رامي منصور: الهدوء الإسرائيليّ

تسعى إسرائيل منذ نهايات الانتفاضة الثانية إلى تثبيت معادلة على كافة الجبهات المحيطة؛ “الهدوء مقابل الهدوء”. فهذه المعادلة واضحة وعلنيّة في الصراع مع فصائل المقاومة في قطاع غزة. يبدأ كل عدوان بطموحات إسرائيليّة عالية، وتنتهي أخيرًا بمعادلة “الهدوء مقابل الهدوء”.

كذلك الحال في الضفة الغربية تحت التنسيق الأمنيّ. هناك تسمّي إسرائيل “الهدوء” بمسمّى آخر وهو “الاستقرار الأمنيّ”، كون الضفة “هادئة” بنظرها لأسباب مختلفة، سواء جرّاء القبضة الأمنية المحلية أو الاحتلالية، أو نتيجة إغراق الفلسطينيين في الضفة الغربيّة بسياسات اقتصاديّة استهلاكيّة نيوليبراليّة. وبفضل التكنولوجيا المتقدمة بات الاحتلال يحكم السيطرة والمراقبة على مناطق واسعة من الضفة، لدرجة أنها ليست بحاجة لقوات السلطة الفلسطينيّة في ضبطها والسيطرة عليها. فلم تعد السلطة الفلسطينية مهمة أمنيًّا بالنسبة للاحتلال كما في السابق، فالتكنولوجيا المتقدمة وفّرت لها أدوات غير بشريّة قلّلت من حاجتها لقوات الأمن الفلسطينيّة. ربما تحتاجها في أمور أخرى مثل تسيير حياة السكان اليوميّة… إلخ.

في لبنان أيضًا تبدو المعادلة شبيهة ولكنها تحمل مسمّى آخر وهو “الردع مقابل الردع” من حرب لبنان الثانية في صيف 2006. والردع المتبادل المقصود هو ردّ إسرائيل لحزب الله وبالعكس. وقد شهد الصيف الجاري إعادة تثبيت لهذه المعادلة من قِبل الطرفين في القصف المتبادَل قبل أسابيع معدودة.

جبهة لا تقلّ أهميّة وخطورة بالنسبة لإسرائيل هي جبهة الأسرى في سجون الاحتلال؛ هذه الجبهة معقّدة ومركّبة جدًا، رغم أنها محاصَرة ومحاطَة بجدران وأجهزة مراقبة متقدمة، إذ تلتقي فيها مختلف الفصائل الفلسطينيّة، من حركة “فتح” حتى “الجهاد الإسلامي”. ومن بين الأسرى قيادات عسكريّة من الوزن الثقيل، وتخشى إسرائيل على مدار الساعة أن يخططوا لعلميّات وهم في الأسر.

في جبهة غزة، تحاول إسرائيل “شراء الهدوء والوقت” من خلال “تسهيلات” لسكان القطاع، مثل إدخال المعونات المالية وموادّ غذائيّة، وتصاريحَ لرجال الأعمال والعمال. لا أحد يعلم في إسرائيل ما الهدف من هذا “الشراء”؛ ما الذي سيتغيّر بعد عام أو عقد إذا ما بقيت “حماس” مسيطرة على القطاع. لم يعد الحلّ بيد إسرائيل. تُشدِّد الحصار لتحصيل “الهدوء”. تقتُل من الجوّ والبرّ والبحر لشراء “الهدوء”. على السطح يبدو أن المعادلة موفّقة إلى حدٍّ ما. تحت الأرض يبدو أن المعاول ومعدّات الحفر لا تهدأ. الطرفان “يشتريان الوقت”، فصائل المقاومة وإسرائيل. الأولى تشتريه لتعزيز قوّتها العسكريّة، والثانية تشتريه للتفرُّغ لجبهات ثانية تبدو أهمّ وذات أولوية، مثل الجبهة الإيرانيّة.

في الضفة الغربيّة الهدوء يعني خسارةً للفلسطينيّ بشكل يوميّ؛ الاستيطان ينتشر ويتوسّع يوميًّا، وتزيد سرقة الموارد الطبيعيّة، والحدّ من التطوّر الطبيعيّ للمجتمع والاقتصاد في الضفة بشكل مستقلّ. هناك الهدوء يعني حياة طبيعيّة للمستوطنين وغير طبيعيّة للفلسطينيين. آخر التحذيرات الإسرائيليّة قبل عملية “الخلاص من الجلبوع” كان فقدان سيطرة السلطة الفلسطينيّة على شماليّ الضفة المحتلة، أي منطقة جنين. المخيّمات هناك باتت مصدر قلق حقيقيّ لقوات الاحتلال، وكلّ اقتحام ينتهي باشتباك مسلَّح وشهداء.

أما في السجون، فإن المحلّلين الإسرائيليين يتحدثون صراحة وعلانية بأنّ الأسرى باتوا “يبيعون الهدوء” للسجانين مقابل مطالب رسميّة وغير رسميّة للتخفيف من ظروف أسرهم غير الإنسانيّة، حتى بلغ الأمر بأن تفحص الشرطة الإسرائيليّة ضلوع سجّانين في عملية الجلبوع. وجمع خمسة أسرى من “الجهاد الإسلامي” في غرفة واحدة، ولفترة طويلة في الجلبوع، ربما كان أيضًا من باب “شراء الهدوء” في السجن. والنتيجة معروفة.

في غزة “بيع الهدوء والوقت” مجد لفصائل المقاومة لأنه يمنحها “النفس” لتعزيز قدراتها العسكريّة (وليس سياسيًا بالضرورة). في السجون، هذا السلاح يكاد يكون الوحيد بيد الأسرى، لذا فهو مجد لهم، نتائجه ملموسة. أما في الضفة الغربية، فمعادلة الهدوء لا تراكم إلا الخسائر للفلسطينيين، وهو مكلف جدًا حتى للسلطة الفلسطينيّة، لأنه يستدعي أجهزة أمنيّة كبيرة وعشرات الملايين أو ربّما المئات لدفع رواتب قوى الأمن وتمويلها.

معادلة الهدوء تنفجر كل مرّة في وجه إسرائيل، وآخرها عملية الجلبوع وقبلها ما سمّتها فصائل المقاومة “معركة سيف القدس” في قطاع غزة. لكن المؤكد أنّ خيارات إسرائيل شبه معدومة بغير الهدوء، فما البديل؟ التصعيد العسكريّ والقتل والتدمير والانتقام الجماعيّ؟ فكلها مجرَّبة ولم تقُد إلّا لمعادلة “الهدوء مقابل الهدوء” والتي حوّلها الأسرى وغزة إلى معادلة ردع مقابل ردع.

الرابط مختصر: