هل تراهن حكومة بينيت على اعتدال “حماس” بعد تسلمها حكم الضفة..؟؟

الخامسة للأنباء – معاريف – بقلم: ران أدليست

“يعدّ رأس السنة، يهودية كانت أم مدنية، موعداً لإيجاز سنة أو بدء أخرى. يبدو إشكالياً بعض الشيء “إجمال” سلوك مخلوق سياسي كثير الأذرع والرؤوس بعد نحو ثلاثة أشهر. غير أنه وفقاً للسلوك المتبع حتى الآن، يمكن القول إن هذه الحكومة في طريقها الصحيح. فبدلاً من العروض النافخة والمتصببة عرقاً، التي تتحرك على طيف من العداء والازدواجية والمزايدة لحكومة نتنياهو – ثمة تقارير من الميدان ومؤشرات مشجعة على تنظيم إسطبلات. في الأسبوع الماضي، أطاح رئيس الوزراء نفتالي بينيت، ببيبي من لجنة تعيين كبار المسؤولين، ومنع وزير الأمن الداخلي تعيين ضابط إشكالي، ويجيز وزير العدل قانوناً مناهضاً لبيبي، ويبدو الاتجاه واعداً. أما المشكلة فهي سياسة الخارجية والأمن.

ظاهراً، كل شيء مؤجل، وعملياً كل شيء يتدفق، مثلما قال الفيلسوف اليوناني هيراقليطس. حتى حكومة تفر من البشرى ملزمة بأن تقرر ما إذا كانت ستغرق أم تسير مع التيار. حكومة بينيت تحافظ في هذه المرحلة على الخطوط العريضة للحكومة السابقة في المواضيع الجوهرية التي هي: القطاع، والضفة، ولبنان، وسوريا، وإيران. إبقاء إيران كعدو وجودي أمر سهل، هذا بعيد، هذا نظري وهذا وطني. نجاح نتنياهو في إثبات أن إيران كالشيطان المطلق في الوعي الجماعي للجمهور الإسرائيلي هو نجاح مغيظ، وحكومة بينيت تعزف على هذا الوتر.

سيكون اختبار بينيت في مؤتمر الزعماء في الأمم المتحدة. لفهمي الهزيل، لن يخرج عن الخط. ولكن إذا ما شدد -مثل نتنياهو– بأننا نحن والولايات المتحدة نسير يداً بيد – فكفانا. وبمراعاة حقيقة الولايات المتحدة دونالد ترامب والولايات المتحدة جو بايدن هما الولايات المتحدة ذاتها في السياق الإيراني، فإن هذا القول يفترض أن يكفي.

لا فكرة لدي عما يفكر به بينيت، وكم هو منصت لتقدير شعبة الاستخبارات العسكرية “أمان” بأن إيران مجرد مادة تشويش لقاعدتها. وبخلاف إيران، فإن الاحتكاك مع لبنان وسوريا محلي واحد غير معني بتوسيعه؛ حادثة هامشية هنا وهناك، وتجربة أدوات من جانبنا ومن جانبهم، ولكن سيبقى الهدوء بتشغيل آلية ميزان الرعب. وواضح لكل الأطراف أن “انتصاراً” في جولة حربية أوسع لا يستحق الضرر والضحايا.

أما في غزة فالقصة مختلفة؛ ففيها وفي والضفة يمكن التصدي محلياً بثمن هدم وقتل إسرائيلي داخلي معقولين نسبياً (بشرط ألا يجن أحد ما ويجرنا إلى احتلال القطاع والدخول إلى المدن في الضفة)، المشكلة هي أن في غزة والضفة على حد سواء، تنقيط دائم لدم فلسطيني وإسرائيلي. التنقيط، مقلق ومغيظ مهما كان، وليس سبباً لحرب أو لسلام. كما أن التوقيت لا يفترض أن يتسبب بتغيير سياسي داخلي دراماتيكي، مثل شلال الدم في حرب يوم الغفران التي تسبب بتوقيع اتفاق السلام مع مصر. تسويق كاسح لـ “الهدوء” بعد الانتفاضات في الضفة وحملات في غزة (تحقق زعماً بفضل “انتصارنا”) يسكت هذه المطالبة والحاجة إلى تغيير سياسي، وفي هذه الأثناء يخلد روتين النزف البطيء والدائم للنزاع “غير القابل للحل”.

غير أن هذا التنقيط ليس كارثة طبيعية، فهو سياسة موجهة لحكومة راقصي الدم لنتنياهو، ممن جعلوا كل قطرة دم مخزونائً قابلاً للاشتعال ضد العدو الرهيب الذي ينهض علينا لإفنائنا. في السنة الجديدة يفترض بحكومة التغيير ويلزمها بأن تبدأ بالتحرك في الاتجاه الصحيح. وهنا احتمال للتغيير. عندما قال بينيت: “لن تكون هناك أي تسوية سياسية مع الفلسطينيين”، فإنه كما أسلفنا غمز قاعدته، والحقيقة هي أن لا أحد يعتزم الدخول إلى حقل الألغام هذا. المطلوب هو خطوات صغيرة، غير ملحوظة (كي لا تفر القاعدة) من أجل الوصول إلى مرحلة يكون ممكناً منها الانتقال إلى المرحلة التالية. وهذا أيضاً غير ضار ظاهراً: أن يرفع مستوى التسهيلات قليلاً لغزة، وأن تعزز قوة أبو مازن وبالأساس التنسيق، والتنسيق مع الولايات المتحدة.

لمستَ – فككتَ

هذا هو السبب الذي يجعل إدارة النزاع مع حلول السنة الجديدة ثلاثة رؤساء وزراء يأخذونه على عاتقهم. أحدهم هو الحالي، واحد بديل وواحد بتكليف ذاتي. ثلاثتهم يفكرون في الانتخابات التالية، وهذا طبيعي وإنساني وسياسي. بينيت مكبل بجمهوره المستهدف الذي هو يمين – يمين. وجمهور لبيد المستهدف هو يمين – وسط. وغانتس يقصد الوسط – اليسار. وبهذه الصفة، يمكن لغانتس أن يسمح لنفسه بسياسة مستقلة في جملة مواقع (التقى أيضاً مع وزير الزراعة في شؤون الإصلاح للمزارعين). يلمح بينيت بأن زيارة غانتس لأبو مازن لم تطب له؟ ينطبق على غانتس القول: لمستَ، فككتَ. بحركة إصبع يفكك الرزمة.

بصفته وزيراً للدفاع، لا يحتاج غانتس إلى بينيت ليدير سياسة مستقلة. في وزارته منسق أعمال في “المناطق” والإدارة المدنية. وبواسطة هذه الأدوات، وفي إطار التنسيق مع رئيس الأركان أفيف كوخافي، يفترض به أن يدير السياسة في “المناطق” [الضفة الغربية].

إن المحاولة الأخيرة لإدارة اتصالات سياسية مع السلطة كانت عندما التقت تسيبي لفني، مديرة المشروع لدى نتنياهو، مع أبو مازن في 2014. سمع نتنياهو آهة مبشرة بالشر من اليمين، ففزع وعارض وأقالها من الحكومة.

بعد زيارته لأبو مازن، قال غانتس إن “مصلحة أبو مازن ومصلحتنا متماثلتان: إضعاف حماس”. يتوافق قوله هذا مع سياسة نتنياهو وبينيت، وليس مع الواقع. عملياً، غانتس يخدع نفسه أو يخدع سامعيه. وعملياً، يجري اتصالات سياسية مع أبو مازن، ويعزز حماس، ويحاول منع جولة إشكالية للسلطة في محكمة لاهاي مقابل موافقة على انتخابات مشتركة في الضفة والقطاع. وفرضية العمل أنه كلما تأجلت الانتخابات وأحدثت حماس الاضطرابات، فإن رواسبها القتالية تساعد في انتصارها في الانتخابات، ويفترض بغانتس أن يعرف هذا. السؤال هو: إذا كان هناك احتمال بأن تزيد حماس اعتدالها عقب انتصارها، مثلما حصل في الماضي مع م.ت.ف، فالجواب أن إسرائيل قوية بما يكفي كي تزيد اعتدالها منذ اليوم.

فكرة غانتس وجهاز الأمن هي الاحتواء والتهدئة ودعم الاقتصاد. نأمل ألا يدور الحديث هذه المرة عن سلام اقتصادي على نمط نتنياهو، يستهدف التغطية على استمرار الاحتلال، بل عن تعزيز الاقتصاد الفلسطيني بالتوازي مع تعزيز السلطة وأبو مازن قبيل الانتخابات المستقبلية. ويعمل إلى جانب غانتس وزراء الحكومة من اليسار: نيتسان هوروفيتس، وتمار زندبرغ، عيسوي فريج، ووزير الأمن الداخلي عوفر بارليف. في القدس تنزع الشرطة أعلام م.ت.ف وكأن إسحق شامير ونتنياهو لا يزالان يخوضان حرب الإبادة خاصتهما. وبارليف يأمر الشرطة بالتوقف عن هذه السخافة كجزء من سياسة الاحتواء.

خلافات رأي؟ كما أسلفنا كل واحد في هذا الائتلاف يغمز قاعدته من الأمام، ويتأكد من الوراء بأن عجيزته لا تزال تدفئ الكرسي الصحيح. ولا أحد منهم يتأثر بـ “خلافات الرأي”. في مواضيع الخارجية والأمن لا أحد يعرف أيضاً ما هي النوايا المكشوفة والخفية لشركائه. لعل عناصر الحكومة تعرف في السنة القادمة ما الذي تريده من نفسها ومن شعبها. فلتكن سنة خير ورفاه في هذه الأثناء.

الرابط مختصر: