المونديال والواقع العربي

الخامسة للأنباء - غزة
الكاتب: د. ناصر العباسي
لا صوت يعلو هذه الأيام فوق صوت المونديال العالمي، الحدث الكروي الذي يستحوذ على اهتمام ملايين عشاق كرة القدم حول العالم، ورغم أن العديد من المباريات تُقام في ساعات متأخرة تمتد حتى الفجر، فإن ذلك لم يمنع الجماهير من متابعتها بشغف كبير، غير آبهة بقلة النوم أو مشقة العمل في اليوم التالي، في مشهد يعكس المكانة الاستثنائية التي تحظى بها هذه البطولة العالمية.
وبالنسبة للجماهير العربية، فإن الاهتمام لا يقتصر على المتابعة فقط، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة استخلاص الدروس من التجربة، خاصة مع توسعة البطولة إلى 48 منتخبًا، وهو ما يمنح المنتخبات العربية فرصًا أكبر للحضور، لكنه في الوقت ذاته يرفع سقف التحدي، ويجعل مجرد التأهل خطوة أولى لا إنجازًا نهائيًا.
فلم يعد التأهل إلى كأس العالم غاية بحد ذاته، بل أصبح معيارًا لقياس القدرة على المنافسة وصناعة الفارق. فالبطولة لا تعترف بالأسماء أو التاريخ، بل تكشف الفوارق الحقيقية بين المدارس الكروية، وتؤكد أن النجاح فيها يُبنى على التخطيط طويل المدى، والعمل المؤسسي، والاستقرار الفني، لا على ردود الفعل أو الحلول المؤقتة.
ومن بين النماذج العربية اللافتة، يبرز المنتخب المغربي بوصفه التجربة الأكثر اكتمالًا في السنوات الأخيرة. فما تحقق لم يكن صدفة، بل نتيجة مشروع كروي بدأ من الاستثمار في الأكاديميات، وتطوير الفئات السنية، وفتح المجال أمام اللاعبين المحترفين في أقوى الدوريات الأوروبية، إلى جانب استقرار فني وإداري منح المنتخب هوية واضحة.
ولم يكن بلوغ نصف نهائي مونديال 2022 مجرد إنجاز تاريخي، بل تحول إلى دليل عملي على أن المنتخب العربي قادر على منافسة كبار العالم متى ما توفرت الرؤية والاستمرارية.
ويأتي بعده المنتخبان المصري والجزائري من حيث الحضور والقيمة الفنية، لما يمتلكانه من لاعبين مميزين وخبرة طويلة في المنافسات القارية والدولية، مثل محمد صلاح وعمر مرموش، إلى جانب ثقل الأندية المصرية الكبرى كالأهلي والزمالك وبيراميدز، فضلاً عن القاعدة الكبيرة من المحترفين الجزائريين في أوروبا.
كما حاولت منتخبات السعودية وقطر وتونس والأردن والعراق إلى تعزيز حضورها الدولي، غير أنها غادرت الدور الأول، ولا تزال بحاجة إلى مزيد من الاستقرار الفني، وتطوير البنية التحتية للمسابقات المحلية عند البعض، وبناء جيل جديد قادر على الاستمرارية لا المشاركة فقط.
إن المنتخب الأول في أي دولة ليس سوى انعكاس مباشر لمنظومة متكاملة تبدأ من الأكاديميات، وتمر بمنتخبات الناشئين والشباب، وتنتهي عند فريق أول يتمتع بالجاهزية والتوازن، ضمن عمل احترافي مستقر بعيد عن الارتجال وكثرة تغيير الأجهزة الفنية.
وإذا أرادت الكرة العربية أن تنتقل من دائرة المشاركة إلى دائرة المنافسة الحقيقية، فعليها أن تتعامل مع كرة القدم باعتبارها مشروعًا وطنيًا طويل الأمد، لا مجرد نتائج لحظية. فالموهبة موجودة، والجماهير حاضرة، والإمكانات في تطور مستمر، لكن الإنجاز الحقيقي لا يُصنع إلا بالتخطيط، والاستثمار في الإنسان، وبناء منظومة قادرة على تحويل الحلم إلى واقع مستدام.





