«نازا».. فيلم إسرائيلي يكشف شهادات صادمة عن استهداف المدنيين في غزة

الخامسة للأنباء - غزة
أعاد فيلم وثائقي إسرائيلي بعنوان «نازا» (NAZA) فتح النقاش حول آليات الاستهداف التي استخدمها الجيش الإسرائيلي خلال حربه على قطاع غزة. بعدما قدّم شهادات من 24 عسكريًا واستخباراتيًا إسرائيليًا تحدثوا عن عملهم في المراقبة، وجمع المعلومات، واختيار الأهداف وتنفيذ عمليات القصف عن بُعد.
وعرض الفيلم للمرة الأولى ضمن مهرجان البندقية السينمائي الدولي في سبتمبر/أيلول 2026. وحظي باهتمام واسع، قبل أن يحصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في الدورة الـ83 من المهرجان.
الفيلم من إخراج الإسرائيليين يوآف أبراهام وراشيل زور، وهما من المخرجين المشاركين في الفيلم الوثائقي الحائز على أوسكار «لا أرض أخرى» (No Other Land). فيما تولى صحيفة «الغارديان» البريطانية إنتاج «نازا» بالتعاون مع جيمس ويلسون، وبإنتاج تنفيذي من المخرج جوناثان غليزر.
ما قصة فيلم «نازا»؟
يحمل الفيلم اسم «NAZA»، وهو مصطلح عسكري إسرائيلي يستخدم للإشارة إلى عدد المدنيين الذين يتوقع سقوطهم في هجوم جوي على هدف محدد. أي ما يوصف عادةً بـ«الأضرار الجانبية».
لكن الفيلم يحاول، من خلال شهادات مصادره، تقديم صورة مختلفة عن مفهوم «الأضرار الجانبية». إذ يقول المشاركون في المقابلات إن سقوط أعداد كبيرة من المدنيين لم يكن دائمًا نتيجة غير متوقعة للهجمات. وإنما كان في بعض الحالات عنصرًا محسوبًا عند اتخاذ قرار استهداف معين.
وصورت المقابلات ليلًا فوق أسطح مبانٍ في تل أبيب. مع إخفاء هويات المصادر وتعديل أصواتهم وملامحهم، بسبب حساسية المعلومات التي أدلوا بها وخطورة كشف هوياتهم.
ماذا قال الجنود والاستخباراتيون الإسرائيليون؟
يعتمد الفيلم على شهادات 24 مصدرًا من العسكريين والعاملين في الاستخبارات الإسرائيلية. معظمهم تحدثوا عن أدوار مرتبطة بالمراقبة وجمع المعلومات واختيار الأهداف وتنفيذ العمليات من مواقع بعيدة عن ساحة القتال.
وبحسب ما أورده الفيلم والمخرجون، تحدث هؤلاء عن منظومة واسعة تفصل بين الشخص الذي يجمع المعلومات، والشخص الذي يحدد الهدف. والجهة التي تنفذ الضربة، بما يجعل عملية القتل موزعة على سلسلة من الأدوار والأشخاص.
وقال أحد المصادر، وفق ما نقلته «الغارديان»، إن بعض العاملين كانوا يرون أنفسهم مجرد «ترس صغير» داخل منظومة أكبر. بينما وصف آخرون الطريقة التي تتم بها العمليات بأنها جعلت قتل الأشخاص عملية تتم من خلف الشاشات.
وتتضمن الشهادات اتهامات بأن بعض الضربات كانت تستهدف منازل عائلات رغم معرفة وجود مدنيين فيها. وأن تقديرات أعداد المدنيين الذين قد يقتلون في بعض الهجمات كانت تدخل ضمن عملية اتخاذ القرار.
ووفق شهادة أوردها الفيلم، وصل الأمر في إحدى الحالات إلى الموافقة على سقوط نحو 500 مدني متوقع مقابل استهداف شخص واحد. وهي من أكثر التفاصيل إثارة للجدل التي وردت في الفيلم.
الذكاء الاصطناعي في عمليات الاستهداف
من أبرز القضايا التي يطرحها «نازا» استخدام تقنيات تعتمد على الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة في عمليات المراقبة وتحديد الأهداف.
ويتحدث الفيلم عن أنظمة استخبارية استخدمت كميات كبيرة من البيانات المستخرجة من شبكة الاتصالات في قطاع غزة. بما في ذلك معلومات مرتبطة بالهواتف والتحركات والاتصالات والتفاعلات، للمساعدة في تحديد أشخاص يُشتبه في ارتباطهم بحركة حماس.
وتتطرق الشهادات إلى نظام يحمل اسم «لافندر» (Lavender). والذي سبق أن ورد اسمه في تقارير صحفية وتحقيقات حول آليات تحديد الأهداف خلال الحرب على غزة.
وبحسب الشهادات التي يقدمها الفيلم، كان النظام يستخدم بيانات واسعة النطاق لإنتاج قوائم بأشخاص يشتبه في أنهم أهداف. قبل أن تنتقل العملية إلى مراحل أخرى تتعلق بتحديد مكان الهدف وتنفيذ الضربة.
وتشير إحدى الروايات التي أوردتها «رويترز» إلى أن النظام كان يعتمد على بيانات جرى جمعها من آلاف الهواتف. وأن مؤشرات مرتبطة بالاتصالات أو تحركات الأشخاص كانت تدخل ضمن عملية تحديد الأهداف.
ويطرح الفيلم بذلك سؤالًا أساسيًا حول حدود الاعتماد على الأنظمة الخوارزمية في القرارات العسكرية. خصوصًا عندما تكون النتيجة النهائية مرتبطة بحياة أشخاص داخل مناطق مكتظة بالسكان.
«كان ذلك قتلًا متعمدًا».. شهادات صادمة
تتضمن المادة شهادات شديدة القسوة من المشاركين في العمليات. إذ يتحدث بعضهم عن معرفتهم بوجود مدنيين وأطفال داخل الأماكن التي يجري استهدافها.
ونقلت تقارير عن الفيلم شهادة أحد المصادر الذي قال إن قتل المدنيين لم يكن دائمًا مجرد نتيجة عرضية. بل وصف بعض الحالات بأنها قتل متعمد.
كما تحدث مصدر آخر عن إطلاق النار على أشخاص كانوا يتجهون نحو نقاط توزيع مساعدات. في شهادة قال فيها إنه كان يرى العملية من منظور مختلف بعد انتهاء خدمته العسكرية.
وتكتسب هذه الشهادات أهمية خاصة لأن أصحابها يقولون إنهم شاركوا بصورة مباشرة أو غير مباشرة في منظومة العمل الاستخباري والعسكري. رغم أن هوياتهم لم تُكشف في الفيلم.
لماذا أخفى الفيلم هويات المصادر؟
اختار مخرجا «نازا» عدم الكشف عن هويات المشاركين في الشهادات. واستخدما التصوير الليلي وتعديل الأصوات والملامح.
وقال المخرجان إن الهدف كان حماية المصادر. خصوصًا أن الأشخاص الذين تحدثوا عن عملهم السابق أو الحالي في مؤسسات عسكرية واستخبارية إسرائيلية قد يواجهون تبعات شخصية ومهنية وقانونية.
وفي المقابل، شكك الجيش الإسرائيلي في إمكانية التحقق بصورة مستقلة من هويات هؤلاء الأشخاص. وهو ما أصبح أحد محاور الرد الإسرائيلي على الفيلم.
ماذا يقول الجيش الإسرائيلي؟
رفض الجيش الإسرائيلي الاتهامات الواردة في الفيلم بشكل قاطع. وقال إن الشهادات تعتمد على مصادر مجهولة لا يمكن التحقق من هوياتها أو من طبيعة أدوارها داخل الجيش.
وأشار الجيش إلى أن بعض الادعاءات الواردة في الفيلم تتعلق بمستويات من الاستراتيجية العسكرية قال إنها تتجاوز ما يمكن أن يعرفه جنود من الرتب الدنيا.
كما رفض الجيش توصيف العمليات العسكرية الواردة في الفيلم، وقال إن اختيار الأهداف والموافقة على تنفيذ الضربات يتمان بواسطة أفراد بشريين. وليس بواسطة الذكاء الاصطناعي بصورة مستقلة.
وبذلك، يقف الفيلم في مواجهة مباشرة مع الرواية الرسمية الإسرائيلية التي تؤكد أن الجيش يتخذ إجراءات لتقليل الخسائر بين المدنيين. بينما يقدم «نازا» روايات من داخل المؤسسة العسكرية والاستخبارية تزعم أن أعداد الضحايا المدنيين كانت في بعض الحالات معروفة أو محسوبة مسبقًا.
من يقف خلف «نازا»؟
أخرج الفيلم يوآف أبراهام وراشيل زور، وهما من المخرجين الإسرائيليين المشاركين في الفيلم الوثائقي «لا أرض أخرى». الذي تناول الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين في الضفة الغربية وحصل على جائزة أوسكار أفضل فيلم وثائقي.
ويستند «نازا» إلى تحقيقات صحفية سابقة نُشرت بين عامي 2023 و2025 من جانب «الغارديان» ومجلة «+972» وموقع «Local Call». قبل أن يجمع المخرجان شهادات المصادر في فيلم وثائقي واحد.
ويقول المخرجان إن هدفهما لم يكن توثيق حالات فردية معزولة، وإنما البحث في المنظومة والسياسات والأوامر والممارسات التي سمحت، بحسب روايتهما. باستمرار سقوط أعداد كبيرة من المدنيين.
استقبال واسع في مهرجان البندقية
حظي الفيلم باهتمام كبير منذ عرضه العالمي الأول في مهرجان البندقية.
وبحسب تقارير إعلامية، تلقى «نازا» تصفيقًا استمر قرابة 25 دقيقة بعد انتهاء العرض. في واحدة من أطول فترات التصفيق المسجلة في تاريخ المهرجان.
ولم يتوقف الاهتمام بالفيلم عند ردود الفعل الجماهيرية. إذ حصل لاحقًا على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في الدورة الـ83 من مهرجان البندقية السينمائي.
أزمة سياسية بعد الفيلم
لم تتوقف تداعيات «نازا» عند المجال السينمائي، إذ دخل الفيلم على خط المواجهة السياسية داخل إسرائيل.
فبعد حصول الفيلم على جائزة لجنة التحكيم الخاصة، هاجم وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار مخرجي الفيلم يوآف أبراهام وراشيل زور. واتهمهما بـ«الخيانة»، معلنًا أنه سيسعى إلى اتخاذ إجراءات لسحب الجنسية الإسرائيلية منهما.
وتحولت القضية بذلك من نقاش حول مضمون فيلم وثائقي إلى مواجهة سياسية داخل إسرائيل حول حرية التعبير. وكشف المعلومات المتعلقة بالعمليات العسكرية، وحدود انتقاد المؤسسة العسكرية خلال الحرب.
لماذا أثار «نازا» كل هذا الجدل؟
لا تكمن أهمية الفيلم فقط في الاتهامات التي يتضمنها. وإنما في أن الشهادات التي يقدمها تأتي من أشخاص يقولون إنهم عملوا داخل المؤسسة العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية.
كما أن الفيلم يربط بين ثلاثة عناصر رئيسية: المراقبة واسعة النطاق، والأنظمة الخوارزمية، والقرار البشري بتنفيذ الضربات.
ومن خلال هذه العناصر، يحاول «نازا» الإجابة عن سؤال أكثر اتساعًا: هل كانت الخسائر المدنية في غزة نتيجة أخطاء فردية أو ظروف ميدانية، أم أن بعض مستوياتها كان متوقعًا ومحسوبًا ضمن آلية اتخاذ القرار العسكري؟
ولا يقدم الفيلم، بطبيعة الحال، وحده حكمًا قضائيًا نهائيًا على هذه الادعاءات، خصوصًا في ظل اعتماد جزء كبير من مادته على شهادات مجهلة الهوية. لكنه يضع أمام الجمهور شهادات منسوبة إلى أشخاص يقولون إنهم كانوا جزءًا من المنظومة، ويعيد فتح النقاش حول طبيعة الاستهداف في قطاع غزة ودور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية.
وبينما يرفض الجيش الإسرائيلي هذه الاتهامات ويشكك في مصادرها، يواصل الفيلم جذب الاهتمام الدولي، خصوصًا بعد تكريمه في مهرجان البندقية، لتتحول «نازا» من عمل وثائقي إلى واحدة من أكثر المواد إثارة للجدل حول الحرب على غزة وآليات الاستهداف الإسرائيلية.





