مصطفى ابراهيم: محاولة احياء السلطة

يبدو أن الرئيس محمود عباس لم يسمع تصريحات رئيس الحكومة الاسرائيلية الجديدة المحتملة ورئيس حزب يمينا اليميني المتطرف أن هذه الحكومة ليست ذاهبة نحو خطة فك ارتباط جديدة، ولا نحو “اتفاق أوسلو” آخر، وهي حكومة يمينية تستند الى قاعدة يمينية متطرفة عريضة. لكنه سمع من الامريكان والاوربيين إن إمكان تحقيق هدوء طويل المدى مرتبط بمسار سياسي يتعلق ربما بمحاولة إحياء المفاوضات، مع أنه أمر شبه مستحيل، وأن إسرائيل قوضت أسس أي عملية سياسية يمكن المضي فيها وفق قرارات الأمم المتحدة.

انتهت الجولة الدموية التي اتركبتها قوات الاحتلال الاسرائيلي ضد الاطفال والنساء ومنازل الفلسطينيين في قطاع غزة وتدمير البنية التحتية، لكن العدوان وجرائم الحرب لم تتوقف، وتحاول إسرائيل فرض شروط اضافية لاستمرار قتل الفلسطينيين وتشديد العقوبات الجماعية والحصار على القطاع.

توقفت المقتلة الى حين موعد أخر لتجددها، ويبدو ان الرئيس عباس لم يسمع عن وحدة العقول والقلوب بين الفلسطينيين في الداخل والخارج، وتجسيد مقولة أن الفلسطيني هو الفلسطيني وانه لا ينسى ولن ينسى وطنه وحقه في الحرية وتقرير المصير.

ويبدو أنه لم يسمع ولم يعرف عن ما جرى من جرائم في القطاع وصمود الناس والمقاومة وما حققوه على رغم الالم والوجع من إنجازات ضد دولة الاحتلال، وأن ما قدمته المقاومة من دعم واسناد لهبة القدس والدفاع عن المسجد الأقصى استجابة لنداءات الفلسطينيين، وان هبة القدس ووحدة الشعب الفلسطيني في الدفاع عن القدس والاقصى وحي الشيخ جراح ومقاومة غزة وانجازاتها هي التي جلبت كل العالم وفي مقدمتهم الاميركان شركاء اسرائيل في المقتلة والاوربيين المنافقين الى طاولة الفلسطييين ومحاولتهم تسكين وتهدئة الاوضاع في فلسطين.

الرئيس عباس الذي التقط مكالمة جو بايدن وزيارة وزير خارجيته الى رام الله وتحركات الادارة الامريكية ومحاولات احياء عظام رميم القيادة والسلطة، بذريعة إعادة الاعمار وامكان البحث في حل سياسي، ولم يفكر في الحديث عن شروط اسرائيل والولايات المتحدة والاوربيين ومن خلفهم انظمة عربية بضرورة اعادة إعمار ما دمرته ماكينة القتل والتدمير الاسرائيلية في القطاع، بواسطة السلطة الفلسطينية.

في طريق الذهاب إلى القاهرة، ولا آمال كبيرة في تغيير شيء حقيقي في الوضع الداخلي، فالمواقف ثابتة، السلطة متمسكة بموقفها بتشكيل حكومة تلتزم بشروط الرباعية الدولية سيئة الصيت، وانها الوحيدة المسؤولة عن الاعمار، وكأنه الموضوع الوحيد على أجندة الاجتماعات في القاهرة واهتمام الفلسطينيين على أهمية إعادة الاعمار، لكن ليس بشروط إعنار غزة إثر عدوان العام 2014، وخطة سيري للرقابة على الاعمار وتماهي السلطة معها.

لقد رافقت عملية إعادة الإعمار في قطاع غزة على اثر عدوان 2104 قيود واشتراطات اسرائيلية ودولية عبر فرض رقابة آلية صارمة والتي تبنتها الامم المتحدة وفقا للشروط الاسرائيلية والدولية والسلطة وافقت عليه وكان هذا سبب في عرقلة إعادة الاعمار الذي لم ينته إلى يومنا.

وكان للانقسام السياسي والتجاذات السياسية وتعدد اطراف الاعمار اثار كارثبة على اتمام عملية اعادة الاعمار، وهدر في الاموال والوقت وجزء من الاموال خصصت للاغاثة الانسانية، وكان يجب ان تكون لفترة زمنية محددة، والخشية قائمة من تكرار تجربة 2014، اذ أن هناك عجز بنحو ٥٠٠ مليون دولار، والسلطة تتحمل المسؤلية عن جزء هذا العجز.

وبعد 20 يوماً من توقف المقتلة وحكومة السلطة الفلسطينية لم تقدم حتى الان خطة انعاش مبكر للاوضاع الانسانية، ولم تقم بأي رد فعل لاجراء مشاورات مع اطراف عملية الاعمار، من القطاع الخاص والمجتمع المدني

قيادة المنظمة والسلطة وفتح في غيبوبة من التغيرات التي حدثت قبل العدوان الاخير على القطاع، وتردد الشعارات نفسها والخطاب ذاته وكأنه لم يحدث تغيير خلال الشهر الماضي. ويعتقد الرئيس عباس والسلطة أن الاوضاع كما هي وان ما تبقى له من ما يسمى شرعية دولية تمنحه الحق في الاستمرار في الحكم وفرض شروط السلطة على الفلسطينيين، وسلب حقهم في التغيير والتعبير عن إرادتهم بضرورة التغيير، واشراكهم في اتخاذ القرارات التي تتعلق بمصيرهم وحقهم في مقاومة الاحتلال بكافة الوسائل المشروعة واعادة بناء تركيبة النظام الفلسطيني ومؤسساته التي ينخرها الفساد والمحسوبية والزبائنية.

ان محاولة احياء السلطة هو ضرب من الخيال في ظل التغيرات الفلسطينية الداخلية وحالة الغضب على القيادة الفلسطينية التي لم تستطع التقاط الفرصة، وان حوار القاهرة هو اعادة انتاج حورات سابقة ومضيعة للوقت لم تعد تقنع الفلسطينيين.