ترامب وإيران ونتنياهو ثالثهما!

الخامسة للأنباء - غزة
هذا بالتحديد هو نقطة ضعف اتفاق الإطار، الذي أعلنت باكستان عن التوقيع عليه الجمعة القادم، ومنذ بداية التفاوض، فتح الراعي الباكستاني الأفق بشكل جيد للخروج باتفاق حين خفض من سقف التوقع، وحصر التفاوض على البحث عن اتفاق إطار يشبه الاتفاق المرحلي، والذي يسمى أيضاً وثيقة التفاهم، ولا تتعدى صفحتين، ورغم التكتم على تفاصيل بنود هذه الوثيقة التي يذهب الطرفان إلى توقيعها، إلا أن محتواها يكاد يكون معروفاً، فهي تؤدي إلى فتح مضيق هرمز بالدرجة الأولى، وذلك من خلال مقايضة فك الحصار الأميركي البحري على الموانئ الإيرانية، مقابل إزالة الألغام والموانع الإيرانية التي تحول دون مرور ناقلات النفط والبواخر التجارية عبر المضيق، هذا ما هو ثابت، مع أن هناك غموضاً يكتنف هذا البند لجهة إن كان يفتح المضيق وفق هذه المعادلة كما تريد أميركا، أي فك الحصار مقابل السماح بمرور السفن، أو أن هناك إدارة إيرانية تنطوي على تحصيل رسوم أو مقابل خدمات، ويبدو أن إيران ترفض أن يقتصر ذلك البند على مقايضة فك الحصار بفتح المضيق، فهي تريد إما «تحرير» جزء من أموالها التي تبلغ 100 مليار دولار محتجزة، أو الموافقة على إدارتها المضيق مقابل رسوم مالية، لأن إيران في ضائقة اقتصادية.
الأمر الثاني المؤكد هو تمديد وقف إطلاق النار 60 يوماً، يجري التفاوض خلالها على مقايضة أخرى، هي ضمان عدم امتلاك إيران للسلاح النووي مقابل رفع العقوبات الاقتصادية الأميركية والدولية، والأمر الثالث المؤكد هو أن بنوداً أخرى كانت من ضمن أهداف الحرب لم تدرج على طاولة التفاوض، لا في وثيقة الإطار، ولا في المفاوضات اللاحقة، ونقصد هنا، ما كان يجري من حديث عن الصواريخ الباليستية والمسيّرات الإيرانية، كذلك ما يخص حلفاء إيران الإقليميين في لبنان وفلسطين، واليمن والعراق، وبالطبع أيضاً هناك تجاهل لمطالب إيرانية مضادة، كانت على ما يبدو لأسباب تكتيكية تفاوضية، من قبيل التعويضات عن الدمار الذي ألحقته الحرب الظالمة بالمجتمع الإيراني، كذلك تفكيك القواعد العسكرية الأميركية في منطقة الخليج وكل من العراق والأردن، حيث كانت كل هذه القواعد منصات إطلاق للحرب على الدولة الشرق أوسطية.
أياً يكن الاتفاق، فإنه يعتبر من جانب إسرائيل مخيباً للآمال، مع أن وجود خدعة لا يزال احتمالاً ممكناً، فكل ما يهم ترامب هو فتح مضيق هرمز الذي أصاب إغلاقه من قبل إيران الرجل بالهستيريا والغضب، ومن يمكنه أن يضمن بعد إزالة الألغام، ورفع يد إيران عن المضيق، ألا يتنصل «سمسار العقارات» من كل ما تعهد به؟ يبقى هذا احتمالاً، من المؤكد أن إيران التي لم تبد العجلة في التفاوض، أو اللهفة على تجنب القصف، ولم تخش العودة مجدداً للحرب، بل كان الوقت دائماً لصالحها، من المؤكد أن إيران تعي هذا الأمر جيداً، وهي لن تسمح برفع يدها وفتح المضيق هكذا دون ضمانة مؤكدة، لهذا طالبت بالحصول على جزء من أموالها المجمدة فور التوقيع على الوثيقة، كذلك أصرت على ربط لبنان بإيران من خلال النص على وقف الحرب على كل الجبهات، وليس فقط وقف إطلاق النار، ومن المؤكد أن ترامب، الذي يتحدث مع نتنياهو كل يوم تقريباً، تعهد له بمتابعة الضغط على إيران وعلى كل المنطقة، بمجرد تحرير الاقتصاد العالمي ومنه الاقتصاد الأميركي من قبضة إيران على هرمز، وبالمناسبة، فإن تحكم إيران بهرمز لا تكمن خطورته على أميركا بسبب التضخم فقط، بل لأنه يفقدها واحدة من أهم ركائز نظامها العالمي، كما أشرنا في مقال سابق لنا.
لكن نتنياهو، الذي يعرف جيداً أن هناك أكثر من سبب يمنع ترامب من مواصلة الحرب، وليس فقط بسبب أن الحرب تحولت من الحرب الخاطفة، إلى حرب الاستنزاف طويلة الأمد، وليس لأن أياً من أهداف الحرب لم يتحقق بشكل واضح وصريح، وليس من أجل إجبار إسرائيل على أن يشمل وقف إطلاق النار لبنان، بل إن أهم سبب يعود إلى نفاد المخزون الأميركي الإستراتيجي من الصواريخ، سواء تلك الهجومية أو تلك الاعتراضية، وهي أي أميركا لا يمكنها أن تلقي بكل قوتها في الشرق الأوسط، وتفقد القدرة على مواجهة عسكرية محتملة مشابهة لما حدث في الشرق الأوسط، يمكن أن تحدث في بحر الصين الجنوبي مثلاً، أو حتى في خليج كوبا، وهذا ما اتضح خلال تعرض إسرائيل للرد الصاروخي الإيراني على قصفها للضاحية الجنوبية، الأسبوع الماضي، والتي تلاها تسريب صاخب لمشادة وقعت بين ترامب ونتنياهو، يقال: إن الرئيس الأميركي هدد فيها حليفه الإسرائيلي بأنه سيجد نفسه وحيداً في الحرب بعد ذلك.
هذا هو «مربط الفرس»، ويقيناً أن إيران سعت جدياً وطوال فترة الحرب بمرحلَتيها، المواجهة العسكرية والتفاوض، لأن تفصل بين شريكَي الحرب، مقابل التأكيد على وحدة الجبهات على جانبها، خاصة أن الداخل الأميركي يستجيب بشكل متصاعد لهذا المنحى، فالحديث يتوالى حول شعار «أميركا أولاً أم إسرائيل أولاً»، وكذلك يتوالى انتقاد الحرب من زاوية أن أميركا تشن حرباً لصالح إسرائيل، وهي بغنى عنها، وكان يمكن لترامب أن ينتهي من تلك المشكلة لو أن الحرب كانت سريعة كما حدث في فنزويلا، لكن حتى أنه لم يستطع الذهاب للحرب البرية، وبالكاد استطاع إنقاذ ملاحي الطائرة التي سقطت في إيران خلال الحرب، وتباهى بأنه نفذ «أعقد» عملية إنقاذ، ثم حرص بعد ذلك على إقناع إيران بأن رده على إسقاط طائرة الأباتشي لا يعني العودة للحرب وإغلاق باب التفاوض.
صحيح إذاً أن حرص ترامب على إخراج نتنياهو من أجواء التفاوض مع إيران كان بهدف أن تنجح تلك المفاوضات في التوصل لاتفاق، لأنه كان واضحاً أن نتنياهو بالطبع يريد أن تواصل أميركا الحرب إلى جانب إسرائيل أو عوضاً عنها، لكن مع أن ترامب حتى وهو يطالب إيران بالتكتم كما يفعل هو عن فحوى وثيقة التفاهم، حتى تمر الأمور إلى خط النهاية وهو التوقيع عليها، دون علم نتنياهو، إلا أن نتنياهو يبقى كما هو حال الشيطان الذي «ما اجتمع رجل وامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما»، فغني عن القول: إن نتنياهو لا يريد اتفاقاً أميركياً إيرانياً، لذلك سيحاول تخريبه بكل الوسائل، وليس هناك من باب أفضل من البوابة اللبنانية ليفعل هذا.
ومنذ العاشر من نيسان، حرصت طهران على أن يشمل وقف إطلاق النار لبنان، لكن إسرائيل لم تلتزم وواصلت الحرب على لبنان، وحاول ترامب القول: إن وقف النار لا يشمل لبنان، لكنه تراجع بعد إصرار إيران، وبعد توضيح باكستان، ثم دفعت أميركا بالمفاوضات الثنائية اللبنانية الإسرائيلية، لتضعف المطالبة الإيرانية بأن يشمل اتفاق الإطار لبنان كما يشمل إيران، ثم كانت معادلة «الضاحية الجنوبية لبيروت، مقابل قصف إسرائيل»، بينما تحاول إسرائيل أن تستثني عملياتها العسكرية في الجنوب، لكن أن تقصف إسرائيل الضاحية، مساء أول من أمس، يوم عيد ميلاد ترامب الثمانين، وعشية ذهابه إلى باريس لاجتماع السبعة الكبار، فذلك يؤكد محاولتها قطع الطريق على الاتفاق بإجبار إيران على الرد، بينما الأهم هو رد ترامب، إن كان سينفذ تهديده ويترك نتنياهو وحده في ميدان القتال؟!



