مهند عبد الحميد: قضية الأسرى مرشّحة لإحداث الفرق

التعامل الإسرائيلي مع الأسرى الفلسطينيين من أكثر القضايا إشكالية وكارثية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وحدها دولة الاحتلال تقرر كيفية التعامل مع الأسير الفلسطيني من طرف واحد وبمعزل عن المعايير الدولية المعتمدة والمأخوذ بها في الصراعات الدولية، كاتفاقات لاهاي 1899 – 1907 واتفاقيات جنيف للعام 1949 وبروتوكول العام 1977.
هذه الاتفاقات التي تنطبق على حركة التحرر الوطني الفلسطيني ومناضليها ومناضلاتها منذ اندلاع الصراع.
لم يكن هذا اجتهاداً فلسطينياً بل هو سياسة دولية مقرة، فقد اعتمدت هيئة الأمم المتحدة والمؤسسات المنبثقة عنها تلك المرجعيات في تعاملها مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي كونها تنطبق عليه، وأصدرت مئات القرارات التي تعترف بحركة التحرر الوطني الفلسطيني وبحقها في مقاومة الاحتلال وتقرير المصير، والسيادة على بلدها ما بعد الاحتلال، وبإدانة كل الانتهاكات الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني.
بناء على ما تقدم فإن كل شخص فلسطيني ينتمي إلى حركات وتنظيمات التحرر الفلسطيني أو يدعمها هو مناضل شرعي وله الحق في التمتع بصفة أسير حرب إذا ما جرى أسره أو اعتقاله.
دولة الاحتلال ترفض الاعتراف بحالة النزاع المسلح الدولي مع المقاومة الفلسطينية، وتعتبر أن اتفاقية جنيف الثالثة تخص الدول الموقعة عليها ولا تخص تنظيمات، مع أن منظمة التحرير ولاحقاً دولة فلسطين تحت الاحتلال اعترفت باتفاقات جنيف، وهناك نص صريح في البروتوكول يتحدث عن فصائل وتنظيمات إضافة للدول.
وتعتبر أن المقاتلين الفلسطينيين غير قانونيين ولا تنطبق عليهم اتفاقية جنيف الثالثة بخصوص معاملة الأسرى.
وتعتبر سلطات الاحتلال أن «القانون الإسرائيلي هو المرجعية الوحيدة، وهو يشمل كافة القواعد العرفية اللازمة لمراعاة المعايير الإنسانية العامة».
واقع الحال، تتعامل دولة الاحتلال مع التحرر الفلسطيني بمختلف أشكاله باعتباره ممارسات خارج القانون، وتتعامل مع المقاومة بوصفها أعمال إرهاب، وتعتبر أن الذين يقاومون هم محض إرهابيين.
تتساوى في ذلك المقاومة الملتزمة بتعاليم القانون الدولي مع مقاومين غير ملتزمين.
وهي خلافاً لادعائها لا تطبق القانون الإسرائيلي على الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، بل تستحضر قوانين العهد العثماني وقوانين طوارئ الانتداب البريطاني مضيفة لها مجموعة كبيرة من القوانين والأوامر العسكرية، وكلها تتناقض مع القانون الدولي واتفاقاته ومعاهداته وملاحقه، ومع «القواعد العرفية اللازمة لمراعاة المعايير الإنسانية التي يشتمل عليها القانون الإسرائيلي!» مقدمة بذلك أبشع نموذج استعماري في التعامل مع الأسرى.
الحكم بالسجن المؤبد هو أقصى عقوبة في القانون الإسرائيلي للجرائم الجنائية ويستغرق 25 عاماً يقضيها المحكوم بجريمة داخل السجن، وفي الكثير من الحالات يصدر رئيس الدولة قراراً بالإفراج عن المحكومين بعد قضاء ثلثي المحكومية أي بعد 16 عاماً.
المؤبد بالنسبة للمسجون الفلسطيني يستغرق 40 عاماً من السجن، وهناك مشروع قرار جديد يدعو لرفعه إلى 60 عاماً.
أما السجن مدى الحياة فيستمر المعتقل إلى آخر يوم في حياته. المؤبد أو مدى الحياة لكل فلسطيني قام بقتل إسرائيلي سواء كان جنديا أو مستوطناً أو مدنياً.
وتسمي إسرائيل المقاومين الذين قتلوا إسرائيليين أثناء الاشتباك أو الحرب «بأصحاب الأيادي الملطخة بالدماء»، وقد رفضت الإفراج عنهم بعد إبرام اتفاق أوسلو واستمرت في أسرهم وما زالوا في السجن حتى الآن.
أما الجنود والمستوطنون الذين يقتلون شباناً أو أطفالاً فلسطينيين فالحكم يختلف جذرياً.
على سبيل المثال، الجندي اليئور عزاريا أدين بقتل الشاب الفلسطيني الجريح عبد الفتاح الشريف بتوثيق كاميرا منظمة بيتسليم الإسرائيلية، حكم بالسجن 18 شهراً، وأفرج عنه بعد قضائه تسعة شهور من السجن.
وبالمثل أصدرت محكمة إسرائيلية حكماً مخففاً وشكلياً – بالحبس 45 يوماً على ضابط إسرائيلي قتل الصياد الفلسطيني نواف أحمد العطار (23 عاماً) في العام 2018 صدر الحكم العام 2020. وجاء الحكم على جندي إسرائيلي من – لواء جفعاتي – قتل الطفل الفلسطيني عثمان رامي حلس (15 عاماً) من قطاع غزة بالخدمة المدنية مدة ثلاثين يوماً، وتنزيل رتبته إلى جندي أول. قائمة هذا النوع من الأحكام التي تستهين بحياة الفلسطينيين تطول.
مقابل ذلك وصل عدد الأسرى الذين صدرت بحقهم أحكام بالسّجن المؤبد إلى (543) أسيراً فلسطينياً وفاقت الأحكام الإسرائيلية بحقهم أعلى الأحكام في العالم.
إذا توقفنا عند الأسرى الأعلى أحكاماً، سنجد الأسير عبد الله البرغوثي 67 مؤبداً والأسير إبراهيم جميل حامد 57 مؤبداً والأسير حسن عبد الرحمن سلامة – قطاع غزة 48 مؤبداً و20 عاماً والأسير محمد عطية أبو وردة – الخليل 48 مؤبداً والأسير ناصر موسى عبد ربه – القدس 37 مؤبداً والأسير محمد حسن عرمان – رام الله 36 مؤبداً والأسير عباس محمد السيد – طولكرم 35 مؤبداً و150 عاماً والأسير وائل محمود قاسم – القدس 35 مؤبداً و50 عاماً والأسير أنس غالب جرادات – جنين 35 مؤبداً و35 عاماً والأسير سعيد حسام الطوباسي – مخيم جنين حكم عليه بالسجن 31 مؤبداً و50 عاماً.
لماذا تنفرد دولة الاحتلال دون غيرها من الدول في هذا الموقف العدمي المتطرف من الأسرى الفلسطينيين.
حتى معتقل غوانتانامو الأميركي المعروف بتشدده مع أفراد «القاعدة» وطالبان الضالعين في تدمير أبراج التجارة في نيويورك نجد أنه صدرت على ثمانية معتقلين من أصل 779 معتقلاً أحكام وسرعان ما ألغى القضاء الأميركي الأحكام الصادرة على اثنين منهم، بينما قدم اثنان طلبات استئناف وأعيد أربعة إلى بلدانهم، وبالمحصلة حوكم التنزاني أحمد الجيلاني فقط بالسجن المؤبد. وأعيد أكثر من 600 معتقل إلى بلدانهم أو نقلوا إلى بلدان أخرى وجرى تبادل خمسة من قادة حركة طالبان مقابل جندي أميركي.
الموقف الإسرائيلي المتعنت من الأسرى الفلسطينيين وثيق الصلة بالتنكر الإسرائيلي للحقوق الفلسطينية المشروعة المعرفة بالقانون الدولي وبرفض أي حل سياسي ينهي احتلال أراضي العام 67.
كما أن السعي الإسرائيلي المحموم لكسر إرادة التحرر الوطني الفلسطيني وثيق الصلة بالسعي المحموم لكسر إرادة الأسرى المتشبثة بالحرية.
الترابط بين التحرر وقضية الأسرى يطرح أهمية تبني سياسة بديلة عن السياسة المفككة السائدة اليوم.
سياسة تقوم على الشروع بمعركة قانونية مفتوحة هدفها بناء موقف حقوقي فلسطيني وعربي وعالمي، وإسرائيلي – المقصود قوى سلام حقيقية – يلتزم بالقانون الدولي ويحاسب المتمردين عليه ويُدَفِّع الحكومة الإسرائيلية ثمن انتهاكاتها للقانون الدولي الخاص بقضية الأسرى الفلسطينيين. وحدة الحركة الأسيرة داخل المعتقلات ووضع مهام وأهداف ومطالب مشتركة لكافة الأسرى ووضع نهاية للتفكك ولخصخصة الإضراب. من داخل معتقلات الفصل العنصري توحد أسرى الحرية الجنوب إفريقيين ووحدوا معهم عموم الشعب وانتزعوا حريتهم وقرروا مصيرهم، ولمَ لا نحذو حذوهم من داخل المعتقلات الإسرائيلية الصغيرة والكبيرة.

الرابط مختصر: