سما حسن: الجارة التركية العجوز

ولمحت وجهَها أمامي، مر سريعاً أول مرة وأنا أقف في الصباح الباكر في وسط فراغ مطبخ بيت ابني الصغير، وحيث أعد قهوتي الصباحية، وفي مرة ثانية رأيتها تنظف ببطء شباك المطبخ الذي يحتل حائطاً كاملاً كعادة تصميم معظم البيوت التركية، وبطريقة محزنة تدعو للشفقة، وهذه المرة التقت نظراتنا مدة أطول ولم أجد طريقة للتفاهم معها سوى ان ابتسم وأومئ برأسي ثم انزوي جانباً، ذلك ببساطة لأني لا أجيد اللغة التركية.
يصعب عليَّ تعلم مفردات لغة جديدة، ويبدو ان صعوبة الحفظ يورّث من الآباء للأجداد، فقد كان ابي رحمه الله يعاني من صعوبة الحفظ، وهكذا مع تقدمي في العمر أجد صعوبة بالغة في تعلم مفردات جديدة، أو في الحقيقة انني لم أحاول لأنني لا أكون وحيدة في أي مكان هنا، ولا أجد داعيا لكي أرهق نفسي، هل أنت مرهق لدرجة عدم المحاولة؟ والنهاية انني انزويت فعلاً وعلمت من ابني حين أخبرته بما حدث ان هذه السيدة التركية العجوز تعيش بمفردها، وانه يقدم لها في كل مناسبة طبقاً من الحلوى.
حمل لها ابني طبقاً من الحلوى في صباح يوم العيد، وتواريت خلف الباب وهو يدق بابها ولكنها لمحتني وأومأت لي برأسها واستدار ابني ليخبرها انني أمه، فرحبت بمفردات تركية وطلبت منه ان نأتي لكي نشرب القهوة خلال النهار معها في بيتها.
في بيتها بعد ساعات قليلة كنت اجلس على اريكة فخمة مصنوعة بدقة ورقة وغصتُ فيها لفرط طراوتها، وكنت اكتفي بتوزيع الابتسامات بينها وبين ابني وبين ديكور البيت الفارغ الجميل، وأنا أجيل بصري في كل ركن وكل تفصيلة، وقد بهرتني نظافته وترتيبه، تلك النظافة والترتيب التي تخبرك بقصة قصيرة.
القصة القصيرة التي تخبرك بها نظافة وترتيب البيت ان هذه السيدة تمضي كل وقتها وهي تنظف وترتب بكل دقة، وبطولة بال، وتستغرق وقتا طويلا في ذلك لأنها كبيرة في السن، ولأنها لا تجد شيئا تفعله غير ذلك.
بدأت تتحدث مع ابني عن فلسطين، أخبرته انها كانت تشعر بالحزن عندما تشاهد مشاهد الحرب الأخيرة على غزة، وان علي ان استقر هنا بعيدا عن الحرب، وأشارت لي وهي تتحدث عن ألم الامهات لفراق أولادهن.
طلبت من ابني ان يسألها كم أمضت في هذا البيت، فأسهبت في الحديث وكأن لديها المزيد من الوقت لكي تتحدث عن نفسها إضافة للعناية الفائقة ببيتها، فأخبرته انها تعيش فيه منذ اربعين عاما وقد رحل زوجها منذ سنوات وتزوج أولادها، ورغم ان ابنتها تزورها باستمرار إلا انها ترفض ان تساعدها في أي عمل من اعمال البيت، وقد تحركت من مكاني لكي اعيد فناجين القهوة الفارغة لمطبخها الجميل، ولكنها أمسكت بي بقوة، واعلنت رفضها، وهنا قدرت موقفها، فهي سوف تمضي ساعات فارغة وهي تغسل هذه الفناجين القليلة، سوف تمضي وقتا لا تعرف ماذا تفعل به غير ذلك، ولكنها لا تريد لأحد ان يشفق على وحدتها.
تحدثت مع ابني وترجم لي ابني حديثها انها قد زارت بلاداً كثيراً في حياتها، ولكنها لم تشعر بالراحة سوى في اسطنبول، وهنا ضحكت ونظرت لها نظرة بمعنى : وأنا كذلك…
ترجم ابني لي حديثها وشعرت بأنها امرأة وحيدة مثل أي امرأة يتفرق أولادها وتصبح وحيدة في سنواتها الأخيرة، ولكنها تبدو قوية لدرجة لا يمكن تخيلها، على بعد خطوات تضع جهازا رياضيا ضخما، ويعج بيتها بكافة الأجهزة المنزلية الحديثة التي تجعلها ليست بحاجة لمساعدة أحد.
قال لي ابني وهي تغيب في مطبخها لتعيد الفناجين الفارغة، أن أولادها يوفرون لها كل سبل الراحة، وكذلك الدولة فهي تعتني بكبار السن، فابتلعت لساني ولم اسأل ابني: وماذا عن مشاعرها والفراغ العاطفي الذي تشعر به والذي بدا جلياً وهي تمسك بتلابيب ابني وتطلب منه ان نبقى مزيدا من الوقت.
حدثت ابني عن تعب مفاجئ الم بها مساء امس، وهو يمنحها رقم هاتفه لكي تتصل به في أي وقت تحتاجه، حتى لو منتصف الليل، ولو كانت في فراشها ولا تقوى على فتح باب شقتها لتصل إلى باب شقته حيث يفصل بينه وبينها مسافة لا تزيد على بضع خطوات.
مطبخ الجارة التركية العجوز يشبه مطبخي العربي، رائحته تشبه رائحة كل مطابخ الأمهات الوحيدات اللواتي أدركن انهن قويات بوحدتهن، كان مطبخها يعج بالأكواب والأطباق التي لم تستخدم منذ زمن، مثل مطبخي تماماً.

الرابط مختصر: