مصطفى ابراهيم: منظمات حقوق الإنسان تفضح إسرائيل

من الواضح أن الفلسطينيين تُركوا وحدهم، وهذا الاستفراد بمنظمات المجتمع المدني وبخاصة الحقوقية هو في سياق ما تمارسه إسرائيل منذ النكبة وحتى الآن وليس فقط منذ 54 عاماً لاحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة.
خلال تصفحي مواقع التواصل الاجتماعي، منشور على “فايسبوك” للدكتورة هنيدة غانم الأكاديمية والباحثة الفلسطينية في علم الاجتماع ومديرة المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية “مدار”، “الآن: من سيحمي منظمات حقوق الإنسان التي تعمل على الدفاع عن حقوق الإنسان؟”.

“بجرة قلم يقوم المحتل بنقل مؤسسات مدنية من خانة مؤسسات حقوق إنسان تعنى بحماية حقوق الفرد والمناصرة والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني وفق ما جاء في كل المواثيق الدولية، الى خانة الارهاب ويحولها إلى مؤسسات مهددة بذاتها وتحتاج الى مؤسسات ترصد انتهاك حقوقها وتدافع عنها”.

يأتي سؤال غانم بعيد توقيع قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، أمراً عسكرياً يقضي بتصنيف ست مؤسسات مدينة وحقوقيّة فلسطينية “إرهابيةً” في الضفة الغربية، والمؤسسات الفلسطينية هي: مؤسسة “الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان”، و”الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال – فلسطين”، و”مؤسسة القانون من أجل حقوق الإنسان” (الحق) و”اتحاد لجان العمل الزراعي”، و”اتحاد لجان المرأة الفلسطينية”، و”مركز بيسان للبحوث والإنماء”.

الأمر العسكري الموقع، شمل 5 مؤسسات من أصل 6، وذلك لأن السلطات الإسرائيلية كانت صنّفت “اتحاد لجان العمل الزراعي”، العام الماضي، “منظمة إرهابية” في الضفة.

التقرير الذي نشره الموقع الالكتروني الإسرائيلي “محادثة محلية” باللغة العبرية، حول تصنيف المنظمات الحقوقية الفلسطينية في خانة الإرهاب، كشف حجم التزوير والكذب والتلفيق، الذي أظهرته الحكومة الإسرائيلية. وجاء في التقرير: “إن وزارة الخارجية الإسرائيلية ولإثبات صحة هذه المزاعم ضد المنظمات الستة، والتي كان معظمها معروفاً وقائماً على مدار سنوات عدة في الساحة الدولية، قدم مبعوثوها الإسرائيليون وثيقة (أدلة) من 74 صفحة. تم تصنيف الوثيقة على أنها سرية وتم إرسالها إلى دول أوروبية في أيار/ مايو الماضي، لكن وفقاً للأدلة التي جمعناها، فشلنا في إقناع أي من الدول التي تلقتها، لكن شهد كبار المسؤولين في خمس دول أوروبية مختلفة على الأقل بعدم وجود دليل ملموس على ذلك، لذلك قررت مواصلة دعم المنظمات مالياً”.
ماذا يعني وصم ست منظمات فلسطينية وحقوقية بـ”الإرهابية”، في حين أنها تصنف عموم الشعب الفلسطيني بالإرهاب، والفلسطيني الجيد بالنسبة إليها هو الفلسطيني “الميت”؟

وقد حصل الموقع الإلكتروني “محادثة محلية” على الوثيقة نفسها، إضافة إلى مئات الصفحات من ملخصات تحقيقات جهاز الأمن العام “الشاباك” والشرطة، تضمنت أقوال موظفين “محاسبين”، هما سعيد عبيدات وعمرو حمودة اللذان كانا يعملان في مؤسسة “اتحاد لجان العمل الصحي”، وتم فصلهما من العمل بعد الاشتباه في أن الوثيقة التي أرسلتها إسرائيل إلى الدول الصديقة تستند بالكامل تقريباً إلى شهاداتهما، التي تثبت أن المنظمات الـ6 التي أشار إليها إعلان وزير الأمن الإسرائيلي بيني غانتس كانت جزءاً لا يتجزأ من الجبهة الشعبية، وأن الأموال المتلقاة ذهبت إلى الجبهة الشعبية.

ووفقاً للمعلومات وكما هو معروف، فقد خضع الموظفون لظروف اعتقال وتحقيق قاسية جداً، على يد محققي “الشاباك”، وفي الواقع كانت الفضيحة عن تحويل أموال إلى دورة دبكة فلسطينية، لمؤسسة “بيسان”.

كما نشرت صحيفة “هآرتس” مقالاً للصديقة الصحافية عميرة هس، قالت فيه: “عندما يحدد ما هو مسموح وما هو محظور، فإنه ينتهك القانون الدولي في أي لحظة، ويسمح لليهود العنيفين بمواصلة الاحتجاجات في التلال، وكل يوم يرهب مئات آلاف الفلسطينيين، ويتم ارتكاب القتل والتدمير ضد المدنيين كمسألة روتينية”.

وتضيف: “هناك أنظمة ديكتاتورية تنبع شرعيتها من الله والكنيسة وبعض الكتب المقدسة والماركسية وحرمة رأس المال الخاص وحق استغلال الآخرين، تستمد الديكتاتورية العسكرية الإسرائيلية هالتها من الديموقراطية اليهودية الوحيدة في العالم، وتقع المسؤولية الأخلاقية والتاريخية الكاملة عن جرائم إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني على عاتق الشعب اليهودي في إسرائيل، وكذلك على عاتق ملايين اليهود حول العالم، الذين يمكنهم أن يصبحوا مواطنين إسرائيليين في أي لحظة، ويواصلون دعم الاحتلال الإسرائيلي مالياً وعاطفياً وسياسياً”.

يأتي ذلك في ظل ما كشفته تحقيقات “بيغاسوس” عن برنامج التجسس الذي أنتجته وطورته شركة السايبر الهجومي NSO الإسرائيلية، وشارك فيه موقع “درج” ونشر في تموز/ يوليو الماضي، والآن تم نشر تقرير جديد عن ثلاث منظمات دولية فحصت الهواتف الخليوية لنشطاء فلسطينيين، عن استخدام إسرائيل برنامج “بيغاسوس” لمراقبة هواتف 6 نشطاء فلسطينيين في منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان، إضافة إلى موظفين في وزارة الخارجية الفلسطينية.

وبحسب ما نشره “درج” في تعليقه على الكشف، “نحن اليوم أمام فصل جديد من هذه الفضائح، والفضيحة الجديدة مزدوجة، فهي تطاول الشركة، ولكن أيضاً تطاول الحكومة الإسرائيلية التي استعملت برنامج بيغاسوس للتنصت على نشطاء حقوقيين فلسطينيين أقدمت لاحقاً على تصنيف جمعياتهم بأنها إرهابية”.

يذكر أن صحيفة “هآرتس”، نشرت في الثامن من آب/ أغسطس الماضي تقريراً قالت فيه إن مراقب الدولة السابق، يوسف شبيرا، حذر قبل سنة تقريباً، مسؤولين في وزارة الأمن الإسرائيلية من تعارض بين تصدير التكنولوجيا الأمنية وبين انتهاك حقوق الإنسان، وذكر في هذا السياق شركة NSO التي طورت برنامج “بيغاسوس” التجسسي عبر الهواتف الخليوية.

ولم تتخذ شعبة مراقبة الصادرات الأمنية في وزارة الأمن الاسرائيلية إجراءات ملموسة من أجل مراقبة هذه الشركة، وفتحت وزارة الأمن تحقيقاً ضد NSO في أعقاب نشر تحقيق في وسائل إعلام عالمية وضغوط دولية.

وبحسب “هآرتس”، فإن شبيرا ومرافقيه حذروا من أنه إذا لم تنفذ وزارة الأمن خطوات لزيادة الإشراف على شركات السايبر، فإن “هذا سينفجر في وجه إسرائيل.

وهو اليوم ينفجر في وجه إسرائيل بحسب ما ذكر محلل الشؤون الاستخباراتية في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، رونين بيرغمان، من خلال إعلان وزارة التجارة الأميركية إدراج شركة NSO الإسرائيلية التي طوّرت برنامج “بيغاسوس” للتجسس، ضمن قائمة الشركات المحظورة، باعتبارها تمثل تهديداً للأمن القومي، والتقارير التي أعقبت ذلك، وكان آخرها ما نشر حول استخدام إسرائيل البرنامج، لاختراق الهواتف الذكية لستة نشطاء فلسطينيين، مفاجأة بالنسبة إلى مراقبين إسرائليين. ووصف بيرغمان ما يحصل بـ”المعركة” بين ما شكل صناعة الإنترنت الأميركية والإدارة في واشنطن في مواجهة شركة NSO، ما أدى إلى فتح جبهة واسعة بين البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأميركية من جهة، والحكومة الإسرائيلية من جهة أخرى.

وأشار بيرغمان إلى القناعة الإسرائيلية بأن التفسيرات التي قدمتها إسرائيل حول الأدلة المزعومة التي دفعتها للإعلان عن المؤسسات الفلسطينية الست على أنها “منظمات إرهابية”، لم تقنع مسؤولين في الإدارة الأميركية، وخصوصاً في المجلس الأمني القومي الأميركي ووزارة الخارجية، مشيراً إلى أن أحد النشطاء الحقوقيين الفلسطينيين الذي وقع ضحية التجسس الإسرائيلي بواسطة “بيغاسوس” يحمل جنسية مزدوجة (أميركية – فلسطينية)، وهو مدير مؤسسة “بيسان” أبَي العبودي، الذي يحمل الجنسية الأميركية.

قد يشكل الموقف الأميركي بداية انفجار في وجه إسرائيل الملاحقة بالفضائح والجرائم المستمرة، والسؤال المطروح، هل تستطيع الولايات المتحدة الأميركية بتركيب أسنان فولاذية لمواجهة إسرائيل والضغط عليها بإنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان في الضفة الغربية وإنهاء معاناة الفلسطينيين؟

من يحمي المجتمع الفلسطيني ومن يدافع عن حقوقه ومن يفضح جرائم إسرائيل واحتلالها وعنصريتها وإرهاب مستوطنيها؟

من الواضح أن الفلسطينيين تُركوا وحدهم، وهذا الاستفراد بمنظمات المجتمع المدني وبخاصة الحقوقية هو في سياق ما تمارسه إسرائيل منذ النكبة وحتى الآن وليس فقط منذ 54 عاماً لاحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة.

وفي ضوء ذلك ماذا يعني وصم ست منظمات فلسطينية وحقوقية بـ”الإرهابية”، في حين أنها تصنف عموم الشعب الفلسطيني بالإرهاب، والفلسطيني الجيد بالنسبة إليها هو الفلسطيني “الميت”؟

إسرائيل أسقطت الفلسطينيين حتى من مخيلتها، في ظل واقع فلسطيني مأساوي ومأزوم، الفضيحة طاولت إسرائيل وماذا بعد؟ من يحمي المجتمع الفلسطيني ومن يدافع عن حقوقه ومن يفضح جرائم إسرائيل واحتلالها وعنصريتها وإرهاب مستوطنيها؟ قد يرى فلسطينيون أن عمل منظمات المجتمع المدني بخاصة منظمات حقوق الإنسان محدود وغير مؤثر، لكن الحقيقة عكس ذلك، فما تقوم به تلك المؤسسات لم يزعج إسرائيل وحسب، بل أربكها وأخافها وشكل عامل ردع بطريقة ناعمة وسلمية، لذا استنفرت كل أجهزتها لتجريم تلك المؤسسات كما تجرّم عموم الفلسطينيين، الذين تعودوا عند وقوع أي مصيبة، بأن يصدحوا بأعلى أصواتهم “وين مؤسسات حقوق الإنسان؟”.

ها هي منظمات حقوق الإنسان تفضح إسرائيل حتى لحظة تجريمها، هل سيقف العالم في وجه دولة الفضائح؟ وهل سيكف الفلسطينيون عن سؤالهم المعهود أين منظمات حقوق الإنسان، فتواجه مصيرها وحيدة؟

الرابط مختصر: