الحقيقة أولاً: الإعلام والرأي العام وبناء الثقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين

الخامسة للأنباء - غزة
الكاتب: الدكتور نبيل كوكالي
مؤسس ورئيس المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي، وباحث وخبير في الرأي العام ومحلل سياسات
قبل أكثر من عقد، كنت أطرح سؤالًا ما زلت أراه حاضرًا اليوم، وربما أصبح أكثر إلحاحًا مما كان عليه في ذلك الوقت: ما الدور الذي ينبغي أن يؤديه الإعلام في مجتمع يعيش صراعًا طويلًا، تتداخل فيه السياسة بالخوف والذاكرة والأمن والحقوق، وتتشكل فيه صورة كل طرف عن الآخر من خلال التجربة المباشرة، ولكن أيضًا من خلال ما يراه ويسمعه ويقرأه؟
في عام 2014، وفي إطار دراسة عن الإعلام في الأراضي الفلسطينية ضمن مشروع «مقياس الجوار الأوروبي»، نفذ المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي عملًا ميدانيًا شمل عينة عشوائية من ألف فلسطيني بعمر 15 عامًا فأكثر في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة. وقد أظهرت النتائج آنذاك إدراكًا واسعًا لأهمية وسائل الإعلام في التأثير في الرأي العام؛ إذ رأى 71% أن الإذاعة تؤدي دورًا مهمًا في هذا المجال، مقابل 69% للتلفزيون، و56% للصحافة المطبوعة، و53% للمواقع الإلكترونية.
غير أن ما شغلني يومها لم يكن حجم هذا التأثير وحده، بل الكيفية التي يُستخدم بها. فقد دعوت في البيان المصاحب للدراسة إلى أن تسهم وسائل الإعلام في بناء التفاهم، ودعم التنوع الثقافي والحضاري، وتصحيح الأحكام المضللة والصور المشوهة التي تحملها الشعوب عن بعضها. ومن المهم هنا أن أوضح أن هذه الدعوة لم تكن إجابة قالها المبحوثون، وإنما كانت قراءة تحليلية مني للنتائج وللمسؤولية التي اعتقدت، وما زلت أعتقد، أن على الإعلام أن يتحمل جزءًا منها. فهذا الفصل بين ما تقوله البيانات وما يستنتجه الباحث منها ليس تفصيلًا منهجيًا صغيرًا، بل هو في حد ذاته جزء من احترام الحقيقة. ومن هنا يمكن تلخيص الفكرة بعبارة أراها جوهرية في هذا السياق: “قد لا تكون الحقيقة كافية لصنع السلام، لكنها الأرض الوحيدة التي يمكن أن تُبنى عليها الثقة”.
أعود إلى تلك الفكرة اليوم لأن البيئة التي يتشكل فيها الرأي العام تغيرت بصورة جذرية. لم يعد المواطن يعتمد فقط على التلفزيون والصحافة والإذاعة والمواقع الإخبارية، وإنما يعيش في فضاء تتداخل فيه منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة والمحتوى القصير والخوارزميات التي تقرر، بدرجات متفاوتة، ما الذي يظهر أمامه وما الذي يبقى بعيدًا عن مجال رؤيته.
ثم جاء الذكاء الاصطناعي التوليدي ليضيف تحديًا جديدًا؛ إذ بات من الممكن إنتاج نصوص وصور وأصوات ومقاطع مرئية شديدة الواقعية، بحيث لم يعد السؤال مقتصرًا على كيفية عرض الحقيقة، بل أصبح علينا أحيانًا أن نسأل قبل ذلك: هل المادة التي نشاهدها أو نسمعها حقيقية أصلًا؟
في صراع طويل ومؤلم مثل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، لا تبقى الصور والعناوين مجرد أخبار عابرة. فما يراه الفلسطيني عن الإسرائيلي، وما يراه الإسرائيلي عن الفلسطيني، وما يسمعه كل طرف عن نوايا الآخر ومخاوفه وطموحاته، يتراكم بمرور الوقت ويصبح جزءًا من الطريقة التي يفهم بها كل مجتمع المجتمع الآخر. وعندما تتكرر صورة واحدة باستمرار، يمكن أن تنتقل في وعي الجمهور من وصف شخص أو جماعة أو حدث محدد إلى حكم عام على مجتمع أو شعب بأكمله، وهنا يصبح الإعلام قادرًا ليس فقط على نقل الواقع، وإنما أيضًا على التأثير في الحدود التي يرسمها الناس لما يعتقدون أنه ممكن أو مستحيل.
لكن الدعوة إلى إعلام أكثر مسؤولية لا تعني، بالنسبة إلي، مطالبة الصحفي بتجميل الواقع، أو إخفاء الانتهاكات، أو التقليل من الحقوق أو الألم. فإذا وقع قتل، يجب الإبلاغ عنه، وإذا وقع انتهاك، يجب توثيقه، وإذا وجد تحريض، ينبغي كشفه. غير أن الحقيقة لا تحتاج إلى التعميم حتى تكون قوية، ولا يحتاج توثيق فعل فرد أو جماعة إلى تحويله تلقائيًا إلى حكم على مجتمع بأسره. كما أن الإنصاف المهني لا يعني مساواة الوقائع أو المسؤوليات عندما تكون مختلفة، ولا يقتضي تجاهل السياق أو تفاوت القوة أو حجم المعاناة. فالحياد المهني، في تقديري، ليس الوقوف في منتصف المسافة بين الحقيقة والكذب، وإنما الالتزام بالدقة والتحقق والسياق، والتمييز بين الخبر والتفسير، وبين ما نعرفه وما نفترضه.
ومن هنا تلتقي وظيفة الإعلام بوظيفة استطلاعات الرأي. فمنذ سنوات طويلة، لم أتعامل مع الرأي العام باعتباره مجرد مجموعة من النسب المئوية التي تصلح للعناوين، وإنما باعتباره أحد المكونات الحقيقية للحياة السياسية؛ فما يخشاه الناس وما يأملونه، وما يقبلونه ويرفضونه، وما يعتقدون أنه ممكن أو مستحيل، يحدد جزءًا من المساحة التي يستطيع السياسيون التحرك داخلها. ومع ذلك، فإن استطلاع الرأي لا يصل عادة إلى الجمهور بصورته الكاملة، بل يصل إليه في كثير من الأحيان عبر وسيلة إعلام تختار رقمًا واحدًا من بين عشرات النتائج وتجعله عنوانًا، وهنا تظهر مفارقة مهمة: قد يكون الرقم صحيحًا تمامًا، بينما تكون الصورة التي بُنيت حوله ناقصة أو مضللة.
إذا احتوى استطلاع واحد على مواقف مختلفة أو متعارضة ظاهريًا، ثم اختارت وسيلة إعلام النتيجة الأكثر إثارة للخوف أو الغضب وقدمتها باعتبارها موقف المجتمع كله، فإنها لم تزور الرقم، لكنها قدمت جزءًا من الحقيقة كما لو كان الحقيقة كلها. ولهذا لا يكفي أن نسأل عما إذا كانت النسبة صحيحة؛ بل ينبغي أن نعرف من الذين سُئلوا، ومتى أجريت المقابلات، وكيف اختيرت العينة، وما صياغة السؤال، وما خيارات الإجابة، وما إذا كانت النتيجة تعكس جميع المستجيبين أم فئة محددة منهم. فهذه ليست تفاصيل فنية تخص الباحث وحده، وإنما عناصر أساسية في معنى الرقم نفسه.
وتظهر أهمية ذلك بوضوح في استطلاع نفذه المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي بين 5 و18 تموز/يوليو 2026 على 309 مستجيبين في الضفة الغربية وقطاع غزة، باستخدام الاختيار العشوائي لأرقام الهواتف والمقابلات الهاتفية بمساعدة الحاسوب.
بلغ معدل الاستجابة 64%، وبلغ هامش الخطأ الإحصائي نحو ±5.57 نقطة مئوية عند مستوى ثقة 95%. وقد أظهرت النتائج أزمة ثقة حقيقية؛ إذ اعتبر 77.7% انعدام الثقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين عقبة كبيرة أو متوسطة أمام السلام، فيما أبدى 72.9% شكًا في وجود رغبة إسرائيلية كافية في السلام. وفي الوقت نفسه، رأى 68.9% أن التعايش الفلسطيني–الإسرائيلي يمكن أن يصبح ممكنًا إذا قام على العدالة والحقوق المتساوية، بينما رأى 80.6% أن الأمن والكرامة والحرية احتياجات مهمة للطرفين، وأكد 80.9% أن الاتفاق السياسي وحده لا يكفي من دون بناء الثقة والاحترام المتبادل.
لا تسمح لنا هذه النتائج بالقول إن الفلسطينيين متفائلون حيال الواقع القائم، كما لا تسمح بالقفز إلى استنتاج أن أزمة الثقة قد انتهت أو أنها مسألة ثانوية. لكنها تكشف واقعًا أكثر تعقيدًا، وهو أن فقدان الثقة في الحاضر لا يعني بالضرورة الاعتقاد بأن بناءها في المستقبل مستحيل. فالإنسان يستطيع أن يكون شديد التشاؤم تجاه الوضع الحالي، وفي الوقت نفسه يؤمن بأن علاقة مختلفة قد تصبح ممكنة إذا تغيرت شروط العدالة والحقوق والأمن والكرامة. ولذلك فإن نشر نتيجة انعدام الثقة وحدها يقدم حقيقة، لكنه لا يقدم الحقيقة كلها، تمامًا كما أن نشر نتيجة الاستعداد المشروط للتعايش وحدها وإخفاء عمق أزمة الثقة سيكون انتقاءً في الاتجاه المقابل. مهمة الإعلام المهني ليست البحث عن النتيجة الأكثر تفاؤلًا ولا الأكثر تشاؤمًا، بل مساعدة الجمهور على فهم كيف يمكن أن توجد النتيجتان معًا.
وينبغي تطبيق المعيار نفسه عند الحديث عن المجتمع الإسرائيلي. ففي يوليو/تموز 2026، أظهر «مؤشر السلام» الصادر عن جامعة تل أبيب أن 29% من المستجيبين اليهود أيدوا إجراء مفاوضات مع السلطة الفلسطينية، بينما أظهرت الأسئلة المتعلقة بالترتيبات طويلة الأمد أن 33% أيدوا ضم الأراضي مع منح الفلسطينيين حقوقًا محدودة، و25% فضلوا استمرار الوضع القائم، و24% أيدوا حل الدولتين، و6% فقط أيدوا دولة ثنائية القومية. ولم يحصل أي من هذه البدائل على تأييد أغلبية الجمهور اليهودي. وفي المقابل، أيد 81% من المستجيبين العرب في إسرائيل المفاوضات مع السلطة الفلسطينية، وأيد 71% منهم حل الدولتين، كما ظهرت داخل الجمهور اليهودي نفسه فروق كبيرة بين اليمين والوسط واليسار.
لا تعني هذه الأرقام أن المجتمع الإسرائيلي يتجه نحو السلام، كما لا ينبغي استخدامها للتقليل من خطورة الاتجاهات المؤيدة للضم أو لتقييد الحقوق الفلسطينية. ما تقوله بصورة أدق هو أن المجتمع الإسرائيلي، شأنه شأن المجتمع الفلسطيني، ليس كتلة سياسية واحدة، وأن داخله اختلافات حقيقية في المواقف والتصورات والخيارات السياسية. ولذلك فإن العبارات المطلقة من نوع “الإسرائيليون يريدون” أو “الفلسطينيون يؤمنون” تحتاج دائمًا إلى سؤال إضافي: أي إسرائيليين وأي فلسطينيين، وفي أي وقت، وتحت أي ظروف، وبأي صياغة للسؤال؟
وقد يكون لاختزال المجتمعات في صورة واحدة ثمن يتجاوز مجرد سوء الفهم. فإذا اقتنع الإنسان بأن المجتمع الآخر كتلة مغلقة لا تتغير، فقد تتأثر ليس فقط نظرته إلى ذلك المجتمع، وإنما أيضًا نظرته إلى ما هو ممكن سياسيًا. وإذا اعتقد الفلسطيني، على سبيل المثال، أن جميع الإسرائيليين يحملون الموقف نفسه وأنه لا توجد داخل مجتمعهم تيارات مختلفة أو أصوات يمكن التأثير فيها أو مخاطبتها، فقد تبدو له محاولات تغيير المواقف أو بناء قنوات تواصل بلا معنى. ويمكن أن يحدث الأمر نفسه في الاتجاه الآخر عندما يُختزل الفلسطينيون في صورة واحدة لا تعترف بتنوع المواقف والتجارب والآراء داخل المجتمع الفلسطيني.
ومن هنا أعتقد أن من المفيد التفكير في مفهوم أسميه، بصورة أولية، “القيود الإعلامية المُدرَكة”. ولا أقدمه باعتباره نظرية مثبتة أو مقياسًا علميًا جاهزًا، وإنما بوصفه فكرة تحتاج إلى البحث والاختبار. والمقصود به شعور الإنسان بأن البيئة الإعلامية التي يعتمد عليها لا تتيح له دائمًا الوصول إلى معلومات متنوعة وموثوقة وموضوعة في سياقها عن الواقع وعن المجتمع الآخر. ويمكن أن تنشأ هذه القيود من ضغوط سياسية أو أمنية، أو قيود مؤسسية، أو رقابة ورقابة ذاتية، أو انتقائية تحريرية، أو محدودية مصادر المعلومات، أو خوارزميات تكرر أمام المستخدم أنماطًا متشابهة من المحتوى انطلاقًا من اهتماماته ومواقفه وسلوكه السابق. وإذا حدث ذلك، فقد لا تتأثر فقط كمية المعلومات التي تصل إليه، وإنما أيضًا نوع العالم الذي يستطيع أن يتخيله.
ويضيف الذكاء الاصطناعي بعدًا جديدًا لهذه المشكلة. ففي السابق كان جزء كبير من النقاش يدور حول اجتزاء الصورة أو إخراج الخبر من سياقه، أما اليوم فمن الممكن أن تكون الصورة أو المادة الصوتية أو المرئية نفسها مولدة أو معدلة. ولا يعني ذلك أن المحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي كاذب بطبيعته أو ضار؛ فالذكاء الاصطناعي يوفر أدوات مهمة في البحث والصحافة والتعليم والترجمة والتحليل والإبداع. لكن المشكلة تبدأ عندما يقدم المحتوى المصنع أو المعدل باعتباره توثيقًا حقيقيًا، أو عندما لا يعرف الجمهور أن المادة التي أمامه جرى توليدها أو تغييرها.
وقد أظهرت تجارب منشورة في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» عام 2024، شملت 2215 مشاركًا في خمس تجارب مسجلة مسبقًا، أن البشر يستطيعون التمييز بين بعض الخطابات السياسية الحقيقية والمصنعة بدرجة أفضل من التخمين العشوائي، إلا أن قدرتهم بعيدة عن الكمال، وأن بعض أنواع التزييف الصوتي والمرئي المتطور يصعب اكتشافها بصورة موثوقة. والدرس الأكثر أهمية هنا ليس أن الجمهور عاجز دائمًا عن التمييز، بل أن البيئة الإعلامية الجديدة تجعل التحقق أكثر أهمية، وتفرض علينا الحذر من افتراض أن ما يبدو حقيقيًا هو حقيقي بالضرورة.
وقد تكون المشكلة الأعمق في المدى البعيد ليست فقط أن يصدق الإنسان مادة زائفة، بل أن تتآكل ثقته في إمكان معرفة ما هو حقيقي أصلًا. فعندما يصبح من الممكن التشكيك في الصورة الحقيقية باعتبارها مصنوعة، أو تمرير مادة مصنوعة باعتبارها حقيقية، تنشأ بيئة يستطيع فيها التضليل أن يعمل في اتجاهين: إقناع الجمهور بما لم يحدث، أو دفعه إلى رفض ما حدث فعلًا. ولهذا تصبح الشفافية بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي، والتحقق من المصادر، والاحتفاظ بالأدلة الأصلية، أكثر أهمية من أي وقت مضى.
ويمتد هذا التحدي إلى استطلاعات الرأي والبحث الاجتماعي أيضًا. فإذا أصبحت الأدوات الآلية قادرة على إنتاج إجابات تشبه اللغة البشرية، فإن حماية جودة البيانات والتحقق من مصدر الاستجابة يكتسبان أهمية متزايدة، وخصوصًا في الاستبيانات الرقمية المفتوحة. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الباحث في الترجمة، وتنظيف البيانات، والكشف عن بعض أنماط الخطأ، وإجراءات الجودة والتحليل، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن الإنسان عندما يكون موضوع الدراسة هو الخبرة الإنسانية والرأي العام. فاستطلاع الرأي، في جوهره، ليس محاولة لمعرفة ما يمكن لآلة أن تتنبأ بأن الناس سيقولونه، وإنما محاولة منهجية للاستماع إلى ما يقوله الناس الحقيقيون عن حياتهم ومخاوفهم وآمالهم ومواقفهم.
