لماذا تصاعد التوتر بين الجزائر وفرنسا..؟!

دخلت العلاقات بين فرنسا، والجزائر، مرحلة جديدة من الاضطراب مع استدعاء السفير الجزائري في باريس، السبت الماضي؛ وسط مناخ من التوترات السياسية الطارئة بين البلدين منذ عامين.

ولا تنفصل الخطوة الفرنسية عن سلسلة أزمات سياسية وتوترات بين البلدين، إذ أقرّ الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بها قبل فترة، عندما أكد أن “العلاقات الفرنسية الجزائرية ليست على ما يرام”، خاصة بعد قرار الرئاسة الجزائرية إلغاء زيارة كانت مقررة لرئيس الوزراء الفرنسي، جان كاستيكس، إلى الجزائر في أبريل/ نيسان الماضي.

وبرّرت الجزائر “الاستدعاء الفوري” لسفيرها في فرنسا، محمد عنتر داود، “للتشاور”، بأن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أدلى بـ”تصريحات لا مسؤولة”. وتفاقمت الأزمة، اليوم، الأحد، مع إغلاق المجال الجوي الجزائري أمام الطائرات العسكرية الفرنسية.

وتحدثت الجزائر عن “تصريحات غير مكذّبة” للرئيس الفرنسي نقلتها صحيفة “لوموند” الفرنسية في مقال، السبت، أفاد بعقد ماكرون، الخميس الماضي، لقاء مع أحفاد ممثلين لأطراف فاعلة في حرب استقلال الجزائر (1954-1962).

وبحسب الصحيفة، فإن ماكرون اعتبر أن الجزائر أنشئت بعد استقلالها العام 1962 على “ريع للذاكرة” كرسه “النظام السياسي – العسكري”. كذلك تحدث عن “تاريخ رسمي” للجزائر “أُعيدت كتابته بالكامل” وفق قوله، وهو “لا يستند إلى حقائق” إنما على “خطاب يرتكز على كراهية فرنسا”.

وعلّق ماكرون أيضًا على قرار باريس، الذي تم الإعلام عنه يوم الثلاثاء من الأسبوع الماضي، تقليص منح التأشيرات للجزائريين والمغربيين والتونسيين، الذي تسبب باستدعاء السلطات الجزائرية السفير الفرنسي “للاحتجاج” عليه.

ووفق “لوموند” الفرنسية، قال ماكرون إن القرار “لن يكون له أي تأثير” على الطلاب وأوساط الأعمال، وأضاف أن الفكرة هي “مضايقة الأشخاص الموجودين في الوسط الحاكم” الذين “اعتادوا التقدم للحصول على تأشيرات بسهولة”.

وبحسب وسائل إعلام محلية، ما أثار حفيظة الجزائر أيضًا، هو وصف ماكرون الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، بأنه “عالق في نظام صارم جدا”، ثمّ تهكّمه من الطريقة التي تقدّم فيها الجزائر الفرنسيين، بحسب مزاعمه، على أنهم “المستعمرون الوحيدون” متناسيةً الحكم العثماني بين القرن السادس عشر والقرن الثامن عشر.

وتعود الأزمة الأخيرة الخطيرة إلى هذا الحدّ بين البلدين إلى 23 شباط/ فبراير 2005، عندما أقر البرلمان الفرنسي قانونًا يعترف بـ”الدور الإيجابي للاستعمار”.

وعلى الرغم من إلغائه لاحقًا، تسبب هذا القانون بإبطال معاهدة الصداقة التي وقعها الرئيس الفرنسي الراحل، جاك شيراك، ونظيره الجزائري الراحل كذلك، عبد العزيز بوتفليقة.

وشهدت العلاقات الثنائية توترات حادة أحدث: ففي أيار/ مايو 2020، استدعت الجزائر سفيرهاـ صلاح البديوي، على أثر بثّ فيلم وثائقي حول الحراك المناهض للنظام في الجزائر على قناتين فرنسيتين رسميتين.

وفي نيسان/ أبريل 2021، ألغى رئيس الوزراء الفرنسي، جان كاستيكس، في اللحظة الأخيرة، زيارةً له إلى الجزائر بطلب منها، إذ إنها كانت مستاءة من حجم الوفد الوزاري الفرنسي.

وقبل تصريحات ماكرون، لم تكن العلاقات الثنائية سيئة إلى هذا الحد. فقد أشاد الرئيس الفرنسي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، بنظيره الجزائري في مجلة “جون أفريك” Jeune Afrique، ما تسبب بتعرّضه لانتقادات من جانب الجالية الجزائرية والمجتمع المدني في الجزائر.

وأشاد ماكرون حينها بـ”شجاعة” تبون، مؤكدًا أنه سيقوم “بكلّ ما بوسعه” لمساعدته في الفترة الانتقالية بعد تظاهرات الحراك الشعبي.

وفي تموز/ يوليو 2020، قامت باريس بخطوة إيجابية حيال الجزائر عبر إعادتها جماجم 24 مقاتلًا جزائريا قُطعت رؤوسهم في القرن التاسع عشر، أثناء انتفاضات في جنوب الجزائر ضد الاحتلال الفرنسي.

وفي آذار/ مارس 2020، أقرّت فرنسا للمرة الأولى بأن المحامي الجزائري علي بومنجل، تعرّض للتعذيب وقُتل العام 1957 على أيدي الجيش الفرنسي، أثناء ثورة التحرير الجزائرية.

وذكّرت الصحافة الجزائرية أيضًا، السبت، الماضي بأن ماكرون وصف خلال حملته الانتخابية العام 2017 الاستعمار بأنه “جريمة ضد الإنسانية” أثناء زيارة إلى الجزائر.

واتفق البلدان العام 2020 على تكليف باحثين من ضفتي البحر الأبيض المتوسط، بالقيام بعمل من أجل الذاكرة بهدف تحقيق “المصالحة”.

وقدّم المؤرّخ الفرنسي بنجامان ستورا، تقريره في كانون الثاني/ يناير إلى ماكرون، مطالبًا فرنسا بالقيام بـ”خطوات رمزية” لكن بدون “لا اعتذار ولا توبة”.

وبعد شهر، رفضت الجزائر التقرير معتبرةً أنه “غير موضوعي” واستنكرت غياب “الاعتراف الرسمي من جانب فرنسا بجرائم حرب وضد الإنسانية ارتُكبت خلال احتلال الجزائر الذي استمر 130 عامًا”.

واعتبرت الرئاسة الجزائرية، يوم السبت، الماضي أن الموقف الذي اتخذه الرئيس الفرنسي “يصطدم، أساسا، بالمبادئ التي من شأنها، أن تقود تعاونا محتملا، بين الجزائر وفرنسا، بشأن الذاكرة، قد أدى إلى الترويج لنسخة تبريرية للاستعمار”.

ويرى الخبير في شؤون الهجرة، حسن قاسمي، أن “مسألة الذاكرة حساسة جدًا في الجزائر لأنها تتعلّق بتاريخ الشعب الجزائري وروحه وهويته”.

واحتلت فرنسا مدينة الجزائر في 5 تموز/ يوليو 1830، واستغرقت السيطرة على عموم البلاد نحو 70 سنة.

واستقلت الجزائر عن فرنسا في 05 تموز/ يوليو 1962، بعد ثورة تحريرية انطلقت في 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 1954، وخلفت 1.5 مليون شهيدا وفق أرقام رسمية.

وشهدت مرحلة السيطرة على عموم الجزائر عمليات تهجير للسكان الأصليين، ومصادرة أراضيهم الزراعية الخصبة، وحرمانهم من أبسط الحقوق بحسب مؤرخين.

وبحسب روايات مؤرخين جزائريين فإن أرض بلادهم ظلت تغذي فرنسا بكل ما لذ وطاب، كما أن اكتشاف النفط عام 1956 واستغلال مناجم الذهب والحديد والفحم ومختلف المعادن كانت في خدمة الاقتصاد الفرنسي انطلاقا من أرض الجزائر.

وطفت أزمة سياسية جديدة بين الجزائر وباريس، على خلفية قرار فرنسي يقضي بالحد من تنقل الجزائريين إليها وخفض عدد التأشيرات الممنوحة، في خطوة وصفتها الجزائر بمحاولة “فرض أمر واقع”.

وأعلنت الحكومة الجزائرية إيفاد وفد رسمي إلى باريس لإجراء محادثات مع السلطات الفرنسية بشأن ملف المهاجرين المقيمين بطريقة غير قانونية في فرنسا، والعالقين الذين تريد السلطات الفرنسية ترحليهم إلى الجزائر.

ويسعى الوفد الجزائري إلى وضع قائمة بأسماء المعنيين بقرارات الطرد والترحيل من فرنسا، بهدف التثبت من هوياتهم قبل اتخاذ قرار استقبالهم والموافقة على نقلهم إلى الجزائر.

وقال مساعد وزير الخارجية المكلف بقضية الصحراء والمغرب العربي عمار بلاني، في تصريح نقلته وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية، أمس الثلاثاء، إنّ “وفداً جزائرياً يغادر إلى باريس من أجل جرد جميع الحالات المعلقة (من الرعايا) وتحديد طريقة العمل الأكثر إرضاء من أجل تعزيز التعاون في مجال إدارة الهجرة غير النظامية”.

الرابط مختصر: