خالد أحمد: الدلْعونا ودورها في حياة ونضال الشعب الفلسطيني

عرفت الأغنية الشعبية بأنها “قصيدة شعرية ملحنه مجهولة الأصل، كانت تشيع بين الأميين في الأزمنة الماضية، وما تزال حية في الاستعمال وتتميز بأنها شائعة وتبلغ أوج ازدهارها في المجتمعات الشعبية ولا يوجد لها نص مدون وتنتقل شفوياً بين الناس وتتسم بالمرونة وتتعدل باستمرار لمواجهة الأنماط الجديدة في الحياة وتحافظ على الأسلوب الموسيقي كما أنه لا يعرف أسماء الذين القوها في أغلب الأحيان ،ويغلب عليها اللهجة العامية وترتبط بالحياة والمعتقدات.

والدلْعونا عمل فلكلوري فني عبارة عن أغنية ملحنة بلحن يناسب رقصات الدبكة الفلكلورية وهي كانت وما زالت أحد أنواع التراث الشعبي الفلسطيني التي اشتهرت بين الشعوب المتواجدة في المنطقة الممتدة من “أنطاكية” شمال سورية حتى خليج العقبة جنوباً ومن ضمنها فلسطين وهذا الراجح، بينما ذكر آخرون أن موطن هذا النوع من الغناء هو شمال فلسطين وجنوب لبنان ،و قد اختلف في معرفة اصل الكلمة فقد قيل أنها “ربما كانت في الأصل تدل على شيء من الدلع الذي يلازم هذه الأغنية عادة كما يلاحظ في تكرار المشتقات من هذه الكلمة مثل مدلعن، مدلعناتي، دلع، دلوعه، دلعلع، الدلعينه”

في أصل “الدلْعونا” ونشأتها :

يُحكى في الأسطورة الكنعانيّة القديمة في بلاد الشام، أنّ للإله “إيل” بنتًا سمّاها “عَناة” فغدت إلهة الخصب والحبّ والحرب عند الكنعانيّين حيث كان يتوسّل إليها العشّاق من أجل الحظوة للزواج بمحبوباتهم بالقول: “عَناة يَدُكِ يا عَناة”؛ ومنها اشتُقّ لفظ “الدلْعونا”.

وفي رواية أخرى مشابهة تقول إنّ شابًّا ظريف الطول أَحبّ فتاة اسمها “عَناة”، ولمّا افترقا صار حبيبها يبحث عنها مُنشدًا: “دلّوني على عَناة”، فأدمجت الجملة في كلمة واحدة فصارت دلْعونا.

وهنا نجد في أغاني “ظَريف الطول” و”الدلْعونا” من تراثنا، أنّ ظريف الطول غناء تخاطب مفرداته العاشق المذكّر، بينما تخاطب وتناجي مفردات “الدلْعونا” المعشوقة المؤنّث.

أما الاعتقاد الشائع هو أنّ أصل الدلعونا يأتي من “مدّ يد العون”، إذ كلما أراد أهل القرية التعاون فيما بينهم لإنجاز عمل ما، مثل جني المواسم، أو سلق القمح أو عند البناء أو في مواسم القطاف، كانوا يتنادون “دلعونا” طلبا لمساعدة أهل القرية ،وعند إنجازهم لهذه الأعمال، كانوا يعقدون حلقات الدبكة مغنين الدلعونا ،وعلى نفس المعنى ذكر زكي ناصيف وهو ملحن ومغني لبناني (1916م ــــــ2004م) أن الدلعونا أصلها سرياني مؤلفة من أل التعريف السريانية “د”، وكلمة الـ”عونا” والتي تعني “المساعدة والمعاونة والفزعة” .

وفي عهد الحضارة العربية في بلاد الشام انفصلت هذه الكلمة عن دلالاتها الأصلية في السريانية، وصارت تدل على الولع حينما تغنّى ويدبك الناس على لحنها ،ومقامها واستقلت الكلمة الدبكة والأغنية عن مناسبتها المباشرة (العون)، فصارت دبكة “الدلعونا” وأغانيها لكل مناسبة: الأعراس، الأفراح والمآتم كما للندم أو التشفي.

اسلوب الدلعونا :

الدلعونا تغنى بأكثر من لحن تبعًا للمناسبة وللمؤدي، وتكون مقرونة بالة موسيقية تراثية مثل الشبابة (ناي)، أو الأرغول أو المجوز. ولحنها متعدد ومتغير في آن وخاصة إذا صاحبها رقصة الدبكة، ففي بداية الرقصة يعتمد لحن متصاعد يدعوا إلى الحماسة والنشوة ليبدأ بالتغير انسجامًا مع تحقيق حالة الطرب والفرح الجماعي ويتحول إلى متنما متزنا حينا إلى حزينًا هادئًا أحيانًا أخرى، وفي معظم الحالات تحكمه المناسبة وحالة الراقصين (الدبيكة) وإيعاز قائد الدبكة (اللويح).

مبناها :

تنظم الدلعونا على البحر السريع من بحور الشعر العامية ومن المعروف أنّ التقطيع في بحور الشعر العامية يعتمد على النبرة الصوتية على أن يتساوى مجموع النبرات الصوتية في كلّ شطرة ،و تتألف الدلعونا من مطلع “على دلعونا على دلعونا”، ثمّ شطرة ثانية تنتهي برويّ “نا” مثل “راحوا الحبايب ما ودّعونا” ؛ ثمّ تأتي عدّة أدوار يتألف كلّ منها من بيتين وكل منهما مؤلف من شطرين، أما قوافي الشطور الثلاثة فواحدة، وقافية الرابع “نا”.

موسيقاها :

لحن الدلعونا من جنس البياتي ولا يتعدّى، شأنه شأن سائر الغناء الشعبي عادة، أربع نغمات، أما إيقاعها فيعود على نفسه في دائرية واحدة لا تتغيّر. تؤدّى الدلعونا عادة بمرافقة آلية بسيطة من واحدة أو أكثر من الآلات الموسيقية الشعبية كالأرغول أو المجوز أو الشبابة سواء بطبلة أو بدونها ،وتتناسب الدلعونا بإيقاعها مع إيقاع الدبكة الشعبية وتتفاعل في أدائها أربعة أقطاب منشد وعازف ولويح بالمنديل يرأس صفّ الدبكة ،ولذا فسرعان ما تتشابك الأيدي حال سماع نغمات الدلعونا لتنتظم حلقة الدبكة تدّك الأرض دكاً.

نماذجها :

على دلعونا على دلعونا ما بنسى حباب الكانوا يحبّونا

قلبي عَ حبابي شعلان بنارو ودمعات عيوني فضحت أسرارو

وبعد ما راحوا عالغربة وطاروا مثلي ما تعذّب قيس المجنونا
على دلعونا على دلعونا راحوا الحبايب ما ودّعونا

على دلعونا ليش دلّعتيني عرفتيني شايب ليش تا خذتيني

لأكتب كتابك عَ ورق تينة وأجعل صداقك حبّ الزيتونا

على دلعونا على دلعونا رزق الله لمّن كنتو تحبّونا

خلي رقصاتك حلوة وموزونة حتى غنيلك نغمة حنونة

اطلبي شو بدّك تكرمي يا عيوني روحي كرمالك والله مرهونا

على دلعونا على دلعونا يا طير الطاير غنّي لحبّونا

هذه الأغنية يتصرف فيها الناس كل حسب مشيئته وهواه، إلا أنهم يحافظون على اللحن الأصلي، وهذا نموذج آخر:

على دلعونا على دلعونا هوى الشمالي غير اللونا

هوى الشمالي غيرلي حالي حبي جافاني مبارح واليوما

على دلعونا ليش دلّعتيني عرفتيني شايب ليش أخذتيني

لأكتب كتابك عَ ورق تينة وأجعل صداقك حبّ الزيتونا

شوفات بحظي ببنت النصراني قطعت صلاتي وديني وإيماني

ياما يايما عطيني حصاني عسكر جديدة يارب العونا

شوفات بحظي ببنت اليهودي قطعت صلاتي وديني ومعبودي

يما يايما عطيني فرودي عسكر جديدة يارب العونا

لاصبغ أسناني من لون النيل وابكي عليهم طول السنين

وان كان يا حبي مارح تيجيني لاشلح تيابي واطلع مجنونا

لم تقف ظاهرة مدّ يد العونة معنًى لغناء “الدلْعونا” ودبكتها عند السريان، إنّما استمرّ نهج المعاونة الجماعيّة في بلادنا حتّى فترات متأخّرة من التاريخ الحديث، ولا سيّما في الأرياف لدى الفلّاحين، مثل عونة جني المحاصيل والأغلال؛ إذ تعوّد الفلّاحون الفزعة لبعضهم بعضًا. كذلك في البناء وصبّ عقدات أسقف البيوت، وعجن طين البناء بالأقدام، على طريقة فتيات السريان في هرس حبّ العنب.

بقي الرجال حتّى مراحل متأخّرة من القرن الماضي يهبّون لعونة فلان من الناس فيقومون بغوص أقدامهم داخل الأوعية أو برك الطين، ويدعكونه لخلطه بالقشّ والتبن وتليينه، في طقس جماعيّ يتخلّله القفز والركّ والغناء، في استمراريّة لـ “الدلْعونا” السريانيّة القديمة.

يساوي بيت “الدلْعونا” في وزنه وزن حركة دبكة الشمالي في فلسطين، ويعني هذا اقتران الدبكة بغناء “الدلْعونا”؛ فالدبكة تتألّف من ستّ خطوات أثناء غناء القَوّال البيت، وكذلك دبكة “الختايرة” الّتي نسمّيها “المُغربيّة” بنفس وزن “الدلْعونا”.

وقد بدأت دبكة “الدلْعونا” تأخذ شكلها الّذي نعرفه اليوم، في القرن التاسع عشر، وباتت أكثر من مجرّد ممارسة تعبّر في غنائها ورقصها عن مظاهر البهجة والفرح، إنّما أيضًا تعبير عن مظاهر التضامن والاحتجاج على سلطة الدولة العثمانيّة، وتحديدًا لدى الفلّاحين في الأرياف، حيث بدأت مفردات أبياتها تَكسب مسوحًا من نبرة الرفض والتمرّد والغضب.

ومع مطلع القرن العشرين، لم تعُد “الدلْعونا” غناءً يخصّ الفلّاحين في بلاد الشام، بل أفلتت من طوق الريف إلى المدن والساحل وحتّى البوادي؛ ففي المدن بدأت مفردات “الدلْعونا” تنطق بمشاعر عشّاق أبنائها، بما كانت المدينة تعنيه من قيود على الأشواق ومظاهر الوصل في الأسواق، فضلًا عن محاكاة هموم الصنّاع والحِرَف ثم تسلّلت إلى مراسي موانئ فلسطين ،وحطّت على ألسنة البحّارة من على ظهر قوارب صيدهم منها:

مَرْسى الدلْعونا عَ المينا رابِطْ

وِالدَّنْـيا مَـطَـــرْ وِالْبَحْرِ خـــــابِـطْ

سِتَّعْشَرْ لـيــرَة لَبِـنْتِ الضـــابِطْ

بَسِّ تْعَلِّمْـــنا رَقْــصِ الدلْعــونـا

“الدلْعونا” و”الزنّار الأحمر” :

بعد انقضاء الحكم العثمانيّ، وحلول عهد الاستعمار البريطانيّ، وتحديدًا في ظلّ الثورة الفلسطينيّة الكبرى على الطغيان البريطانيّ، بين عامي 1936 و1939، استُخدمت “الدلْعونا” مثل “شيفرا” بين الثوّار و”الزنّار الأحمر” في إشارة إلى المجنّدون العرب الّذين التحقوا بالجيش البريطانيّ مع بدء الانتداب، وكانوا يتميزون عن باقي المجنّدين الأجانب في الجيش من خلال وضعهم حزام أو زنّار أحمر اللون حيث تعاطف أفراد جيش الزنّار الأحمر مع أبناء جلدتهم من الثوّار الفلسطينيين؛ فتعاونوا معهم، ونقلوا إلى قيادات الثورة المعلومات المتعلّقة بحركة دوريّات الجيش البريطانيّ لنصب الكمائن لها.

فاتّفق الثوّار مع مجنّدي “الزنّار الأحمر” على ان يصبح غناء “الدلعونا”؛ “شيفرا” يفهم من خلالها الثوّار موقع وجود أشقّائهم المجنّدين في الدوريّة، فحين كانت الدوريّة البريطانيّة تقترب من موقع نصب الكمين، يبدأ المجنّدون العرب فيها بالغناء بصوت عالي : “على دَلْعونا وعلى دَلْعونا… وِاحْنا عَالآخِرْ لا تِضِربونا”؛ فيعرف الثوّار موقع الجنود العرب في الدوريّة، فيبعدون رصاص بنادقهم عنهم ،وعقب تنبه ضبّاط الجيش البريطاني لذلك الأمر صدر عن السلطات البريطانيّة قرارًا يلزم المجنّدين العرب بخلع الزنار الأحمر ليصبحوا مثل سائر مجنّديها في الجيش.

أما موضوعات الدلعونا، فيغلب عليها الغزل بالحبيب، إلا أن الشعب الفلسطيني على وجه الخصوص أضاف عليها الكثير من الأبيات المتأثرة بنضاله ضد الاحتلال، كونه جزء لا يتجزأ من معاناته اليومية المستمرة ،ونلحظ ذلك جلياً في الدلعونة الخاصة بالانتفاضة الأولى في العام 1987 حين أنشد:

الجيش الصهيوني إحنا ما انهابوا بالحربِ الشعبية هدّينا اعصابو

الرابط مختصر: