سما حسن: قتلني أبي

هكذا بسرعة انتهت الحكاية، بنت صغيرة كانت ترى فيه ملاذها وأمانها، أغلقت عينيها للمرة الأخيرة وهو يضربها بكل قوة وعنف ويسلبها حياتها التي بالكاد بدأت، هكذا بكل سهولة انتهت حياة الطفلة التي انهال عليها والدها ضرباً؛ في البداية ضربها بالعصا، وحين انكسرت العصا ضربها بأنبوب مطاطي قاس وطويل وبالطبع فهو أكثر إيلاماً، هكذا قرر أن يضربها، أولاً لأنها بنت وثانياً انه لم يعد يحتمل، ولأنه لم يعد يحتمل فقد انهال على فلذة كبده ضرباً.
لماذا لم يعد يحتمل، لأنه أصبح أباً وهو غير معد لذلك ولا يعرف من الأبوّة سوى اسمها، جاءت طفلة ملحقة باسمه، وعليه ان يربيها، البعض قال إنها قد أخطأت وقد انهال عليها ضرباً ليربيها، والبعض انتحل له العذر، فمن حق الأب ان يربي ابنته وان «طلع لها ضلع اكسر لها أربع وأربعين ضلعاً»، يعني يجب ان تضربها وتقوّمها قبل ان تفتح عينيها على حقوقها مثلا في مجتمع ظالم، وفي مجتمع ذكوري، وفي مجتمع يمنح الأب كل الصلاحيات لمجرد أنه الأب.
قالوا إنها تعيش بلا أُم، ولو أنها بلا أُم فعلاً فالأدعى أنها بحاجة للحب والحنان والرعاية من الأب لكي يعوضها، فهي ليست مسؤولة بأي صورة من الصور عن انفصال الأبوين أو عدم اتفاقهما، وكثيراً ما عاش الوالدان بلا انفصال فعلي وتحت سقف واحد ودفع ثمن ذلك الأبناء.
قُتلت الطفلة التي تسمى حنان على يد والدها بعد أن انهال عليها ضرباً، وقد ادعى انها تعاني من مس من الجن، ويجب ان تُضرب لكي تُشفى، وهذه الحالة ليست الأولى ولا الأخيرة، فكثيراً ما سمعنا عن حوادث سُجلت لقتل فتيات بدعوى إخراج الجن المتلبس من أجسامهن، والغريب أن الجن لا يتلبس غالباً سوى الفتيات، وكأنه يختار الحلقة الأضعف في المجتمع أيضا، وكأنه يتآمر مع البشر على بنات حواء!!
الفتاة الصغيرة أُزهقت روحها، ولها صورة وهي تبتسم بملابس المدرسة، لها ضحكة لا تزال تشرق على الحياة حتى أُطفئت، وفي عينيها لمعة سرعان ما انطفأت تحت ستار الأبوّة المزيفة والجهل والادعاء بالوصاية.
الفتاة الصغيرة ضحية لأسباب كثيرة، ضحية التفكك الأسري لو كان موجوداً كما روّج البعض، وضحية لمفهوم الأبوة الخاطئ والذي يمنح الأب الحق في ضرب ابنته بهذا الجنون، وكأنها دابة وليست كائناً من لحم ودم، حتى يخرج تقرير الطب الشرعي بأنها قد ماتت نتيجة لصدمة دموية عصبية عنيفة.
لا يمكن لهذا الجسد الصغير أن يحتمل كل هذا العنف، وربما صدمتها النفسية بأن الأب الذي يفترض أن يحميها
هو الذي يفعل ذلك، بدلاً من ان يربّت عليها ويحتضنها ويحميها، وتذكرَت ربما في لمحة خاطفة كم جرت نحوه وهي تحتمي من أخيها الأكبر حين كانا يلعبان، وقد كان يحميها فعلاً ويدافع عنها، فما الذي حدث وتغير اليوم؟، هل الحياة تضغط على هذا الأب بظروفها أم انه ينتقم من شيء بها وعن طريقها؟ أم انه يريد أن يثبت للإنس والجن انه الأب صاحب الولاية والوصاية؟ لماذا تحول إلى وحش في لحظة وانهال عليها بكل هذه القسوة؟ هل نسي كم مرة ركضت نحوه ووضعت في فمه بقايا قطعة حلوى، وكم مرة ناولته «البشكير» ليجفف عرقه، وكم مرة أدنت منه «شبشب» الحمام لكي يدلفه بسرعة، كم مرةً وكم مرة كانت قريبة من مواقع عينيه ويديه، ولكنها هذه المرة قريبة لدرجة أنها قد أصبحت فريسة وضحية.
قضية قتل هذه الفتاة قبل يومين في غزة قد لا تكون الأخيرة ويجب استخلاص العبر منها، ويجب قبل كل شيء دراستها بكل جدية وخطورة وبيان أبعادها، وبأنها سوف تجر الكثير من القضايا بعدها، وسوف تفتح باباً مغلقاً لتداعيات خطيرة في مجتمع غزة وقد أصابه ما أصابه من ويلات بسبب الحروب والظروف الاقتصادية والانغلاق الذي أصبح يعيشه الناس بسبب الحصار، والبعد عن المواجهة الفعلية مع العالم الذي ينادي بحرية الأنثى.

الرابط مختصر: