محمد سالم: هندسة الأنقسام!!

قلنا فى مقال سابق: الوحدة الوطنية رسالة ، والرسالة أمانة ، والأمانة واجب. وهي بذلك تختلف عن البروباجندا السياسية ، سواء كانت تأييداً، أو معارضةً ، كما تحتاج لدرجة عالية من النزاهة والمسؤولية والاحترام للحقيقة وللناس معاً ، الوحدة الوطنية لحظة صدق مع الذات ومع الشعب ، الوحدة. لحظة مواجهة صريحة مع الواقع ينتفي فيها الخوف أو يتهرب منها الجبان ، فالوحدة والمصالح الحزبية او الخاصة لا يلتقيان ، فإما الوحدة وإما خسارة القضية ، وعلي السادة أن يختاروا ، فإما الوجود ، وإما العدم ، ولا ثالث لهما الا التردد ثم التمزق ، ثم السقوط في هاوية سحيقة! والقادم سيكون كارثي. فمازال السيناريو قائما وتنفذ خطواته حرفيا علي قدم وساق. فى ظل تنفيذ برامج التطبيع المخزية بين الصهاينة وصبيانهم!

شفاؤك منك وتستنكر ، و دؤاك منك ولا تشعر!!
شعب ينوء كاهله بأعباء جسام وصعوبات معيشة غير مسبوقة، بسبب مجمل الوضع المنهار سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا؛ ولا يمكن لنا الوقوف عند العناوين الكبيرة لهذا الفشل المزدوج لأنه له أسباب كثيرة داخلية وخارجية، والقوم فى دهشة من أمرهم عن أسباب العجز في انجاز حوار الكذب الانتخابي ، او مسلسل الوحدة السمج ، وكأن الوصول بالانهيار إلى حده الأقصى صار هدفًا لمن يتحكمون بمفاصل القرار !! للأسف العامل الذاتي غير ناضج بحكم الخارج ؟! وإذا جاز لأصحاب النية الحسنة أن يتساءلوا عن هؤلاء ومن يكونون، فالإجابة ليست صعبة، فالوضع الحزبي والانقسام الاسود الذي اصبح مقنن ومعترف به جعل الأطراف الخارجية تتخذ لها مرتكزات داخلية، لدرجة أن البعض لا يتخذ مواقف محددة ؛ وكأن هناك من يتعمد اطلاق الرصاص علي قدميه. نحن نعيش كذبة حقيقة في ظل هندسة الانقلاب لصالح اصحاب السلطات والنفوذ وقسم كبير من المنتفعين ببقاء الوضع على ما هو عليه اما القلة المتبقية لا تستطيع ان تفعل شيء!!

على كل حال .. الأيام قادمة و ستكشف كثيرا من الحقائق التي من أهمها أن دوائر الاستخبارات الصهيونية، وأخرى عربية ، تعمل على استمرار حالة الانقسام الاسود “هندستها” وهذا هو الخطأ الذي يرتكب – داخليا – فهل نؤمن بالوحدة الحقيقية من أجل الاستقلال وانهاء هذه الحالة الشاذة؟ ام نفتقد للواقع ولأبسط قواعد العمل السياسي- وحدة الارض والقرار؟ و بين آراء ومواقف تجاه موضوع الانتخابات والوحدة الوطنية قبل وبعد الإعلان عن ان هذه هى “الاستراتيجية الوطنية” فبقدر ما تثير هذه الكلمات من الضحك والسخرية، فإنها تثير أيضا الشفقة والرثاء على هؤلاء البشر، رغم أنهم لا يستحقون في الحقيقة سوى عظيم الاحتقار. هؤلاء جعلوا من قضيتنا “حاله” ومجالا للتندر والازدراء، وأهانوا شرف الكلمة وثقافتها وفكرها وأدبها وقدسيتها وكل ما يمثل قوتها.

أن اكبر مشكلة داخلية اننا كأغلبية مجتمعية لا نكاد نجد شخصية او توجه او تيار او حزب او حتي مؤسسة يمكن الاتفاق عليها والوثوق بها والالتفاف حولها. فكل ما نراه ونعيش من انهيار لقيم القضية الشريفة العادلة ، هو صناعة و سياسية صهيونية بامتياز خالص، و بأيدي ساستنا الأشاوس كتبنا أسوأ صفحات في خراب قضيتنا. كل مواطن يراد له أن تتكسر روحه تحت حكم المستفيدين المفسدين والمستبدين، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الانقسام والفساد.

أقول عن نفسي إنني شعرت بالإساءة حين وجدت قضيتي و مستقبلي ومستقبل أبنائي وبلدي، يحدد بمثل هذا الاستخفاف، دون أن تكون لي، كمواطن، كلمة ولا رأي، ودون أن يصل صوتي عن طريق القنوات التي صاغتها تجاربُ طويلةٌ للشعوب، والتي تتيح للناس في المجتمعات التي تحترم مواطنيها أن يختاروا من سيتحمل مسئولياتهم في مستقبل الأيام.

و لا يختلف الواقع عن الشأن السياسي، فخلال السنوات الماضية تم تقريبا تجريف وهدم وتشويه كل شئ ، البعض افشل نفسه بنفسه وخيب املنا وتوقعاتنا فيه، والبعض ظهر علي حقيقة تهافته وسطحيته، والبعض هرب مهرولا والبعض اختفي متعمدا ومترفعا، والكثيرون حُجبوا عمدا وقهرا؛ ولأن السياسة والحياة كالطبيعة لا تعرف الفراغ فقد تم تصدير وتصدر نماذج وشخصيات وقضايا واولويات وهياكل ومؤسسات لا تنال ثقة الناس ولا تحترم عقولها ولا تستميل قلوبها.. بمعني ليسا أهلا لالتفاف الناس حولهم ! باعتبارهم. بلاء ليس بعده من بلاء ، وبالتالي فالحل يكون فى تجديد دماء. وإجراء الانتخابات وانجاز الوحدة الوطنية الحقيقية. وليس هندسة واستمرار مخطط الانقسام الأسود.

فالوحدة الوطنية ليست في حاجة إلى مؤتمرات جديدة بقدر ما هي في حاجة إلى إرادة فعل ، وعدم انتظار القرار من الخارج ؛ حتى لا يتكرر ما جرى في2007 مرة أخرى. فالقضية تحتاج إلى أن تؤمن السلطة غزة / ضفة / أشباه سلطة/ بأن مشروعية بقائهما مرهونة برضا الشعب. وأن ارتفاع منسوب الغضب الشعبي يفقدهما تلك المشروعية، فما نحتاجه أن يتم ترجمة الرضا والغضب عبر صناديق اقتراع في انتخابات حرة نزيهة شفافة، فى ظل وجود العديد من الفئات من ابناء شعبنا للمشاركة في الحياة السياسية، وانه ان الاوان لوجود برامج جديدة تعتمد على العمق الداخلي ذات الاتصال مع الثوابت الوطنية. نحتاج إلى حوار عام مع المخالفين والمعارضين، إلى إخلاء سبيل الشعب، إلى إعادة النظر في الممارسات الحزبية القهرية المقيدة. والبعد عن لعبة المصالح والمنافع والاسترزاق والفساد السياسي ، وهو منبع كل انواع الفساد.

الرابط مختصر: