مقالات الخامسة

نصف قرن من النضال ليحكمني … ملثم! أبو علي شاهين وإشكالية الشرعية في التجربة الفلسطينية

الخامسة للأنباء - غزة

الكاتب: د. منى ابو حمدية

في ذكرى رحيل المناضل الفلسطيني الكبير أبو علي شاهين، لا نستحضر مجرد اسم ارتبط بتاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، بل نستحضر تجربة نضالية كاملة امتدت لعقود طويلة، دفعت خلالها أجيال متعاقبة أثماناً باهظة من أجل الحرية والاستقلال وصون الهوية الوطنية. وبين محطات هذه المسيرة الطويلة، بقيت مقولته الشهيرة: «نصف قرن من النضال ليحكمني ملثم» واحدة من أكثر العبارات إثارة للتأمل والنقاش في الوعي السياسي الفلسطيني.

لم تكن هذه العبارة مجرد موقف انفعالي أو تعليق عابر على حدث سياسي معين، بل حملت في جوهرها إشكالية عميقة تتعلق بمفهوم الشرعية السياسية، وبالعلاقة بين التضحيات الوطنية وبين طبيعة السلطة التي تنشأ في أعقابها. فالنضال الفلسطيني لم يكن يوماً مشروعاً لاستبدال هيمنة بأخرى، أو استبدال غياب الحرية بشكل جديد من أشكال الوصاية، وإنما كان مشروعاً تاريخياً هدفه تمكين الشعب الفلسطيني من أن يكون صاحب القرار ومصدر الشرعية وصاحب الحق في اختيار من يمثله ويقوده.

حين تحدث أبو علي شاهين عن «الملثم»، لم يكن يقف عند المعنى الحرفي للكلمة فحسب، بل عند رمزيتها السياسية. فاللثام هنا يتجاوز إخفاء الملامح إلى إخفاء الهوية السياسية والمرجعية والمسؤولية. وفي العلوم السياسية الحديثة، تقوم شرعية الحكم على ثلاثة أسس رئيسية: الوضوح، والتمثيل، والمساءلة. فالسلطة التي تطلب من الناس الالتزام بقراراتها مطالبة اولاً بأن تكون معروفة المرجعية، واضحة المسؤولية، وخاضعة للمحاسبة أمام الشعب ومؤسساته.

قناة واتس اب الخامسة للأنباء

ومن هنا تبرز أهمية السؤال الذي تختزله هذه المقولة: كيف يمكن لشعب خاض معارك طويلة دفاعاً عن حقه في تقرير مصيره أن يجد نفسه أمام أنماط من الحكم تستمد استمرارها من موازين القوة أو من واقع الانقسام السياسي أكثر مما تستمده من التوافق الوطني الشامل وآليات التجديد الديمقراطي؟ وكيف يمكن أن يتحول المواطن من شريك في صناعة القرار إلى مجرد متلقٍ للقرارات في ظل تراجع دور المؤسسات الجامعة وتقلص مساحات المشاركة والمساءلة؟

لقد قامت الحركة الوطنية الفلسطينية منذ انطلاقتها على فكرة واضحة مفادها أن منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها الوطنية تشكل الإطار السياسي الجامع للإرادة الفلسطينية. ولذلك فإن أي تراجع لدور المؤسسات لصالح الأفراد أو الجماعات المغلقة يشكل تحدياً لفكرة التمثيل الوطني نفسها. فالدولة الحديثة لا تُبنى على الرموز وحدها، ولا على القوة وحدها، بل على المؤسسات والقانون والشفافية وتداول المسؤولية.

وتزداد أهمية هذا النقاش في الحالة الفلسطينية المعاصرة، حيث أفرز الانقسام السياسي واقعاً نشأت فيه سلطات وإدارات أمر واقع في أجزاء من الجغرافيا الفلسطينية، تمارس صلاحيات الحكم وتدير الشأن العام خارج إطار التوافق الوطني الكامل. وهنا لا يتعلق الجدل بالأشخاص أو الفصائل بقدر ما يتعلق بالسؤال الجوهري حول العلاقة بين السلطة والشرعية، وبين إدارة الواقع اليومي ومتطلبات الاحتكام إلى الإرادة الشعبية والمؤسسات الوطنية الجامعة.

إن القيمة الفكرية لمقولة أبو علي شاهين تكمن في أنها تعيد طرح السؤال الأساسي الذي واجهته معظم حركات التحرر في العالم بعد انتقالها من مرحلة الثورة إلى مرحلة السلطة: كيف نحافظ على المبادئ التي ناضلنا من أجلها عندما نصل إلى مواقع القرار؟ وكيف نمنع أن تتحول أدوات النضال الاستثنائية إلى بديل دائم عن المؤسسات والقواعد الديمقراطية؟

لقد أدرك أبو علي شاهين، بحكم تجربته الطويلة في السجون والعمل الوطني والتنظيمي، أن الشرعية الثورية وحدها لا تكفي لإدارة المجتمعات الحديثة. فالشرعية الحقيقية تحتاج إلى تجديد مستمر عبر المؤسسات والانتخابات والمشاركة الشعبية والرقابة المجتمعية. لذلك جاءت عبارته الشهيرة كتعبير عن رفض أي حالة سياسية يصبح فيها القرار فوق المساءلة أو تصبح فيها السلطة محصنة من النقد والمحاسبة.

وفي ذكرى رحيله، لا تبدو هذه المقولة مجرد استعادة لمرحلة سياسية مضت، بل تبدو سؤالاً متجدداً يواجه كل المجتمعات التي تناضل من أجل الحرية. فالقضية ليست من يحكم فقط، بل كيف يحكم؟ وبأي شرعية؟ وتحت أي رقابة؟ ولصالح من تُمارس السلطة؟

لقد أمضى أبو علي شاهين عمره مؤمناً بأن الشعب الفلسطيني يستحق أن يكون سيد قراره، وأن تكون مؤسساته الوطنية هي الإطار الذي تُمارس من خلاله السلطة وتُصان عبره الحقوق. ولهذا بقيت عبارته حاضرة في الذاكرة الوطنية، لا باعتبارها احتجاجاً على شخص أو فصيل، بل باعتبارها دفاعاً عن مبدأ أساسي: أن الشعوب التي تناضل طويلا من أجل الحرية لا يمكن أن تقبل بالغموض بدلاً من الشرعية، ولا بالإملاء بدلاً من المشاركة، ولا بسلطة فوق المساءلة مهما كانت شعاراتها أو مبرراتها.

وهكذا، يبقى أبو علي شاهين شاهدا على مرحلة كاملة من تاريخ فلسطين، وتبقى كلماته دعوة مفتوحة للتفكير في معنى الشرعية الوطنية، وفي ضرورة أن يظل الشعب مصدر السلطة، وأن تبقى المؤسسات فوق الأشخاص، وأن يبقى النضال من أجل الحرية متلازما دائماً مع النضال من أجل دولة القانون والتمثيل والمساءلة.

فالشعوب التي دفعت أثماناً باهظة دفاعا عن حقها في تقرير مصيرها لا تبحث فقط عن من يرفع رايتها، بل عن من يجسد قيمها ويحترم إرادتها. والسلطة التي تنبع من تضحيات الناس تصبح أكثر التزاماً بواجب الشفافية والوضوح والمحاسبة.

ولعل الرسالة الأعمق التي أراد أبو علي شاهين إيصالها من خلال مقولته الشهيرة ليست الاعتراض على شخص أو حالة بعينها، بل التحذير من أن يتحول النضال الوطني من مشروع تحرر إلى مشروع سلطة، أو أن تصبح المؤسسات رهينة الأفراد بدل أن يكون الأفراد خاضعين للمؤسسات. فالقضية الفلسطينية التي قدم من أجلها الشهداء والأسرى والمناضلون أعمارهم تستحق نظاماً سياسياً يقوم على المشاركة لا الإملاء، وعلى التمثيل لا الاحتكار، وعلى الشرعية الوطنية لا شرعية الأمر الواقع.

ولذلك ستبقى عبارة «نصف قرن من النضال ليحكمني ملثم» تعبيرا مكثفا عن جوهر السؤال الفلسطيني الدائم: كيف نحمي المشروع الوطني من الانقسام؟ وكيف نمنع تحول السلطة إلى غاية بحد ذاتها؟ وكيف نضمن أن تبقى شرعية الحكم مستندة إلى الإرادة الشعبية والمؤسسات الوطنية الجامعة.

وفي ذكرى رحيل أبو علي شاهين، تبدو كلماته أكثر من مجرد مقولة سياسية؛ إنها شهادة جيل كامل آمن بأن الحرية لا تتجزأ، وأن من ناضل ضد الاحتلال والهيمنة لا يمكنه أن يقبل بالغموض أو الوصاية أو احتكار القرار. ولذلك ستبقى عبارته علامة فارقة في الفكر السياسي الفلسطيني، لأنها تختزل جوهر المعركة الوطنية: حماية المشروع الوطني، وصون الشرعية، وإبقاء القرار الفلسطيني ملكاً للشعب ومؤسساته الوطنية وحدها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى