وثائق إسرائيلية: “البنية الحمائلية للعرب كأداة للسلطة واستغلال حرب لطردهم”

سعت إسرائيل منذ تأسيسها إلى قمع الأقلية العربية الباقية في وطنها بعد النكبة، مثلما تظهر بروتوكولات في الأرشيف الإسرائيلي. وفي بداية ستينيات القرن الماضي، اعتبر قادة أجهزة الأمن الإسرائيلية أنه خلال السنوات التي انقضت منذ النكبة في العام 1948، وحتى مطلع الستينيات لم تُنفذ خطوات كافية من أجل قمع تطور المجتمع العربي. ووثقت بروتوكولات اجتماعات تعالي أصوات بين قادة الأجهزة الأمنية التي دعت إلى استغلال الحرب القادمة من أجل طرد مواطنين عرب.

وأحد الأمثلة على هذه السياسة، عندما قال المفتش العام للشرطة الإسرائيلية، يوسف نحمياس، خلال مداولات في العام 1960، إنه “يجب إبقاء الوسط العربي في أدنى مستوى ممكن من أجل ألا يفعل شيئا. ولم نصل بعد إلى حدود الظلم”، وأنه يجب عدم إثارة “شهية” العربي.

من جانبه، اعتبر رئيس الشاباك في حينه، عاموس مانور، بالمجتمع الحمائلي التقليدي العربي أنه أفضلية بالنسبة للحكم الإسرائيلي. وقال إنه “يجب ألا نحرك تحولات. ويجب الحفاظ على الإطار الاجتماعي الموجود… كأداة سلطوية”. وأضاف أن المتثقفين العرب سيشكلون “مشكلة”، وشدد على أنه “لسنا قلقين طالما أنهم أشباه مثقفين”. ودعا إلى أن تحافظ إسرائيل على “النظام الاجتماعي التقليدي” لأنه “يُبطئ وتيرة التقدم والتطوير”، معتبرا أنه كلما كانت عملية تقدم العرب أسرع “ستكون لدينا مصائب. وبعد 40 عاما ستكون لدينا مشاكل يستحيل حلها”.

وجرى توثيق هذه الأقوال في بروتوكوليْن شملهما ملفان في الأرشيف الإسرائيلي، تمت إزاحة تصنيفهما السري مؤخرا في أعقاب طلب قدمه معهد “عكيفوت” لبحث الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، وفق ما أشار الباحث في المعهد، آدم راز، في تقرير نشره في صحيفة “هآرتس” اليوم، الجمعة.

وجاء البروتوكول الأول بعنوان “ملخص جلسة بشأن الأقلية العربية في إسرائيل”، عُقدت في شباط/فبراير العام 1960، بناء على طلب أوري لوبراني، مستشار الشؤون العربية لرئيس الحكومة الإسرائيلية، دافيد بن غوريون. وشارك في هذا الاجتماع رؤساء الأذرع الأمنية التي تتعامل مع “القضية العربية”، وهو مصطلح متداول في تلك السنوات.

واحتوى البرتوكول الثاني، بعنوان “خطوط أساسية للسياسة تجاه الأقلية العربية في إسرائيل”، من تموز/ يوليو العام 1965، على عشرات الصفحات التي توثق أقوال مسؤولين آخرين ورؤساء جهاز الأمن الإسرائيلي. وهدف هذا البروتوكول تلخيص نتائج 17 عاما انقضت، منذ النكبة للسياسة المتبعة تجاه المواطنين العرب، والتوصية بسياسة ينبغي اتباعها في المستقبل القريب والبعيد.

وسعى رئيس الشاباك مانور إلى شرح أسباب منع المواطنين العرب من الحصول على تعليم وثقافة. واعتبر أنه “ليست البروليتارية هي التي تنظم الثورات، وإنما التنور المسمّن”. وأضاف أنه “يجب ممارسة كافة القوانين، حتى لو لم تكن ودية. ويجب التفكير بوسائل غير قانونية في حال عدم وجود خيار، وعندها ايضا فقط بشرط وجود نتائج جيدة… ويجب ممارسة السلطة بصرامة من دون أخذ الرأي العام بالحسبان”.

وقال رئيس شعبة العمليات الخاصة في الشرطة، أهارون شالوش، خلال المداولات في العام 1965، إن تعزيز البنية الاجتماعية العربية المحافظة، ربما يكون “رجعيا، لكن بواسطة هذه الأطر بإمكاننا أن نسيطر على الشارع العربي بشكل أفضل”.

وتنظر إسرائيل إلى الأقلية العربية على أنها “مسألة أمنية”. وتحدث المشاركون في الجلسة المغلقة منذ العام 1965 بصورة منفتحة. وقال يوسف هرملين، الذي خلف مانور في رئاسة الشاباك، إن “مصلحتنا هي الحفاظ على إسرائيل كدولة يهودية. وهذه هي المشكلة المركزية. وعندما نقول ’أمن’، فهذا هو المقصود. وليس ثورة ينظمها العرب”. وأضاف قائد الحكم العسكري، يهوشع فربين، أنه “لا توجد مشكلة عامة ليست أمنية”.

وأردف المفتش العام للشرطة، بنحاس كوبيل، أنه “يجب النظر إلى أي عمل كهذا ليس من خلال ما هو جيد للعرب، وإنما ما هو جيد لليهود”. وقال مدير عام وزارة الخارجية، موشيه كاشتي، “إني أؤيد الليبرالية في الاقتصاد. وأنا لسبب ما أعارض اللبْرَلَة لدى العرب”.

طرد العرب سيطر على قسم من صناع القرار الإسرائيليين

وطوال هذه المداولات تكرّر طرح سياسة طرد المواطنين العرب من إسرائيل. ولفت راز إلى أن الدراسات التاريخية الإسرائيلية أكدت على أن السياسة والخطط الفعلية لطرد المواطنين العرب، سيطرت على قسم من صناع القرار الإسرائيليين، حتى العدوان الثلاثي على مصر، في العام 1956. وتدل بروتوكولات من الستينيات على أن أفكارا مشابهة طُرحت في الستينيات أيضا.

وتساءل نائب مدير عام “مديرية أراضي إسرائيل”، رؤوفين ألوني، أنه “من الناحية النظرية، لو أردنا أن نفعل ما نشاء، ما الذي كنا سنتوق إلى تنفيذه؟”. وأجاب بنفسه على سؤاله، “تبادل سكان. أنا متفائل جدا بأنه سيأتي يوم، بعد 10، 15 أو 20 عاما، وعندما يكون هناك وضع كهذا، خلال حرب أو شيء مشابه لحرب، وفيما الحل الأساسي يكون نقل العرب. وأعتقد أنه ينبغي أن نفكر في ذلك كهدف نهائي”.

وتحدث ممثل الشرطة، أهارون شالوش، أيضا عن “هجرة”، وأوضح مباشرة أنه “في هذا العمل، لدينا يهودي نجح وطرد مدينة كاملة، المجدل في العامين 1949 – 1950″، وأشار إلى محاولات لإنشاء “أجواء هجرة في يافا”.

بدوره، قال رئيس الشاباك هلمرين إن الأقلية العربية لن تكون مخلصة للدولة أبدا، وإن “الحل عندها كان طرد العرب، لكن اليوم هذا حل نعرفه جميعا، وهو ليس عمليا”. وأضاف: “لدي عدة أفكار”، لم يشرحها بالتفصيل، من أجل “منع زيادة نسبة العرب” في الدولة.

وحذّر مستشار الشؤون العربية في وزارة الخارجية، عيزرا دانين، من أنه “كيف سنتوجه طالبين مساعدة هذا العالم الذي نحتاج إليه، فيما نحن ننفذ أفعالا ينفذها الفاشيون أو الإيرانيون؟”. وتساءل كيف ستتمكن الحكومة من الموافقة على “مقترح شيطاني” حول “تبادل سكان”، موضحا أن “تبادُل سكان لا يأتي من رفاهية. ويُنَفَّذ تبادُل سكان من خلال دفع الأمور في هذا الاتجاه”.

يذكر أن الحكم العسكري على الأقلية العربية، في الأعوام 1948 – 1966، كان الذراع الإسرائيلية المركزية لقمع المواطنين العرب. واعتبر رئيس الموساد، مئير عَميت، أن هذه السياسة كانت “مؤدبة جدا”. وقال إنه “ينبغي استخدام يد مشددة، ولكن ليس نصف طريق”، واعتبر أنه “لدينا سوط، ونصنع ضجة كبيرة به. نضرب بالهواء وتحت سطح الأرض ينمو كل شيء. ومن فضلكم، إذا كان بيدنا سوط؛ فلنضرب”.

واعتبر فاربين أن “العرب اليوم، ليسوا العرب الذين كانوا هنا قبل 17 عاما. جيل الصحراء أخذ يموت. وهؤلاء الذين أخفناهم، أولئك الذين أخذنا بيوتهم، هم الطيبون، ونحن نتدبر أمرنا معهم… لقد طردنا قرابة نصف مليون عربي، أحرقنا بيوتهم، نهبنا أراضيهم – وبالنسبة لهم، لم نعدها، أخذنا أراض… ونحن نريد أن نقول لأنفسنا: ’أنتم العرب عليكم أن تفرحوا بسبب ما نفعله’، لكننا نهبنا الأراضي ونواصل نهبها، وبالنسبة لنا هذا تخليص الجليل. وافتعال كارثة حرب، يتم طرد العرب في ظلها ليس واردا بالحسبان”.
ورفض فاربين انتقادات حول قسوة الحكم العسكري، وقال إنه “إذا كان هناك شيء يخيف العرب فهي دولة إسرائيل… الييشوف والمؤسسات هم أكبر معادي السامية تجاه المشكلة العربية. وإذا كان هناك أمر ما يقسو في الموضوع العربي، فإنه الييشوف (الدولة) كله. الييشوف يخيفه وسيخيفه لسنوات كثيرة”.

ولفت راز إلى أنه بالرغم من الإعلان رسميا عن إلغاء الحكم العسكري، “لكن الوضع ليس بهذا الشكل الآن. وعمليا، المفهوم الذي عبّر عنه قادة جهاز الأمن، مستمر في تعريف تعامل دولة إسرائيل مع مواطنيها العرب. وتبقّى فقط الانتظار عشرات السنوات كي نعرف ما الذي يفكر به قادة جهاز الأمن الآن عن العرب”.

الرابط مختصر: