
الخامسة للأنباء - غزة
المواصلات… معاناة جديدة تثقل كاهل النازحين
إعداد: إيمان غنام
في مشهد يتكرر مع كل غزي .. معاناة جديدة تضاف لفصول المعاناة التي يعاني منها سكان القطاع، وهي “أزمة المواصلات”، فمن “كارة” إلى “توك توك ” إلى “جار ومجرور ” كلها باتت مصطلحات المواصلات اليوم في غزة .
فبينما يستعد الموظفون حول العالم لبدء يومهم بقهوة الصباح، يبدأ الموظف في قطاع غزة “ماراثوناً” إجبارياً يتكرر كل فجر، ورغم هذا لا يصلون على الموعد ، والسبب المشادة الصباحية بين الفكة والمواصلات والطرق المنكوبة .
فلم يعد التنقل بين المخيمات والشوارع في غزة مجرد تفصيل عابر، بل تحول الى أمر صعب وهم يومي، حيث تبدأ رحلة المعاناة من باب البيت ولا تنتهي إلا بضياع اليوم ناهيك عن الجهد البدني الذي تعانيه من وسائل النقل.
طوابير الانتظار.. ضياع اليوم على المفترقات”
على مفترقات الطرق الرئيسية مثل “السرايا” و”النص” و”تبة النويري”، يقف المئات في انتظار وسيلة نقل، فأزمة المواصلات في غزة ليست نقصاً في السيارات فحسب، بل هي أزمة مركبة؛ فالموظف قد ينتظر لأكثر من ساعة للحصول على مقعد في “ميكروباص” ممتلئ، أو يضطر للمغامرة بركوب سيارات متهالكة ، أو عربة تجرها حيوان، لا تتوفر فيها أدنى معايير السلامة حتى سيارات نقل البضائع تحولت لوسيلة مواصلات للناس .
من زاوية أخرى في ظل الارتفاع المستمر في أسعار الوقود وتذبذب توفره، اضطر الكثير من السائقين لرفع تسعيرة المواصلات بشكل غير رسمي، أو تقسيم المسافة الواحدة إلى مرحلتين لتحصيل أجرة مضاعفة، هذا الواقع جعل الغزي يخصص ما يقارب 30% إلى 40% من دخله لمجرد الوصول إلى مكان عمله، مما يثقل كاهل الأسر في ظل الأوضاع الاقتصادية الكارثية التي يعيشها القطاع .
شوراع منهارة وبنى تحتية مُدمرة..استنزاف نفسي ومادي
لا تقتصر المعاناة على الانتظار والتكلفة، بل تمتد إلى حالة الطرق. الحفر، وضيق الشوارع، وتضرر البنية التحتية نتيجة الحرب همجية طالت كل مناحي الحياة منذ اكتوبر2023، تجعل من الرحلة القصيرة زمناً طويلاً من الاهتزازات والازدحام المروري الخانق.
كما أن الطرق الرئيسية في غزة، وخاصة “شارع الرشيد” والشوارع الداخلية للمدينة، تعاني من تصدعات كبيرة نتيجة الاستهدافات المتكررة وضعف الإمكانيات المتاحة للترميم.
تقول أمل الشريف (28عام) من مخيم النصيرات وسط القطاع عن معاناتها اليومية، حيث تعمل ممرضة في مدينة غزة : “نصف جهدي يضيع في الطريق، أحياناً أضطر للمشي لمسافات طويلة بحثاً عن سيارة تقبل بنقلي بالسعر الرسمي، وأحياناً أصل لعملي بملابس متسخة بسبب الغبار والازدحام داخل السيارات”.،لافتة إلى أن الالتزام بمواعيد العمل في غزة أصبح من ضروب المستحيل.
بينما أحمد اللحام (35عام) سكان مدينة خانيونس معاناته من جانبين جانب في توفير وسيلة مواصلات والثانية في أن تقبل هذه الوسيلة أن تنقل ابنه المصاب حيث يستخدم كرسي مدولب، يقول :” عندما يكون لدنيا موعد في جمعية أو في المستشفى لتلقي العلاج وجلسات العلاج الطبيعي فإننا نعاني الأمرين فالكثير من السائقين يرفض أن ينقلنا بحجة أنا الكرسي يأخذ مساحة كبيرة ،ومنهم من يطالب بأجرة زيادة “.
بينما يؤكد محمد البريم(40عام) سكان مدينة خانيونس, أن الطرق كلها ركام وغير صالحة للسير، ويعتبر أن وسائل النقل غير صالحة للاستعمال البشري ولا مجال لمقارنة حياتهم اليوم بحياتهم السابقة، ويربط أزمة المواصلات بقلة الإمكانيات وخاصة البنزين، إلى جانب عجزهم عن إصلاح السيارات التي تصاب بعطل بسبب الحصار الإسرائيلي الذي يمنع دخول قطع الغيار للقطاع .
ويعاني المرضى بشكل خاص خلال التنقل عبر الطرق المدمرة ، فيقول المسن عبدالقادر أبو عون (70عام) من مدينة غزة:” أنا شخص مريض يلزمني مراجعة الطبيب بشكل دوري وما يمنعني أنه عليَّ السير لمسافة طويلة في طريق ترابي، حتى أصل الى شارع رئيسي لأجد وسيلة نقل ، من وجهة نظري أرى البقاء في المنزل، أفضل من ان أرهق نفسي في المشي والمواصلات المتهالكة والطرق المدمرة”.
أزمة السيولة والتطبيق
أشارت سمر الكحلوت(30عام), نازحة من مدينة رفح ، أن وسائل النقل غير آمنة ولكنهم مضطرون لاستخدامها، وقالت إن أغلب حوادث المرور وقعت يوم العيد بسبب “العجلات” والسيارات، كما ذكرت أن أزمة السيولة في القطاع تفاقم الصعوبات التي يواجهونها ، مشيرة الى أنهم يستغرقون ربع ساعة في قضاء أمورهم المتعلقة بتحويل الأموال.
وفي نفس السياق، يقول مؤمن الأغا(23عام) من مدينة خانيونس إنه يعاني من بطء شبكة الإنترنت عند فتح تطبيقه البنكي لتحويل أجرة السائق بسبب غياب السيولة النقدية في القطاع،مما يسبب تأخيره أكثر .
مرحلة حرجة
من جهتها قالت وزارة النقل والمواصلات إن قطاع النقل والمواصلات في قطاع غزة يمر بالمرحلة الأكثر حرجاً منذ بدء العدوان، حيث تسبب الانعدام شبه التام لإمدادات الوقود في توقف أكثر من 90% من مركبات النقل العام والخاص عن العمل، ما أدى إلى شلل كامل في حركة المواطنين بين المحافظات.
وأوضحت أن نحو 70% من المركبات دُمّرت، وأن الأضرار شملت قرابة 80% من الطرق العامة والبنية التحتية، وهو ما أدى إلى ارتفاع كبير في تكاليف المواصلات وتراجع توفرها بشكل غير مسبوق.
كما حذرت من استخدام سيارات “الربع نقل” (الشاحنات الصغيرة) في نقل الركاب، وذلك نظراً لتسببها في حوادث مرورية متكررة ومخاطر مباشرة على أرواح المواطنين. ومع ذلك، هناك إدراك للواقع الصعب حيث تفتقر المناطق والقرى البعيدة لوسائل نقل بديلة تلبي احتياجات المواطنين اليومية.
ولفتت الوزارة أن الأمر لم يتوقف عند الجانب التقني، بل انعكس بحدة على حياة المواطنين اليومية؛ إذ تضاعفت تكاليف النقل لعدة مستويات، يرافقها شحٌ حاد في “العملات النقدية” (الفكة)، مما خلق حالة من التوتر الدائم بين السائقين والركاب في ظل انعدام السيولة، محذرة أن قطاع غزة مقبل على “عزلة جغرافية داخلية” وفقدان كامل للقدرة على الحركة، ما لم يتم الضغط لإدخال المستلزمات اللوجستية والوقود بشكل عاجل ومستدام، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذا القطاع المنكوب.
بين مطرقة الحاجة وسندان الإمكانيات.. يظل المواطن الغزي يدفع ضريبة الوقت والأعصاب في شوارع لا تعرف الهدوء، حيث أن حل أزمة المواصلات في غزة لا يتطلب مجرد رصف طرق جديدة، بل يحتاج إلى رؤية استراتيجية تشمل إدخال وسائل نقل جماعي حديثة، وتثبيت أسعار الوقود بما يتناسب مع دخل الفرد، والأهم من ذلك، رفع الحصار الذي يمنع دخول المعدات اللازمة لإعادة تأهيل الطرق المدمرة والبنى التحتية.





