مفاز يوسف: في مشهد الكبار.. قطر ودبلوماسية الإنجاز

بعد نجاح الحوار بين أمريكا وطالبان في الدوحة، والذي ترتب عليه تسريع خروج القوات الأجنبية من أفغانستان، فإن هذا بالمعيار الدبلوماسي يعتبر إنجازاً عالمياً لدولة قطر ولسياساتها الخارجية الفاعلة على مستوى دول المنطقة والعالم. كما أن الزيارة التي قام بها الشيخ طحنون؛ مستشار الأمن الوطني بدولة الإمارات، لقطر ولقائه بالشيخ تميم أمير البلاد، بعد قطيعة في العلاقة بين البلدين منذ العام 2017، هي في الحقيقة خطوة يمكن فهمها بأنها مقدمة لانفراجة قريبة في علاقة الجوار الأخوية، وعودة للتعاون والتواصل بين الشعبين الشقيقين.

وإذا نظرنا لهذه المتغيرات المهمة في سياق ما سبق ذلك، وما أعقبه من تحركات تمثلت في عدد من اللقاءات رفيعة المستوى للشيخ تميم، والتي كان من أهمها مشاركته في قمة العلا لدول مجلس التعاون الخليجي ولقائه بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وبعد ذلك بالرئيس السيسي والشيخ محد بن راشد في قمة بغداد الأخيرة، فإن ذلك مؤشر على قرب نهاية سياسة الحصار التي تعرضت لها دولة قطر، والتي ناضلت دبلوماسيتها بهدوء وحِرفية لتفكيكه وإفشال تأثيراته.

اليوم؛ يحق لقطر أن تُباهي بمكانة دبلوماسيتها في ملعب الكبار، وأن هناك بيدها ما يزال الكثير من الملفات التي يمكنها الدخول على خطها والإسهام في حلِها، بغية تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية والحرب في اليمن.

قطر.. مجرد ملاحظة

من البديهي القول: إن مكانة الدول وهيبتها لها علاقة بحجم الجغرافيا وعدد السكان وما تمتلكه من الثروات الطبيعية والقدرات العسكرية والعلمية، كما أن الإنجاز في استقرار العلاقة مع الآخرين في مجال التجارة والسياسة الدولية يؤهل الدولة؛ أي دولة وإن كانت صغيرة، أن تفرض احترامها حتى بين الكبار.

وإذا تتبعنا مسيرة دولة قطر منذ تعرضها للحصار من أشقائها في الجوار إضافة لمصر قبل خمس سنوات، وكيف تمكنت عبر دبلوماسيتها ونعاطف الكثيرين مع مظلوميتها من تجاوز سياسة الاحتواء، والخروج الآمن من طوق دول الحصار، عبر بناء العديد من الصداقات والتحالفات مع قوى إقليمية ودولية، أعطت لمكانتها في مشهد الحكم والسياسة الحصانة النسبية والأمان، مما منحها -رغم صغر مساحتها وتعداد سكانها- أن تلعب دوراً أممياً مميزاً، تجلت بعض فصوله في أفغانستان، حيث أقنعت كلّاً من الأمريكان وطالبان للجلوس على طاولة الحوار في الدوحة للتفاوض حول مستقبل أفغانستان، وتمكنت بعد عامين من استضافة الحوار على أراضيها من تحقيق ذلك، كما لعبت دوراً إنسانياً في إجلاء رعايا دولٍ عديدة، وهو ما استوجب إشادة العديد من رؤساء دول العالم بدورها الإيجابي، مثل: بايدن وميركل وماكرون ومودي وآخرون.

قطر وسياسة الانفتاح ومراكة الإنجاز!!

لم يكن وقع الإعلان عن حصار قطر في الخامس من يونيو 2017 بالأمر الهيِّن، خاصة وأنه جاء مفاجئاً ومن دولٍ أعضاء في مجلس التعاون الخليجي!!

تحركت الدبلوماسية القطرية بسرعة بعد أن أدركت حجم المؤامرة عليها، فرتبت أمور بلادها مع كل من إيران وتركيا وعُمان لتأمين احتياجاتها العاجلة الاقتصادية والأمنية، وأطلقت حملتها العالمية لتظهير مظلوميتها لكسب الدعم والنصرة لرفع الحصار الجائر الذي وقع عليها.

في لعبة الكبار، كانت قطر تعرف أن منطق الاستجداء وحده لا يكفي، وأن عليها تحريك دبلوماسيتها والرهان على لغة المصالح، من خلال تحشيد اللوبيات السياسية والإعلامية، وكسب مواقف رجال المال والأعمال في الغرب، عبر التلويح بورقة الاستثمارات القطرية الهائلة في أوروبا وأمريكا وحول العالم، وذلك بهدف تشكيل حاضنة للضغط على خصومها من دول الحصار.

استقدمت قطر باتفاقية عسكرية آلاف الجنود الأتراك، وعقدت تحالفاً استراتيجياً مع الرئيس أردوغان تجاوزت فيه توفير الحماية لحدودها إلى بناء شراكات اقتصادية، وتقديم قروض وودائع مالية لتركيا لتأكيد مصداقية هذه الصداقة في سياق المصالح التي تحكمها المبادئ والأخلاق.

قبل طوق دول الحصار الأربع، كانت قطر ومن خلال دبلوماسيتها النشطة تقيم علاقات متميزة مع بعض دول الجوار كإيران والكويت وعُمان، وفي محيطها الإقليمي ليست لها خصومات سياسية مع أحد، كما أنها تتمتع بتحالفات وصداقات استراتيجية مع كل من أمريكا وروسيا الاتحادية، حيث تمثل قاعدة العيديد ومقرها قطر واحدة من أهم القواعد الأمريكية العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، وقامت بشراء طائرات حربية (F15) بقيمة 12 مليار دولار، إضافة لاستثمارات مالية في مجال الطاقة بحوالي 10 مليارات دولار مع شركة إكسون موبيل الأمريكية، كما أن التفاهمات القائمة بين روسيا وقطر حول انتاج الغار وتسويقه تشهد تفاهماً واستقراراً مريحاً بين الطرفين.

لم تنجح دول الحصار في مسعاها باتهام قطر بدعم الإرهاب، حيث احتضنت الدوحة مقر “المركز الدولي لتطبيق الرؤى السلوكية لمكافحة الإرهاب”، ويعد هذا المركز هو الأول من نوعه على مستوى المنطقة والعالم لمكافحة الإرهاب والتطرف، وقامت قطر بتقديم مساهمة مالية لإنشائه وتنفيذ برنامج عمله، وهو ما يدحض الاتهامات الموجهة إليها، ويثبت مشاركتها الفاعلة في الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب والتطرف.

لقد تمكَّنت قطر عبر دبلوماسيتها وعلاقاتها مع الإسلاميين المعتدلين التخفيف من حدة العداء القائم مع العالم الغربي وانتهاج سياسة الحوار بدل العنف والمواجهات المسلحة، ولعل السياسة القطرية في هذا المجال أظهرت بعض النجاحات على أكثر من ساحة عربية وإسلامية.

الحرب الدعائية.. العين بالعين

وظَّفت دول الحصار ملايين الدولارات في أعمال الدعاية لاستهداف قطر ومحاولة عزلها عن العالم، إلا أن قطر أطلقت العنان لأذرعها الإعلامية للقيام بحملات مضادة، وكان لشبكة الجزيرة الفضائية الأوسع انتشاراً في العالم العربي، والأكثر مشاهدة بين الجاليات المسلمة في الدول الغربية الدور الأكبر في إظهار “مظلومية قطر”، وكشف الكثير من جوانب المكر والاستهداف الذي تقوده دول الحصار.

كانت فضائية الجزيرة التي تتمتع بسمعة عالمية هي رأس الحربة في معركة قطر الإعلامية، إضافة لعشرات القنوات الأخرى ومراكز الدراسات والأبحاث، التي تمَّ تجنيدها أو كسب تعاطفها حول العالم.

لا شكَّ أن قطر نجحت في كسب معركة الرأي العام، ليس فقط في العالم العربي وبين الإسلاميين، بل أيضاً الجاليات المسلمة حول العالم، وهي تستعد الآن لاستضافة أكبر مونديال رياضي عالمي خلال العام القادم، وهو ما سيمنحها مع توافد عشرات الآلاف من الزائرين الأجانب وملايين المشاهدين للمونديال حول العالم ما تستحق من مكانة لها بين دول المنطقة، وأن المنزلة التي تتطلع لكسبها عالمياً ستشهد هي الأخرى إطلالة أكبر من مجرد اسم “قطر” على فانيلات مشاهير الأندية الرياضية الأوروبية واللاعبين الدوليين.

باختصار: الدبلوماسية القطرية كان لها السهم الأكبر في التغلب على الحصار وعودة الاستقرار نسبياً لمنطقة الخليج، وتـكيد حضورها في ملعب الكبار كما أثبتت الشواهد في أفغانستان.

الرابط مختصر: