المتطلبات الوطنية لإفشال مشروع الضم وحماية مقومات الدولة الفلسطينية

الخامسة للأنباء - غزة
الكاتب: رزق عطاونة
تشهد الضفة الغربية منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة تحولاً نوعياً في طبيعة سياسيات الاحتلال، انتقلت فيه من إدارة الاحتلال إلى إدارة الضم الفعلي، عبر منظومة متكاملة من الإجراءات القانونية والإدارية والأمنية والاقتصادية والاستيطانية تستهدف إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني وإغلاق أي أفق لإقامة دولة فلسطينية مستقلة. لم يعد الضم مجرد احتمال سياسي مؤجل، بل مشروعاً متدرجاً يجري تنفيذه على الأرض من خلال فرض الوقائع وتغيير الجغرافيا والديموغرافيا بما يجعل التراجع عنه أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
وتقوم سياسة الحسم الإسرائيلية على تفكيك مقومات الدولة الفلسطينية قبل قيامها عبر توسيع الاستيطان، وربط المستوطنات بالبنية التحتية الإسرائيلية، وعزل المدن والقرى الفلسطينية، ومصادرة الأراضي، وتشديد القيود على الحركة والاقتصاد، بالتوازي مع تصاعد اعتداءات المستوطنين وعمليات الهدم والتهجير القسري. كما تترافق هذه السياسات مع محاولات مستمرة لإضعاف السلطة الفلسطينية وتقويض قدرتها على أداء وظائفها بما يهدف إلى إفراغ المشروع الوطني الفلسطيني من أدواته السياسية والإدارية.
إن مواجهة هذا الواقع تتطلب إعادة بناء استراتيجية وطنية شاملة تنطلق من أن الصمود على الأرض هو خط الدفاع الأول عن المشروع الوطني فالحفاظ على الوجود الفلسطيني وتعزيز قدرة المواطنين على البقاء ودعم التجمعات المهددة بالمصادرة والتهجير، يجب أن يتحول إلى أولوية وطنية تتكامل فيها أدوار المؤسسات الرسمية، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والقوى السياسية.
كما تفرض المرحلة إعادة الاعتبار للوحدة الوطنية باعتبارها المدخل الأساسي لأي مواجهة فعالة فاستمرار الانقسام السياسي يضعف الموقف الفلسطيني ويمنح الاحتلال فرصة أكبر لفرض وقائعه على الأرض ومن هنا فإن بناء شراكة وطنية تقوم على برنامج سياسي موحد وتفعيل مؤسسات النظام السياسي وتعزيز المشاركة الشعبية تمثل جميعها متطلبات أساسية لحماية المشروع الوطني في هذه المرحلة الدقيقة.
وعلى المستوى الاقتصادي تبرز الحاجة إلى تبني سياسات تعزز صمود المواطنين وتقلل من التبعية للاقتصاد الإسرائيلي عبر دعم القطاعات الإنتاجية وحماية المزارعين ، وتشجيع الاستثمار المحلي وتوجيه الموارد نحو المناطق الأكثر استهدافاً بما يحول التنمية إلى أداة من أدوات المقاومة والبقاء.
وفي المجال القانوني والدبلوماسي ينبغي توسيع استخدام أدوات القانون الدولي لملاحقة سياسات الضم والاستيطان والاستفادة من الآليات التي توفرها المحاكم الدولية والأمم المتحدة مع بناء تحالفات دولية أوسع تدفع باتجاه فرض إجراءات عملية على إسرائيل وعدم الاكتفاء بمواقف الإدانة السياسية.
كما يجب تطوير الخطاب الإعلامي الفلسطيني ليكون أكثر قدرة على مخاطبة الرأي العام العالمي وكشف الآثار الإنسانية والسياسية لمشروع الضم بلغات وأدوات تتناسب مع طبيعة الفضاء الإعلامي الدولي.
إن إفشال مشروع الضم لا يتحقق فقط بمواجهة الإجراءات الإسرائيلية، وإنما ببناء عناصر القوة الفلسطينية على المستويات السياسية والاقتصادية والقانونية والمجتمعية، فالمعركة الدائرة اليوم هي معركة على مستقبل الأرض والهوية والوجود الوطني، وهي تتطلب إرادة سياسية موحدة واستراتيجية طويلة المدى وقدرة على الجمع بين الصمود الميداني والتحرك الدولي الفاعل.
وفي ظل تسارع سياسات الحسم، تصبح حماية مقومات الدولة الفلسطينية مسؤولية وطنية جامعة، تتجاوز حدود المؤسسات الرسمية لتشمل المجتمع بأكمله. فكل جهد يعزز صمود الإنسان الفلسطيني، ويحافظ على الأرض، ويصون المؤسسات الوطنية، ويدافع عن الحقوق الفلسطينية في المحافل الدولية، يمثل خطوة عملية في مواجهة مشروع الضم، ويحافظ على إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة، باعتبارها حقاً ثابتاً يكفله القانون الدولي، وليس مجرد خيار سياسي قابل للتفاوض أو الإلغاء بفعل الأمر الواقع.