بهذا المعنى، تشكل العلاقة بين الإعلام والجمهور واستطلاعات الرأي دائرة مترابطة. فالأحداث تقع في الواقع، والإعلام ينقلها ويقرر كيف يقدمها، والجمهور يبني جزءًا من مواقفه في ضوء ما يراه ويسمعه ويعيشه، ثم تأتي استطلاعات الرأي لقياس تلك المواقف، وبعد ذلك يعود الإعلام لينقل نتائج الاستطلاع إلى الجمهور. وإذا دخل الانتقاء أو التشويه في أي مرحلة من هذه الدائرة، فقد ينتقل أثره إلى المرحلة التالية، وفي عصر الذكاء الاصطناعي أصبح من الممكن أن يدخل المحتوى المصنع إلى هذه الدائرة منذ بدايتها. ولهذا فإن حماية الحقيقة مطلوبة في اتجاهين معًا: حماية حقيقة المعلومات التي تسهم في تشكيل الرأي العام، وحماية حقيقة البيانات التي نزعم أنها تمثل هذا الرأي العام.
لا أطلب من الإعلام أن يصنع السلام، ولا أن يخفي الألم أو الحقوق أو الخلافات حتى يقدم صورة أكثر راحة، كما لا أطلب من استطلاعات الرأي أن تقول للناس ماذا ينبغي أن يفكروا. ما أدعو إليه أبسط من ذلك في عبارته، لكنه أصعب في ممارسته: ألا نختزل البشر؛ وألا يتحول الصوت الأكثر تطرفًا إلى صورة المجتمع كله، أو النسبة الأكثر إثارة إلى صورة الاستطلاع كله، أو المادة المصنعة إلى حقيقة موثقة، أو اللغة المقنعة إلى بديل عن المصدر والدليل والسياق.
فثقافة السلام، كما أفهمها، لا تعني تجميل الواقع أو تجاهل الحقوق، وإنما تعني القدرة على رؤية الإنسان خلف الخبر، والمجتمع خلف الرقم، والتنوع خلف الصورة النمطية. وهي لا تحل محل السياسة والعدالة والأمن والحقوق والحرية، ولا تستطيع وحدها إنهاء صراع سياسي طويل، لكنها تستطيع أن تساعد في منع الخوف والمعلومات الناقصة من إغلاق مساحة التفكير قبل أن يبدأ النقاش السياسي أصلًا.
قبل أكثر من عقد، دعوت الإعلام إلى المساهمة في تصحيح الصور المشوهة وبناء الثقة. ومنذ ذلك الوقت تغيرت التكنولوجيا وتسارعت حركة المعلومات، وأصبح في مقدورنا ليس فقط تشويه الصورة، بل تصنيعها أيضًا. ومع ذلك، لم يتغير المبدأ الأساسي: لا يمكن بناء الثقة على التضليل، ولا يمكن بناء فهم حقيقي على نصف الحقيقة.
ولا أعتقد أن الحقيقة وحدها تصنع السلام؛ فالصراع الفلسطيني–الإسرائيلي يحتاج إلى حلول سياسية، وإلى حقوق وعدالة وأمن وكرامة وحرية، ويحتاج إلى معالجة الأسباب الحقيقية للصراع لا مجرد الطريقة التي نتحدث بها عنه. لكن أي سلام يراد له أن يعيش يحتاج أيضًا إلى جمهور قادر، قدر الإمكان، على رؤية الواقع والطرف الآخر كما هما، لا كما تصنعهما له الدعاية أو الخوف أو الصور النمطية أو الخوارزميات.
فالحقيقة ليست خصمًا للسلام؛ إنها الأرض التي ينبغي أن يبدأ منها أي فهم جاد، وأي ثقة يمكن أن تُبنى، وأي مستقبل لا يقوم على الوهم.





