ثابت

إسرائيل تعيد رسم خريطة شرق القدس عبر مشروع E1

صور الأقمار الصناعية تكشف تمدد معاليه أدوميم

الخامسة للأنباء - غزة

تكشف صور أقمار صناعية حديثة عن تسارع لافت في أعمال التوسع العمراني والاستيطاني في محيط مستوطنة معاليه أدوميم المقامة شرق القدس المحتلة. في وقت تتقدم فيه إسرائيل بخطوات متسارعة لتنفيذ مخطط E1 الذي يربط المستوطنة بمدينة القدس عبر سلسلة من المشاريع السكنية والتجارية وشبكات الطرق.

وأظهر تحليل أجرته وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة لأكثر من 80 صورة أقمار صناعية التُقطت خلال الفترة الممتدة من 31 مايو/أيار 2025 وحتى 24 أغسطس/آب 2026. تغيرات واضحة في المشهد العمراني حول معاليه أدوميم والمنطقة الصناعية التابعة لها، بما في ذلك أعمال تجريف وتمهيد وشق طرق استعدادًا لمشاريع بناء جديدة.

ولا تأتي هذه الأعمال بمعزل عن المخطط الأوسع المعروف باسم E1. الذي يمثل أحد أكثر المشاريع الاستيطانية حساسية في الضفة الغربية، بسبب موقعه بين القدس الشرقية ومعاليه أدوميم وتأثيره المحتمل على التواصل الجغرافي الفلسطيني.

تمدد عمراني يتسارع على الأرض

وتظهر مقارنة صور الأقمار الصناعية الملتقطة في يونيو/حزيران وأغسطس/آب 2026 بدء أعمال تمهيد واسعة على امتداد نحو 1.2 كيلومتر على المحور الواقع بين معاليه أدوميم ومنطقة ميشور أدوميم الصناعية.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

وتقع المنطقة ضمن نطاق مخططات توسع سكنية وعمرانية جديدة. تتضمن أكثر من 2000 وحدة سكنية إلى جانب طرق وبنية تحتية ومرافق مرتبطة بالمستوطنة والمنطقة الصناعية.

وتكتسب هذه الأعمال أهمية خاصة لأنها تشير إلى انتقال أجزاء من مخططات التوسع من مرحلة التخطيط والمصادقة إلى مرحلة الأعمال الميدانية. بما يغير تدريجيًا طبيعة المنطقة المفتوحة الواقعة شرق القدس.

كما أظهرت الصور تسارع أعمال التوسع في المنطقة الصناعية، في مؤشر على أن المشروع لا يقتصر على إضافة وحدات سكنية. وإنما يتجه إلى إنشاء كتلة عمرانية واقتصادية مترابطة.

المنطقة الصناعية.. ذراع اقتصادية للتوسع

تشمل خطط التوسع أيضًا منطقة ميشور أدوميم الصناعية، التي تشهد أعمال تطوير وإعداد أراضٍ جديدة.

وتشير المعطيات التي أوردها تحليل صور الأقمار الصناعية إلى أن التوسعة الجنوبية للمنطقة الصناعية تبلغ نحو 450 دونمًا. وهي مساحة كبيرة مقارنة بالمنطقة القائمة، بما يعكس اتجاهًا لتوسيع القاعدة الاقتصادية للمستوطنة بالتوازي مع التوسع السكني.

وتشمل المخططات الجديدة منشآت تجارية وصناعية ومكاتب ومرافق تشغيلية. ما يعزز قدرة المنطقة على استيعاب مزيد من النشاط الاقتصادي والسكان.

وبذلك تبدو عملية التوسع وكأنها تقوم على مسارين متوازيين: توسيع المناطق السكنية من جهة. وإنشاء بنية اقتصادية وصناعية داعمة من جهة أخرى.

E1.. الحلقة التي تربط القدس بمعاليه أدوميم

لكن التطور الأكثر أهمية لا يتعلق بمستوطنة معاليه أدوميم وحدها، وإنما بالمنطقة الواقعة بينها وبين القدس، والمعروفة باسم E1.

ويمتد مخطط E1 على مساحة تقارب 12 كيلومترًا مربعًا، ويقع بين القدس الشرقية ومعاليه أدوميم، ويشمل أراضي تقع في محيط بلدات فلسطينية مثل عناتا والزعيم والعيزرية وأبو ديس والعيساوية.

وتستهدف الخطط الإسرائيلية إقامة 3401 وحدة استيطانية في المنطقة، إلى جانب مناطق تجارية وتشغيلية وشبكة من الطرق والبنية التحتية.

وقد حصلت الخطط الخاصة ببناء الوحدات السكنية في E1 على الموافقة النهائية في أغسطس/آب 2025، قبل أن تبدأ إسرائيل خطوات عملية باتجاه تنفيذها.

وفي يناير/كانون الثاني 2026، طُرح عطاء لبناء الوحدات الـ3401، في خطوة اعتبرتها منظمات تراقب الاستيطان انتقالًا إلى مرحلة أكثر تقدمًا من تنفيذ المشروع.

1234 وحدة جديدة.. خطوة تنفيذية جديدة

وفي أحدث تطور، دفعت إسرائيل بالمشروع خطوة إضافية خلال أغسطس/آب الجاري، بعدما طرحت مناقصة لبناء 1234 وحدة سكنية ضمن مخطط E1، من أصل 3401 وحدة تمت المصادقة عليها.

وتتوزع الوحدات على سبعة مجمعات بناء داخل الجزء الجنوبي من المخطط، في منطقة تقع شمال الطريق رقم 1 الذي يربط القدس بأريحا، وضمن ما يسمى النفوذ البلدي لمعاليه أدوميم.

وبحسب منظمة “السلام الآن”، فإن جدول المناقصة حُدد بحيث يبدأ تقديم العروض في أغسطس/آب 2026، مع موعد نهائي في أكتوبر/تشرين الأول. كما تتقدم بالتوازي مناقصة أخرى لإنشاء منطقة تشغيلية وتجارية تبلغ مساحتها نحو 1355 دونمًا في E1.

وهكذا، فإن التطورات الحالية تجمع بين التوسع العمراني الذي ترصده الأقمار الصناعية وبين إجراءات حكومية ومناقصات تمهد لتطبيق مشاريع جديدة على الأرض.

 

لماذا يمثل E1 أهمية استراتيجية؟

تكمن حساسية المشروع في موقعه الجغرافي. فمعاليه أدوميم تقع شرق القدس، بينما تقع منطقة E1 بين المستوطنة والمدينة. وبالتالي، فإن تنفيذ المخطط سيؤدي إلى إنشاء تواصل عمراني إسرائيلي متصل بين القدس ومعاليه أدوميم.

ويقول منتقدو المشروع إن هذه الخطوة قد تؤدي إلى زيادة تجزئة الضفة الغربية، وتحد من إمكانية إنشاء منطقة فلسطينية متصلة جغرافيًا بين رام الله والقدس وبيت لحم.

وتشير منظمة “السلام الآن” إلى أن تطوير E1 سيمنع تطور منطقة حضرية فلسطينية مترابطة في هذه المنطقة، ويؤثر بصورة مباشرة في فرص تطبيق حل الدولتين.

أما الجانب الإسرائيلي، فيتعامل مع المشروع باعتباره جزءًا من تطوير القدس ومعاليه أدوميم والبنية التحتية المحيطة بهما.

شبكة طرق تعيد تنظيم حركة المنطقة

ولا تقتصر المخططات على البناء السكني والتجاري، إذ يجري بالتوازي تطوير شبكة طرق جديدة.

وبحسب “السلام الآن”، تعمل السلطات الإسرائيلية على إنشاء طريق جديد لتحويل حركة المركبات الفلسطينية بعيدًا عن الطريق الحالي الذي يمر بين معاليه أدوميم وE1. مع خطط لإغلاق الطريق القائم أمام الفلسطينيين بعد إنشاء البديل.

وتقول المنظمة إن هذا المسار سيؤثر في حركة الفلسطينيين في المنطقة، ولا سيما التجمعات البدوية الموجودة داخل نطاق E1. بينها خان الأحمر وتجمعات أخرى.

كما تتقدم مشاريع طرق وأنفاق تربط معاليه أدوميم بالقدس، بما في ذلك مشاريع مرتبطة بالطريق الدائري الشرقي للقدس. في إطار شبكة نقل تهدف إلى تسهيل حركة المستوطنين بين القدس والمستوطنات الواقعة شرقها.

ماذا يحدث للقرى الفلسطينية؟

يقع مخطط E1 في منطقة تحيط بها تجمعات وبلدات فلسطينية. ما يجعل التوسع الاستيطاني مرتبطًا بصورة مباشرة بمستقبل هذه التجمعات وحركتها.

وتشير تقارير مراقبة الاستيطان إلى أن بعض المشاريع الجديدة للطرق والبنية التحتية قد تؤدي إلى تغيير مسارات الحركة الفلسطينية وعزل مناطق عن طرق رئيسية كانت تستخدمها في السابق.

كما تترافق هذه المشاريع مع مخططات تستهدف إعادة تنظيم تجمعات بدوية فلسطينية في المنطقة. الأمر الذي يثير مخاوف بشأن احتمال تهجير سكانها أو إعادة توطينهم في مناطق أخرى.

وتقول “السلام الآن” إن الحكومة الإسرائيلية تدفع بالتوازي باتجاه مخطط لتوسيع حي الجبل في أبو ديس. يمكن أن يوفر وحدات سكنية للتجمعات البدوية التي قد تتأثر بإغلاق المنطقة.

الاستيطان يتحول من مخططات إلى واقع عمراني

وتكتسب صور الأقمار الصناعية أهميتها من كونها تقدم دليلًا بصريًا على التحولات التي تشهدها المنطقة.

فالمخططات والخرائط الرسمية قد تبقى لسنوات في مراحل الموافقة أو التأجيل. لكن ظهور أعمال تجريف وتمهيد وشق طرق على صور ملتقطة بفواصل زمنية مختلفة يشير إلى انتقال أجزاء من المشروع إلى مرحلة التنفيذ الميداني.

ويأتي ذلك بعد عام شهد دفعًا كبيرًا للمخططات الاستيطانية؛ إذ تقول “السلام الآن” إن عام 2025 شهد تقدم مخططات لنحو 27,941 وحدة سكنية في المستوطنات، بينها 6916 وحدة في معاليه أدوميم وE1.

مشروع واحد.. ثلاث نتائج جغرافية

وبالنظر إلى الصورة الأشمل، يمكن قراءة التوسع الجاري حول معاليه أدوميم وE1 من خلال ثلاثة مسارات مترابطة:

أولًا: التوسع السكاني عبر إنشاء آلاف الوحدات السكنية الجديدة.

ثانيًا: التوسع الاقتصادي من خلال تطوير مناطق صناعية وتجارية وتشغيلية.

ثالثًا: إعادة تشكيل شبكة الطرق بما يربط المستوطنات بالقدس ويعيد توزيع حركة الفلسطينيين في المنطقة.

هذه العناصر الثلاثة تجعل المشروع يتجاوز فكرة بناء حي استيطاني جديد، ليتحول إلى إعادة صياغة تدريجية للمشهد العمراني والجغرافي في شرق القدس.

ما الذي تكشفه صور الأقمار الصناعية؟

في المحصلة، لا تظهر الصور مجرد أعمال بناء متفرقة، وإنما تكشف عملية توسع عمراني متدرجة تتداخل فيها الوحدات السكنية مع المناطق الصناعية والطرق والبنية التحتية.

ومع طرح مناقصات جديدة لبناء مئات الوحدات ضمن مشروع E1. واستمرار الأعمال الميدانية في محيط معاليه أدوميم، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة من التوسع الاستيطاني.

وبالنسبة للفلسطينيين، فإن أهمية هذه التطورات لا تكمن فقط في عدد الوحدات التي ستبنى، وإنما في الموقع الذي ستبنى فيه. فالمشروع يقع في واحدة من أكثر المناطق حساسية في الضفة الغربية، عند نقطة الاتصال بين القدس ووسط الضفة وجنوبها.

ولهذا السبب، فإن معركة E1 ليست معركة على آلاف الوحدات السكنية فحسب. بل على شكل الخريطة التي قد تقوم عليها أي تسوية سياسية مستقبلية.

وبينما تظهر الأقمار الصناعية كيف تتغير الأرض يومًا بعد يوم، تشير المناقصات والمخططات والطرق الجديدة إلى أن إسرائيل تمضي بالتوازي في تثبيت هذه التغييرات على الأرض. في خطوة يرى منتقدوها أنها قد تجعل أي تغيير مستقبلي في خريطة المنطقة أكثر تعقيدًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى