حسن خضر: عناق الرجل والكلب..!!

أعتقد، وخلافاً للسائد، أن أكثر مشاهد البؤس الإنساني عنفاً، وبلاغة، هي أقلها دماءً وصخباً، وأكثرها همساً، فهي أقرب ما تكون إلى لوحات بألوان مائية شفّافة وغائمة.
رأيتُ الكثير من مشاهد البؤس، وسحق الإنسان، في مناطق مختلفة من العالم.
وما سقط منها من الذاكرة، غالباً ما ينجح مؤثّر خارجي في استدعائه، وبكل نضارته وقسوته الأولى، أحياناً.
وبهذا المعنى، نجح كتاب وقعت عليه العين، بالصدفة، وحرّضت عليه رغبة في التسلية لا القراءة الجادة، في شرفة تطل على غابة في الريف الألماني، في استدعاء ذلك المشهد البعيد، والوقوع في أسر الكتاب نفسه. الكتاب بعنوان “بين عالمين: الهرب من الطغيان، والعيش في ظل صدّام” (2006) لعراقية تدعى زينب سلبي.
ودلالة النجاح، هنا، السرعة التي انحسرت بها رغبة أوّلية في التسلية، والعودة السريعة لمشهد ينتمي إلى زمان ومكان بعيدين، إلى شارع أبي نواس، على الضفة الشرقية لدجلة، جهة الرصافة، في بغداد أواخر سبعينيات القرن الماضي.
كان الشارع، الذي زيّنته وتناثرت في وسطه، وعلى جانبيه، مصابيح كهربائية جديدة، ومطاعم السمك النهري، وأجمات الورود وأشجار الزينة، والمقاعد الخشبية الجديدة، أيضاً، ملاذ الهاربين من قيظ بغداد اللاهب في وقت متأخر من أمسيات الصيف.
وكان الشارع، بكل مكوّناته البصرية، صورة مجازية لبغداد البعث الصدّامي، في حينها: غنيّة وقويّة وفتيّة، لديها من عائدات النفط، وبلاغة الحكّام الجدد، ما يؤثث عالمي الليل والنهار بشواهد إضافية ويومية عن التفاؤل بغد أفضل، وفي جنباتها زوايا معتمة تتوالد فيها كوابيس لم تتضح ملامحها بعد، حتى وإن لاحت أشباحها المُرعبة من بعيد.
يصح الكلام، اليوم، بأثر رجعي، عن الأجمة التي أحاطت بالمقعد الخشبي على حافة دجلة، كواحدة من تلك الزوايا المُعتمة. اقترب منها، في ذلك المساء البعيد، رجل يبدو أنه خرج من أحد البارات التي يغص بها المكان، والشوارع القريبة (شهدتُ، أيضاً، وجود نادٍ واحد، على الأقل، للرقص العاري “ستربتيز”).
ومن الواضح أن السكر أفقده القدرة على التحكّم بالجسد واللسان، في آن.
ارتمى الرجل بجسده على مقعد مجاور. لم ينتبه إلى وجودي. كان غارقاً في نحيب خافت يعرف العالمون بتقاليد الشجى العراقية أنه نوع من الغناء، وفي ابتكار شتائم يعرف العالمون بأحوال القمع أنها تصب سيلاً من الألفاظ البذيئة على رأس النظام.
لا مثيل في الكون، كله، لمذاق الشجى الكربلائي، الذي تعتق على مدار قرون طويلة في مفردات العراقيين والعراقيات، وحبالهم الصوتية، وعلاقتهم التراجيدية بالعالم.
بيد أن هذا كله لا يشكل مشهداً، ولا يكتمل، بالتصعيد الدرامي، دون توفّر مفارقة من نوع ما.
وتلك كانت إضافة الكلب إلى مشهد صار جزءاً من مكوّناته العضوية. أتكلّم، هنا، عن كلب حقيقي كان في لهاثه، وتدلي لسانه، ما يدل على هروبه من قيظ الصيف، وفي عينيه الزائغتين ما يدل على فقدان الثقة ببني البشر، وسوء معاملة أكيدة على يد السكارى، وغيرهم، في ذلك المكان.
استوقف صوت النحيب الكربلائي (سمّه الغناء، إذا شئت) الكلب. ويبدو أن وقوفه، المفاجئ، قبالته استرعى انتباه الرجل، أيضاً. حدّق كلاهما في الآخر لبرهة بدت طويلة.
لم يكف الأوّل عن اللهاث، ولا كف الثاني عن التمايل بجسده، وتتبيل الشتائم بالغناء.
وقد بلغ هذا كله خاتمة مفاجئة، نجمت عن تفاهم وتفهّم ضمنيين وصامتين، مع اقتراب الكلب، مسرنماً، من الرجل، والارتماء دفعة واحدة بين ذراعيه.
كان في مشهد العناق بين كلب لاهث، فقد كل احتمال للثقة ببني البشر، ورجل يغني باكياً، أو يبكي غناءً، على حافة النهر، ما اختزل في ذهني، في ذلك المساء البعيد، وما يختزل الآن، أكثر تجليات سحق الإنسان، في ظل أنظمة القمع، عنفاً وبلاغة.
تلك كانت أيام انهيار الجبهة الوطنية، التي ضمّت الشيوعيين والبعثيين، وآخرين، وبداية قتل المعارضين من حلفاء الأمس القريب، والعثور على جثث مجهولة الهوية في النهر والشوارع، وبداية التمهيد لانتقال صدّام حسين من مرتبة الرفيق المناضل، والسيّد النائب، إلى السيد الرئيس، والقائد الضرورة. وبداية استيلاء ريفيين غلاظ القلوب، وأشباه متعلمين، من منطقة واحدة، وعائلة ممتدة واحدة، على مفاتيح “السلطة والثروة والسلاح” في عاصمة الرشيد.
وتلك، أيضاً، كانت بداية ثلاثة عقود تحوّلت فيها الدولة إلى “جهاز لإدارة التوحّش”.
أعرف، طبعاً، أن توحّشاً لا يقل قسوة وفظاعة عن الأوّل أعقب انهيار النظام الصدامي. ولكن هذا موضوع آخر. فما يعنينا، الآن، أن زينب سلبي، المولودة في العام 69 نشأت في تلك السنوات، وكانت محظوظة ثلاث مرّات:
لأنها تنتمي إلى عائلة أرستقراطية، بمقاييس الثروة وتراتبية مجتمع بغداد، السابقة لوصول البعث إلى السلطة، ولأنها ابنة طيّار لامع في الخطوط الجويّة العراقية سيصبح الطيّار الخاص لصدّام حسين في وقت ما، ولأن الطيّار اللامع وأفراد عائلته أصبحوا جزءاً من “أصدقاء” صدّام حسين، ودائرته الاجتماعية الضيّقة. لذا، كان “عمّو” هو الاسم الأوّل لصدّام الذي عرفته زينت في طفولتها، ورافقها على مدار عقود لاحقة.
فكيف يمكن لعراقية تمتعت بكل هذا القدر من حسن الحظ، والامتيازات، أن تكتب كتاباً عن انسحاق كينونة الإنسان في العهد الصدامي، وأن تتخذ من سيرتها الشخصية، وسيرة عائلتها، دليلها الحي على ما تقول، وأن تكون مُقنعة فعلاً؟ هذا ما نحاول الإجابة عنه في معالجة لاحقة.

الرابط مختصر: