يعني تلقائيًا تحويلها إلى «بصمة بيومترية» أو استخدامها في التعرف إلى صاحبها. إذ يرتبط ذلك بطبيعة الخدمة التي يتعامل معها المستخدم، وبكيفية تخزين الصور والبيانات ومعالجتها وفق شروط الاستخدام وسياسة الخصوصية.

وتكمن المشكلة الأساسية في حجم البيانات التي يمكن جمعها عندما يشارك ملايين المستخدمين صورهم خلال فترة قصيرة. خصوصًا إذا كانت الصور مرتبطة بمعلومات أخرى مثل الاسم أو رقم الهاتف أو البريد الإلكتروني أو حسابات التواصل الاجتماعي. ويرى خبراء أن جمع هذه العناصر معًا قد يزيد من قيمة البيانات بالنسبة إلى الجهات التي تمتلك القدرة على تحليلها.

وتختلف سياسات تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعامل مع الصور التي يرفعها المستخدمون؛ فبعض الخدمات قد تحتفظ بالمحتوى لفترة معينة أو تستخدمه في تطوير خدماتها. بينما تعتمد خدمات أخرى سياسات مختلفة. لذلك، ينصح مختصون بمراجعة شروط الاستخدام قبل رفع الصور، وعدم تحميل صور شديدة الخصوصية أو صور تتضمن معلومات يمكن أن تكشف هوية الشخص أو مكان وجوده.

وتعيد هذه الموجة إلى الواجهة نقاشًا أوسع حول البيانات البيومترية، في وقت أصبحت فيه تقنيات التعرف إلى الوجه وتحليل ملامح الأشخاص جزءًا من عدد متزايد من الخدمات الرقمية. ما يجعل الصورة الشخصية أكثر من مجرد محتوى للنشر، خصوصًا عندما تُرفع إلى منصات لا يعرف المستخدم بشكل واضح إلى متى ستحتفظ بها وكيف ستستخدمها.

من “صورتك في الثمانينيات” إلى سؤال أكبر

ربما لا يستمر الترند طويلًا، كما يحدث مع معظم موجات السوشيال ميديا. لكن الفكرة التي يقف خلفه قد تكون أوسع من الترند نفسه.

فكلما تطورت أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبح الإنسان قادرًا على إعادة كتابة صورته في أزمنة وأماكن لم يعش فيها.

وبذلك لم يعد السؤال: “كيف كان الناس في الثمانينيات؟”.. بل أصبح: “كيف كنت سأبدو لو كنت واحدًا منهم؟”

وفي فلسطين، قد يكون السؤال أكثر ارتباطًا بالذاكرة: “كيف كان يمكن أن تبدو حياتنا لو امتلكنا آنذاك القدرة على تصوير كل لحظة وحفظها وإعادة إنتاجها بالذكاء الاصطناعي؟”

بين الحنين، والفضول، والموضة، والبحث عن الماضي. يثبت ترند الثمانينيات أن الذكاء الاصطناعي لم يعد يكتفي بصناعة صور جديدة؛ بل بدأ يصنع لنا طرقًا جديدة لتخيل الماضي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى