ميسا جيوسي: اليوم سأكتب

سأسابق تماهي خلايا جسدك الطاهر وتراب القدس المكلوم وأكتب، اليوم سأكتب قبل أن تحملك الأكتاف للمرة الألف بين ربوع فلسطين، فمن فلسطين وإليها تعودين، يمتد جسدك على مساحة الجرح النازف بين جنين والقدس، من القدس وإليها تعودين، يلتهم الحزن قلوبنا فمن قلوبنا وإليها تعودين. علني أتسائل عمن سيغطي عرسك اليوم في القدس؟ من سيزفك عروسا لأرض السلام التي ماذاقت يوما طعما للسلام؟ أستطيع التنبؤ بملامح أحبتك وأهلك ورفاقك وملايين البشر حول العالم ممن لا يجدون في الظلم قبولا، ولا يجدون للمحتل في جسد الضحية حقا، ولا في الأرض المغتصبة حقا، وهم قلة في عالم تشوهت معاييره وتعفنت وعاد مناصروا الحق كالشهب التي تضيء ليال الصيف تظهر وتخبو في ظلمة عالم مزدوج المعايير. علني بدأت إستيعاب خبر وفاتك وعادت الكلمات لرفقتي بعد أن جافتني، فمنذ وقعت عيناي على جسدك الممدد ولم يخرق جدار الصمت في هذا المشهد المرعب ورهبته سوى صراخ زملائك شيرين، قومي يا شيرين.. مشهد أعاد لنا كثيرا مثله للفلسطينيين الذين لم يكن لهم ذنب سوى شرف كونهم فلسطينيون وهبت أرضهم زورا وبهتانا لمن ليس لهم بها حق، وعاد أصحاب الحق فرائس يلتهمهم رصاص المحتل ليل نهار دون تفرقة. ليست مفارقة أن تكون آخر تغطية لك أذكرها لذكرى إحياء النكبة، نكبة شعب لن يثنيه ظلم الجلاد عن عدالة القضية والحق الذي لا يسقط بالتقادم.

لم تكوني مجرد مراسلة قضت بغدر المحتل في وضح النهار على مرآى ومسمع من عالم منحاز متعفن المعايير، لكنك كنتي حنجرة المقهورين وعيونهم الدامية وصوتهم الذي أريد له أن لا يسمع، لا بل كنتي لهم نبضا عندما اصم العالم السمع وغض البصر وادار لهم ظهره… كنتي كل ذلك، ذلك و أكثر. قد تتوالى محاولات إيجاد وصف للجريمة، ومحاولات إيجاد وصفا لك فتارة يقال أيقونة الصحافة، شهيدة الكلمة، الأخت والصديقة والزميلة الخلوقة، لكني أقول أن بغيابك يكمن المعنى الأصلي للحضور، فأنتي حاضرة شامخة حتى في الغياب، باقية بقاء حجارة القدس، مدوية كأجراس كنائسها شامخة شموخ مآذنها، بريئة كأطفالها، حالمة كطيورها مغردة لاقدرة للجلاد على كتم صوتك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وداعا شيرين فلترقد روحك بسلام في أحب المدن إليك.

الرابط مختصر: