حين يصبح المقعد غاية: من يخدم الوطن ومن يصعد على أكتاف الناس؟

الخامسة للأنباء - غزة
الكاتب: د. ربحي دولة
في هذه الأيام، ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية الفلسطينية، يبدو المشهد الانتخابي وكأنه يستعيد شيئًا من ملامح محطات انتخابية سابقة؛ أسماء تتحرك، واتصالات تجري، وقوائم تتشكل، وأخرى ما زالت تبحث عن صيغتها النهائية، وفصائل وطنية تضع اللمسات الأخيرة على اختياراتها، ومستقلون يتشاورون حول إمكانية خوض التجربة، فيما يترقب الشارع ما ستؤول إليه صورة الانتخابات المقبلة.
ومن الطبيعي أن نشعر بشيء من التفاؤل ونحن نرى هذا الإقبال على المشاركة العامة، فأن يفكر الإنسان في تقديم نفسه لخدمة بلده وشعبه وقضيته، وأن يرى في نفسه القدرة والرغبة في تحمل المسؤولية، أمر يستحق التقدير. فالعمل العام في الأصل ليس ترفًا، والسياسة ليست مجرد مواقع، وإنما مسؤولية والتزام، خصوصًا في الظروف القاسية والاستثنائية التي يعيشها شعبنا، حيث يواجه المواطن أعباءً يومية متراكمة، وينتظر ممن سيحمل صوته أن يكون قريبًا من همومه الحقيقية، وأن يشعر بما يعيشه الناس قبل أن يتحدث باسمهم.
لكن، وسط هذا الحراك كله، يبقى سؤال بسيط ومهم يستحق أن يطرحه كل من يفكر في الترشح على نفسه قبل أن يطرحه عليه الناس: لماذا أريد أن أترشح؟
قد يبدو السؤال مباشرًا، وربما يراه البعض قاسيًا، لكنه في الحقيقة ضروري. فبين الرغبة في خدمة الناس والرغبة في الوصول إلى موقع ما مسافة قد لا تكون واضحة دائمًا. وقد يبدأ الأمر بنية طيبة، ثم تتداخل معه حسابات العائلة، والمال، والعلاقات، والمكانة الاجتماعية، والانتماء السياسي، حتى يصبح الوصول إلى الموقع هو الغاية، وتتحول الخدمة إلى عبارة ترافق الطريق.
ولا يعني هذا التشكيك في نوايا أحد، ولا يصح أن نفترض سوء النية في كل من يترشح، فالكثيرون قد تكون دوافعهم صادقة ورغبتهم حقيقية في تقديم شيء لوطنهم. لكن النوايا الطيبة وحدها لا تصنع نائبًا قادرًا على تحمل مسؤولية التشريع والرقابة وتمثيل الناس. فالموقع العام يحتاج إلى معرفة وخبرة وقدرة على الحوار واتخاذ القرار، ويحتاج قبل ذلك كله إلى إدراك حقيقي لمعنى أن يصبح الإنسان مؤتمنًا على أصوات الناس ومصالحهم.
لقد خرجنا قبل أشهر من تجربة الانتخابات المحلية، وكانت تجربة غنية بما حملته من تنافس وقوائم وتحالفات وحسابات مختلفة. رأينا كيف تحركت العائلات، وكيف حضرت الاعتبارات السياسية والاجتماعية، وكيف دخلت عوامل متعددة في تفاصيل المشهد، ثم انتهى يوم الانتخابات، وأصبح كل ما سبق جزءًا من الماضي، وبقي الفائزون أمام الناس ومطالبهم وأسئلتهم وانتظاراتهم.
وهنا تكمن أهم العبر التي ينبغي ألا نتجاوزها ونحن نستعد للانتخابات التشريعية. فالانتخابات تنتهي، لكن المسؤولية تبدأ بعدها. والصورة التي تلتقط في الحملة لا تبقى، والخطاب الذي يقال في مهرجان لا يكفي لإدارة مؤسسة، والوعد الذي يطلق أمام الناس يصبح بعد الفوز التزامًا ينتظر المواطن أن يرى أثره في حياته.
واليوم، ونحن أمام الانتخابات التشريعية، تبدو بعض ملامح المشهد مألوفة. أسماء نعرفها من المجالس المحلية، وأسماء ترتبط بعائلاتها أو مواقعها الاجتماعية، وأخرى تستند إلى حضور تنظيمي، وهناك من يمتلك المال والقدرة على الإنفاق، وهناك من يرى أن اسمه أو علاقاته تكفي لفتح الطريق أمامه.
كل ذلك جزء من الواقع، ولا يمكن تجاهله، لكن السؤال الذي ينبغي أن يحكم الاختيار هو: ماذا يستطيع هذا الشخص أن يفعل إذا وصل؟
فالمجلس التشريعي ليس مجلسًا للعلاقات الاجتماعية، ولا امتدادًا لمجلس عائلة، ولا موقعًا للمباهاة. من يصل إليه سيكون أمام قوانين وتشريعات ورقابة وسياسات عامة وقضايا تمس حياة الناس ومستقبلهم. وسيجلس مع أشخاص يختلف معهم في الرأي والسياسة والرؤية، وسيكون مطلوبًا منه أن يعرف متى يختلف، وكيف يختلف، ومتى يضع المصلحة العامة فوق الحسابات الخاصة.
وهنا لا يكفي أن يكون المرشح معروفًا أو محبوبًا أو صاحب حضور. المطلوب أن يكون قادرًا.
المال قد يساعد صاحبه في حملة انتخابية، لكنه لا يمنحه بالضرورة القدرة على التشريع. والعائلة قد تمنح صاحبها رصيدًا من الأصوات، لكنها لا تمنحه الخبرة. والتنظيم السياسي قد يفتح له باب الترشح، لكنه لا يعفيه من أن يكون مؤهلًا للموقع الذي يطلبه.
وليس في امتلاك المال أو الانتماء إلى عائلة أو تنظيم سياسي ما يدعو إلى الانتقاص من أحد، فهذه مكونات طبيعية في مجتمعنا، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه العوامل إلى بديل عن الكفاءة، وعندما يعتقد المرشح أن امتلاكه واحدة منها يمنحه حقًا تلقائيًا في تمثيل الناس.
لا أحد يملك هذا الحق وحده.
الحق يمنحه الناخب.
والناخب أيضًا أمام مسؤولية لا تقل عن مسؤولية المرشح. فكما يجب على المرشح أن يحترم نفسه وقدراته، يجب على المواطن أن يحترم صوته. لا يمنحه لمن يشتري رضاه، ولا لمن يستغل حاجته، ولا لمن يختبئ خلف اسم العائلة أو التنظيم، ولا لمن يقدم وعودًا يعرف الجميع أنه لا يستطيع تنفيذها.
فالانتخابات ليست موسمًا لتبادل الخدمات، ولا فرصة لتسديد الجميل، ولا مناسبة لرد اعتبار اجتماعي. هي لحظة يقرر فيها المواطن من يراه قادرًا على تمثيله، ومن يعتقد أنه يستطيع أن يحمل صوته إلى المكان الذي يجب أن يصل إليه.
وأخطر ما يمكن أن يحدث أن يتحول المواطن إلى وسيلة في يد من يريد الوصول إلى الموقع، ثم يجد نفسه بعد ذلك أمام نائب لم يعد يتذكر الوعود التي قطعها، ولا الناس الذين حملوه إلى مكانه.
المواطن ليس سلّمًا يصعد عليه أحد، وصوته ليس ملكًا لأحد، وثقته ليست إرثًا عائليًا ولا حقًا مكتسبًا لتنظيم أو شخص. إنها أمانة يمنحها لمن يراه قادرًا على حملها.
وعندما ننظر إلى تجربة الانتخابات المحلية الأخيرة، ثم نتابع التحضيرات الجارية للانتخابات التشريعية، فإن التشابه في بعض الوجوه والمعايير يفرض علينا أن نتوقف قليلًا. إذا بقي المال والعائلة والتنظيم هي مفاتيح التنافس الأساسية، وإذا أصبح ترتيب الاسم داخل القائمة أهم من البرنامج، وإذا أصبح السؤال هو من يستطيع أن يضمن الأصوات بدلًا من السؤال من يستطيع أن يخدم، فإننا نكون قد ابتعدنا عن جوهر الانتخابات حتى لو تمت العملية بكل أشكالها القانونية.
الديمقراطية ليست فقط أن نذهب إلى صندوق الاقتراع، وإنما أن نعرف لمن نعطي أصواتنا، ولماذا نعطيها.
ومن هنا تأتي مسؤولية المرشح قبل غيره. على من يفكر في خوض الانتخابات أن يجلس مع نفسه بعيدًا عن المجاملات والضغوط، وأن يسأل: هل أمتلك المعرفة التي يحتاجها هذا الموقع؟ هل أستطيع أن أتحمل المسؤولية؟ هل لدي ما أقدمه للناس؟ هل أستطيع أن أقبل النقد؟ هل أستطيع أن أمثل من يختلف معي كما أمثل من يؤيدني؟ وهل أريد فعلًا خدمة الناس، أم أنني أريد أن أكون في المكان الذي يراه الآخرون دليلًا على النجاح والمكانة؟
إذا كانت الإجابة صادقة، فليتقدم الإنسان بكل ثقة، وليضع نفسه أمام الناس دون خوف، وليترك للناخب حق الحكم عليه.
أما إذا اكتشف أن الموقع أكبر من قدراته، فإن التراجع ليس عيبًا، والاعتذار عن الترشح ليس هزيمة. أحيانًا يكون الإنسان أكثر احترامًا لنفسه وللناس عندما يقول: لست الشخص المناسب لهذا الموقع.
فالوطن لا يحتاج إلى عدد أكبر من أصحاب المواقع بقدر ما يحتاج إلى أصحاب مسؤولية.
وهذه المسؤولية تقع أيضًا على الفصائل والقوى السياسية التي تختار قوائمها. فالاسم التنظيمي لا ينبغي أن يكون شهادة كفاءة، والقائمة ليست مجرد مجموعة من الأشخاص تجمعهم الرغبة في الفوز. القائمة الحقيقية ينبغي أن تضم أصحاب خبرة وقدرة ورؤية، وأن تكون قادرة على تقديم برنامج واضح للناس، وأن تضع المصلحة العامة قبل الحسابات المتعلقة بالمواقع والترتيب.
والمستقلون كذلك أمام الامتحان نفسه. فالاستقلالية ليست مجرد صفة تكتب بجانب الاسم، وإنما موقف ومسؤولية، وقدرة على اتخاذ القرار بعيدًا عن الضغوط والمصالح الخاصة، وتقديم النفس للناس على أساس ما يستطيع المرشح أن يقدمه، لا على أساس أنه مختلف عن الآخرين فقط.
وفي النهاية، سيأتي يوم الاقتراع. ستنتهي الاجتماعات، وتهدأ الحملات، وتغلق الصناديق، وتظهر النتائج. عندها لن يبقى للمرشح مبرر سوى ما يستطيع أن يقدمه للناس.
سيتحول الكلام إلى فعل، والوعود إلى التزامات، والاسم الذي كان يتصدر القائمة إلى شخص مطالب بأن يثبت أنه كان يستحق ثقة الذين منحوه أصواتهم.
وهنا فقط يظهر الفرق بين من دخل الانتخابات بحثًا عن موقع، ومن دخلها بحثًا عن مسؤولية.
نحن بحاجة إلى انتخابات لا يخجل فيها الإنسان من أن يترشح، ولا يخجل فيها أيضًا من أن ينسحب إذا أدرك أن غيره أقدر منه. نحتاج إلى ناخب لا يبيع صوته، ومرشح لا يبيع للناس الوهم، وقوائم لا تجعل من الأسماء غاية، وتنظيمات لا تتعامل مع المواقع باعتبارها مكافآت.
فالبلد أكبر من مقعد، والقضية أكبر من قائمة، والمواطن أكبر من صوت يُستمال لحظة ثم يُنسى سنوات.
ومن يطلب ثقة الناس عليه أن يبدأ باحترامهم، ومن يطلب أن يمثلهم عليه أن يبدأ باحترام نفسه وقدراته، ومن يريد أن يدخل الحياة العامة عليه أن يعرف أن الموقع ليس امتيازًا يحصل عليه، بل أمانة يُحاسب عليها.
وربما يكون أجمل ما يمكن أن يفعله كل مرشح قبل أن يضع اسمه في قائمة أن يبتعد قليلًا عن ضجيج الانتخابات، وأن يسأل نفسه سؤالًا لا يحتمل المجاملة: هل أنا ذاهب إلى الانتخابات لأنني أريد أن أخدم، أم لأنني أريد أن أصل؟
أما المواطن، فعليه أن يسأل السؤال نفسه بطريقة أخرى: هل أعطي صوتي لمن يستطيع أن يخدمني ويخدم بلدي، أم لمن يعرف كيف يصل إليّ في موسم الانتخابات فقط؟
بين السؤالين تتحدد قيمة هذه الانتخابات.
فالمقاعد ستتغير، والأسماء ستتبدل، والقوائم ستأتي وتذهب، والانتخابات ستنتهي، لكن الوطن سيبقى، والمواطن سيبقى، وما نحتاجه في النهاية ليس من ينجح في الوصول إلى المقعد، وإنما من ينجح بعد الوصول في أن يكون جديرًا به.




